الرئيسية » مقالات » من بطولاتِ الشيوعيين العراقيين… مع قصة نفق سجن الحلــــة

من بطولاتِ الشيوعيين العراقيين… مع قصة نفق سجن الحلــــة

نشر الأستاذ والصديق الكريم صباح كنجي لقاء مع الأستاذ(كمال ملكي) الرسام والمشرف التربوي المتقاعد والشيوعي المعروف في جريدة (ريكان كردستان )الأسبوعية العددان 84 و85 الصادرين بتاريخ 23 و30/11/1993،وهو من الذين خططوا ونفذوا العملية وأسهم بشكل فاعل فيها ولأهمية هذا اللقاء الذي تفضل الأخ الكريم بإرساله ألينا ارتأينا نشره إلى جانب الوثائق الأخرى الخاصة بعملية الحفر والهروب والأشخاص القائمين بها لوضع القارئ الكريم بالصورة الحقيقية لهذه العملية وبعد الانتهاء من نشر هذه الوثائق،سيكون الأمر مطروحا أمام الأخوة الباحثين لبيان رأيهم وحسم الأمر في هذه العقدة الشائكة التي يدعي الكثيرون قيامهم بها،وسيكون لنا دراستنا عنها على ضوء الوقائع والأدلة التي ستنشر تباعا،يقول الأستاذ( سجل الشيوعيون العراقيون، وأصدقاؤهم، منذ اليوم الأول لتأسيس حزبهم في آذارعام1934، العديد من المواقف البطولية المشهودة، في صراعهم ضد الأنظمة الدكتاتورية والرجعية، دفاعا عن مصالح العمال والكادحين وجماهير الشعب، بالرغم من البطش والإرهاب الذي رافق مسيرة الحزب على امتداد أكثر من ستين عاما، وارتقى البعض من هذه الأحداث، إلى مستوى الأسطورة ومنها قصة النفق في سجن الحلة عام 1967، الذي استمر العمل والحفر فيه لمدة ( 58) يوما ً.

وهي أحداث لم تسجل ولم يطلع عليها جيل الشباب الثوري المنضوي في صفوف الحزب بسبب الظروف القاهرة التي رافقها الإرهاب والاضطهاد.

في مدينة دهوك … كان لنا هذا اللقاء مع الأستاذ ( ك،م) الفنان والمشرف التربوي المتقاعد، ذلك الشاب الكادح الذي انخرط في صفوف الحزب منذ نعومة أظفاره، حينما كان طالبا ًفي ثانوية دهوك، حيثُ اطلع على الماركسية وقرأ قصة الأم لمكسيم غوركي، وأول عدد من جريدة الشرارة وقع بين يديه. فكان ذلك بداية التعميد الثوري لهذا الشاب الممتلئ حماسا ًوقوة للدفاع عن مصالح الكادحين.

وشاءت الظروف، أن يكون واحدا ً، من الذين خططوا وحَفروا نفق سجن الحلة،و على امتداد أربعة جلسات متتالية، كانت الحصيلة هذه الرواية-الأسطورة، لتلك الأحداث الهامة من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي المجيد الذي كان يسير الخطى من أجل:

الوطن الحر و الشعب السعيد.

******
كيف بدأت محاولاتكم الأولى للشروع بقصة حفر النفق في سجن الحلة؟

الرفاق داخل السجن كانوا قد قدموا مذكرة إلى منظمة الحلة يطالبون فيها المساعدة لأجل مشروع هروب جماعي من داخل السجن وبعد موافقة الحزب من خلال قيادة منظمة الحلة.

جاءني الرفيق ( حسين ياسين ) وقال لي:

رفيق كمال لك عدة محاولات للهروب من السجن ولكنها فشلت لان الرفيق (زوران) كان يدركها ويقنعك بالعدول عن هذه الفكرة،وأضاف طالما كان لديك هذه الرغبة وهذه الشجاعة، لماذا لا نتفق على مشروع هروب جماعي ؟

قلت له :

لديّ كامل الاستعداد، أستطيع أن اخطط لهذا العمل، كنتُ آنذاك مسئولا ًً عن الفرن ، يحقُ لي الصعود إلى السطح، يوفر لي هذا الحق رؤية السجن ومشاهدة ما حوله خارج السور، وأستطيع أن احدد الطريقة والوسيلة الملائمة والناجحة..



بعد أنْ اتفقتم على الفكرة وبدأتم بالتخطيط والعمل ماذا كان أول إجراء ؟

شخصت المهمات الإدارية للسجن وكانت لجنة مكونة حسب ما اعتقد من عبد القادر البستاني وعبد الصاحب مع خمسة رفاق لتنفيذ المهمة.

من كانوا هؤلاء الخمسة المشخصين لهذه المهمة؟



كنا .. أنا والرفيق حسين وفاضل عباس ومجيد الملقب جدو وسمير الذي كان مصابا ً بالقرحة المعدية.

كيف شخصتم المكان الملائم للنفق ؟


في اليوم الثاني استطلعتُ السجن بإمعان، حددتُ المكان الملائم للحفر، وجدتُ أفضل مكان هو الصيدلية، في داخلها فوهة بلوعة مغطاة، حينما طرحتُ الفكرة على الرفاق اقتنعوا بها، في أول يوم نزلتُ، نظفت البالوعة من القاذورات التي فيها، لم تكن كثيرة.

هل بقيت الصيدلية في نفس الغرفة وأنتم تواصلون العمل؟

كلا فقد رتبنا لها حجة وقدمنا مذكرة إلى إدارة السجن نطلب فيها تحويل الصيدلية إلى قاعة أخرى لأنها بعيدة خاصة وإن عدد السجناء قد قلّ و قلنا سوف نحول الصيدلية إلى مخزن وتمت الموافقة.

هل تستطيع أن تحدد بالضبط اليوم أو الفترة التي تم فيها الحفر ؟


كان ذلك في نهاية تشرين الأول من عام 1967، استمر العمل لمدة( 58 ) يوما ً فقط علما ً، تقديرات السلطة كانت بعد هروبنا ( 9 ) أشهر ليلا ً ونهارا ً لإتمام الحفر.


كيف بدأتم تحفرون بأية وسائل وأدوات ؟

حفرنا النفق على شكل درج وكنا نحفر بأدوات بسيطة وبدائية حصلت عليها بحكم تواجدي في الفرن.

كيف كنت تراوس بين عملك في الفرن والحفر وهل كنت تزاول أعمال أخرى ؟


كنتُ أعملُ في الفرن من الساعة الخامسةً لغاية الثامنة صباحا ً، في النهار كنتُ أمارس عملي الفني حيثُ أصنع الباجات وأرسم صور الرفاق ، كذلك عملتُ نصبا ً من البورك بحجم ( 6 ) أمتار داخل فناء السجن وحولتُ الصيدلية القديمة إلى مرسم للتغطية على عملنا في النفق، نحفر في الليل فقط، نتعاون على إخراج التراب، أحيانا ً نعملُ في حفر النفق لغاية الساعة (4)فجرا ً، نواجه الإرهاق والتعب بإصرار الشيوعيين الذي لا يكل.


كيف كنتم تتخلصون من التراب ؟ الم يخلق لكم مشاكل ؟


في المرحلة الأولى قدمنا شكوى إلى إدارة السجن حول تصليح السطح الذي كان من التراب بحجة انه ينقط ماءً أثناء المطر وطلبنا من إدارة السجن جلب لوري تراب، واستجابت الإدارة و قد تخلصنا من أول دفعة من التراب بوضعه فوق السطح و كان يخلط في نفس اليوم مع التراب الذي جلبوه وقد جبل ليصبح طينا ً…هكذا تخلصنا من أول كمية كنا قد حفرناها، انطلت حيلتنا على السلطات داخل السجن وبالمناسبة الترابُ جُبلَ بعرقنا، كنا نشربُ بحدود 20 كأسا ً من الماء يوميا ً مخلوطا ً بالملح، لأن طبيب السجن أوصانا بعدم شرب الماء العذب.

إذن الطبيب أيضا ً كان على علم، من كان هذا الطبيب وكيف عرف بذلك؟

إنه محفوظ معاون طبيب، عرف من خلال الهيئات الإدارية داخل السجن.

استمرَّ الحفر.. المْ تواجهكم صعوبات ومخاطر جديدة؟

نعم استمر الحفر… العمل أصبح أسهل… وصلنا إلى منطقة مكونة من الطابوق ، كان الحفر أسرع، إلا أن المشكلة التي واجهتنا إنّ للتراب الجديد الذي نستخرجه عمق النفق مع الطابوق رائحة خاصة تجلبُ الانتباه، حِرْنا كيف نتخلصُ من هذه المشكلة ؟.


كيف تخلصتم منها ؟!


قدمنا طلبا ًإلى إدارة السجن لأجل جلب قلاب جديد من التراب لوضعها في سطح الكابينات المخصصة لمحو الأمية التي كانت ترشحُ ماء ً، اتفقنا مع منظمة الحلة خارج السجن على رشها بالديتول و الا سفنيك كي تقضي على رائحة التراب الذي نستخرجه من تحت الأرض وبهذه الطريقة تخلصنا من التراب الجديد ورائحته المتميزة.


لقد نفذ صبري أيها الرفيق وكذلك صبر القراء، كم كان طول النفق بالضبط ؟

26 مترا ً كخط ٍ مستقيم، تختصر الى 20 مترا ًلوجود انحناءات بسبب خطأ في تحديد في الاتجاه أثناء العمل داخل النفق.

وبقيت مشكلة رمي التراب، كيف ذللتم هذه القضية فيما بعد ؟

بعد إتمامنا لأكثر من نصف النفق واجهتنا فعلا ً مشكلة كبيرة بخصوص رمي التراب، قلتُ للرفيق حسين من الضروري أن نفاتح إدارة السجن بفتح دورة لهواة الرسم وتهيئة معاكس و أدوات العمل الفني بما فيه الخشب بكميات جيدة، بعد موافقة إدارة السجن، اخترنا أن تكون القاعة المتاخمة للنفق لهذه المهمة وقدمنا طلبا ً بإخلائها خاصة وإن العدد قد قلّ و استجابوا لطلبنا،وكانت القاعة بطول ( 8 ) متر فوضعت منضدة تمويهية بطول ( 6 ) متر في القاعة وبعرض (120) سم وارتفاع (120) سم أيضا ً، عملتها من الخشب الذي جلبوه للرسم، وكتبت إعلان بقرب افتتاح دورة لهواة الرسم، كنا نضع التراب في هذه المنضدة التمويهية.

وبعدها ؟

عملتُ ثلاث زوايا داخل القاعة نفسها … ملأناها بالتراب المستخرج أيضا ً.

يتضحُ من حديثك إنّ العبء الأساسي قد وقع عليك الم تصاب بالإعياء؟

نعم كنتُ اعمل مدة ( 6 ) ساعات في الفرن وأكثر منها في النفق ليلا ًوكنت تعبا ً بشكل لا يوصف إلاّ أنّ إرادتي وإرادة بقية الرفاق والشوق للخروج من هذا السجن الرهيب و مواصلة النضال قد غطى كل تعبنا وكنا نحفر بشوق ..بلا تماهل.

سوف لن أسألك أيها الرفيق فواصل حديثك شيئا ً فشيئا ً كما يحلو لك..

في اليوم التالي لهذا الحديث خطرت لي فكرة داخل النفق، تساءلتُ بوجل هل نحن نسير في الحفر بالاتجاه الصحيح؟ كيف يمكن أن نؤكد صحة اتجاهنا ؟

كيف تأكدتم من هذا ؟

بايرسكوب بدائي عبارة عن صندوق بسيط فوقه مرآة أنزلته معي للنفق، حفرت هذه المرة باتجاه الأرض هرما ً إلى أن جعلتُ فوهتهِ الصغيرة موازية لسطح الأرض، شاهدتُ من خلال المرآة حرسان يتحركان، وشاهدت السياج أيضا ً.

وكانت هذه مغامرة من مغامرات حفر النفق بالذات ؟

نعم كانت مغامرة فعلا ً، لكنني كنت فرحا ً للغاية، وسعيدا ً بهذا الإنجاز، حينما عدتُ قلت للرفيق حسين لا أستطيع أن استمر لأني تعب جدا ً، احتاجُ استراحة للنوم قليلا ً، كانت الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل، عليّ النهوض من جديد في الخامسة صباحا ًلأجل العمل في الفرن.


أكيد انك غفوت و نمت بعمق بعد هذا التعب والعمل المتواصل خاصة إنك تأكدت من اتجاه الحفر الذي كان يؤرقك قبل ليلة ؟

ضحك بصوت عال وقهقه، كلا لم أنم إلا ساعة واحدة وإذا بصوت الرفيق حسين يوقظني بوجل ٍ وخوف شديدين، لقد انكشفنا، لقد انكشف النفق …كان مذهولا ً لم يتجرأ التقرب من فوهة النفق، تقدمتُ … رفعتُ الغطاء، كنت في حالة من اللاوعي … نزلتُ في النفق إذا بأصواتٍ غريبة تأتي من داخله، خرجتُ لأجلب حبل معه قطعة حديد( جنكال) وسكين صغيرة، عدتُ مجددا ً، فإذا بعينين تتلألأن داخل النفق تتقدمُ لتقترب مني ببطء ٍ، لم تكن إلا قطة صغيرة قد سقطت من الفتحة التي فتحتها باتجاه الأرض لمعرفة الاتجاه، رميتُ ( الجنكال )، تقدمتُ نحوها، أمسكتها بيدي بقوة وفي حالة من العصبية لويت عنقها فماءت بصوت عال ٍ، إلا ّ أني كسرتُ رقبتها وسلسلة عامودها الفقري، رميتها ميتة ً، كنت في حالة متوترة اقربُ إلى الهياج.

خرجتُ فورا ً، طلبتُ من حسين أن يأتي بكيس من البورك الذي جلبتهُ للتمثال الذي انوي صنعهُ، هدأت نفسي بعض الشيء ونزلت من جديد للنفق، بدأتُ ببناء هرم من الداخل، وضعتُ قطع الطابوق والبورك والقطة مع قطعة تنك صغيرة في الفتحة وأغلقتها من جديد، بالمناسبة أخرجتُ رأسي من هذه الفتحة قبل أن أبدا بالبناء، شاهدتُ الحرس هذه المرة بأم عيني، المهم سددتُ الفتحة وأنا واثق لو مشت من عليها بقرة أو جمل سوف لن تهدم ومن المحتمل إن تلك المواد وذلك الحائط لا زال قائما ً تحت الأرض.. لست ادري.


وماذا بعد كل هذا أيها الرفيق هل أسالك أم تستمر أنت في الحديث ؟

خرجتُ من النفق بعد إتمام هذا العمل الساعة الرابعة والنصف وكان موعد إيقاظ العاملين في الفرن الساعة الخامسة صباحا ، إلا ّ إني كنت تعبا ً ومرهقا ً، لم انهض في الموعد المطلوب، لكن الحرس أيقظني في الخامسة، طلبتُ منه استراحة، لم يستحب لطلبي، نهرني وطلب مني النهوض بلغة حازمه، تمالكت نفسي، نهضت، توجهت المغسل، استحممتُ بالماء البارد كي أتدارك الإعياء الذي كاد أن يشل جسدي.. كان ذلك في تشرين الثاني والجو بارد ، خبزتُ الوجبة الأولى وفي الوجبة الثانية أمام الفرن أغمي علي من شدة التعب والإعياء، أكمل الخبز رفيق آخر كان يتدرب على الخبز، أخذوني إلى القاعة للاستراحة…. أعطاني الطبيب ( محفوظ) مسكنات ونبهني إلى ضرورة اخذ راحة ، خلدتُ للنوم العميق، لم انهض في وجبة الغذاء.

عند العصر نهضت، توجهت من جديد إلى اخذ حمام بارد وبعدها ذهبتُ للحانوت لأشرب الشاي، فوجئت بالرفيق حسين كان ينظر إلي ّ بحنان وعطف، قلت له لا تهتم يجب أن نسرع في إنجاز المهمة وأن نواصل العمل بلا تباطؤ.

هل توقف العمل مؤقتا ً وخلدت للراحة كما أوصاك الطبيب؟

كلا بالعكس فقد نزلت في الليل من جديد لمواصلة الحفر وكان فاضل وحسين يسحبون التراب ويضعونه في أماكن عديدة ، كان يوما جميلا ً حيث و صلنا ونحن نحفر داخل النفق إلى بئر يابسة جافة بعمق نصف متر تحت النفق على شكل تنور، اعرض من النفق من جهة بأكثر من متر، أخذنا نضع التراب فيها، عملنا في داخلها رفوف لوضع التراب عليها فوق النفق .. كنا حينها نعمل ونحن سعداء بشكل لا يوصف، تجاوزنا ثلاثة أرباع النفق، كلما تقدمنا يتباطؤ العمل بسبب طول المسافة لنقل التراب، خاصة بعد أن مليء البئر بالتراب.

وتجددت مشكلة التراب وأين ترمونه من جديد أليس كذلك؟

نعم تجددت المشكلة أين نضع التراب بعد أن امتلأ البئر ؟

كيف ذللتم هذه المشكلة وانتم في الجزء الأخير من هذه المهمة، حتما ًإنّ إصراركم هو أقوى واكبر من المشكلة التي تواجهكم؟

بنينا حائط موازي للصيدلية من الداخل وصبغناه بنفس لون الجدار لوضع التراب وراءه كان هذا الحل الوحيد لنضع فيه التراب المستخرج، معاناتنا لا توصف من شدة التعب والقلق.

الم تفكروا باحتمال كشف الموضوع من قبل إدارة السجن ؟

كلا بالنسبة لإدارة السجن لم نفكر باحتمال دخولها هذا المكان، لكن حدثت مفاجأة، حينما جاء ذات يوم مفتش عام وأراد أن يدخل الصيدلية القديمة التي بنينا فيها الجدار، لكي لا يدخل بشكل طبيعي أسرعت ووضعت استاد الرسم بالقرب من باب الصيدلية وبدأت أسرع في رسم لوحة، وعندما جاء وأراد الدخول، اشمئز من هذا التصرف قائلا ً:

أنتم جمهورية قائمة بذاتها في هذا السجن…. لهذا سوف لن أفتش أي زاوية فيه، إحتجّ وذهب..

كان هذا في الوقت الذي وصلتم فيه إلى نهاية النفق أليس كذلك ؟


نعم بالضبط..

إذن كيف تهيأتم للخروج بعد إتمام النفق وماذا كان ينتظركم ؟

هيأنا أسماء الذين يهربون واخذ صور لهم بحجج واهية لأجل عمل هويات مزورة، وهم لا يعرفون شيئا ًعن قصة الهروب ومراحلها، أو انهم سيكونون أحرارا ًبعد أيام معدودة، جهزنا ملابس كرديه وعربية منوعة.

انتم الآن في المرحلة النهائية بما ذا تتصفُ ؟وماذا تنتظرون ؟

ونحن في المرحلة النهائية لم يبقى لنا مكان نضع فيه التراب فطلبنا عشرة بطانيات قديمة وضعنا التراب فيها ورصصناها مع الجدار، وكذلك بنينا جدار داخل النفق ووضعنا التراب فيه وفرشنا أرضيته بالبطانيات كيلا تتسخ ملابس الذين يخرجون وأيضا ً مددنا سلك كهربائي وأشعلنا الضوء داخلة كي نسهل عملية المرور وننجزها بسرعة قياسية.

وبعد حدثنا أيها الرفيق عن المزيد من تفاصيل القصة المثيرة التي تفوق قصص السندباد والألف ليلة وليلة.. قل ما تشاء…


أنجزنا النفق بطول( 26 ) كما قلتُ، انتهى بعد اختراق ستة سياجات من الكونكريت المسلح باتجاه كراج كربلاء الذي ينتهي بفتحة هي عبارة عن طابوقة.

أعطينا الهويات من هذه الفتحة إلى الرفاق خارج السجن، كانت طابوقة صغيرة ترفع من داخل الكراج وتم إرجاع الهويات بعد تغليفها من نفس الفتحة وفي نفس اليوم بعد ساعات قليلة.


الآن كل شيء جاهز وسوف تخرجون بعد قليل؟

نعم ولكن حدث ما لم نكن نتوقعه فقد حدث شجار داخل السجن، أدركنا إن الحزب منشق بين ما يسمى باللجنة المركزية القديمة واللجنة المركزية الجديدة، وكان احد أسباب الانشقاق داخل منظمة السجن النفق وعرفت إن زميلي على ملاك اللجنة المركزية القديمة واني على ملاك اللجنة المركزية الجديدة (القيادة المركزية) من حيث لا ادري، وان الخلاف كان بسبب حصول البعض على الهويات والبعض لم يحصل عليها وعلم الجميع بقصة النفق إلا السجناء العاديين.

وفي هذه الأجواء المؤلمة ماذا حدث؟ كيف تداركتم الوضع ؟

لقد تقرر تقديم فكرة الهروب (22) ساعة أي يوم كامل وكان من المتفق عليه أن تجري عملية الهروب في 10 عاشوراء لأنّ الكراج مزدحم بالمواطنين وبدل التاريخ بتسعه عاشوراء وتطور الخلاف ليصبح معركة بالأيدي، فخرجت نحو الحانوت لأحتسي الشاي كأني لا ادري شيئا ً ، أراقب الموقف بقلق وألم.

تحتسي الشاي وأنت الذي فعل كل شيء، هل هذا معقول ؟

كنتُ في حالة من الفزع الشديد، الرفاق يدخلون النفق ويخرجون من الطرف الآخر، لكن الكراج كان خاليا، بسبب تقديم الموعد من دون إعلام المكلفين بالمساعدة والاستعداد في الخارج.

يعني أن البعض اخذ يتوجه للخروج ، أي أن عملية الهروب بدأت وأنت في الحانوت ؟

نعم توجه البعض للدخول إلى النفق ..اخذوا يخرجون تباعا ً

ماذا فعلت بعد كل هذا الجهد؟

كنت في حالة من الصراع مع النفس، هل اهرب أم لا ؟ وفي حالة عدم هروبي سيقول الرفاق أني جبنت، لهذا توجهت فورا إلى فوهة النفق ودخلته بملابس السجن

وماذا وجدت فيه؟

وجدتُ أكثر من (15) رفيقا ً وحرس الكراج يصرخ جنيّ يخرج من تحت الأرض، اجنه تخرجون من تحت الأرض وبصوت ٍعال للأسف، كان صديقا ً للحزب لكنه لم يكن يعرف شيئا ً عن الموضوع فاستمر في الصراخ إلى أن نبهَ حرس السجن.

خرجتُ وجدتُ كلبا ًصغيرا ً ينبحُ مع الحرس والحرس يصرخُ هذا احدهم وقفت بالقرب منه، قلتُ له ماذا بك هل لم ترى إنسانا ً ألا تدعنا حتى بالتبول؟ ماذا تعني هذا واحد منهم؟! مسكتُ الكلب ربطهُ بعيدا ً، لمست كتف الحرس كان مذهولا ً.

ها أنت خرجت، الذين سبقوك قد مشوا وهناك من ينتظر الخروج؟

نعم خرجتُ وتألمتُ، علمتُ فيما بعد كنتُ آخر سجين يخرج فقد سبقني ( 46) مناضلا ً ، أما الآخرين فلم يخرجوا بقوا داخل النفق وعادوا للقاعة حينما علمت إدارة السجن بكل شيء…

وبدأت المطاردة خارج السجن ؟

عدتُ للعمل السري في ظل أجواء القمع والإرهاب، أتجول من منطقة لأخرى لحين وصولي المناطق الآمنة في الأهوار .. من لحضتها بدأت قصة جديدة من حياتي لا علاقة لها بالسجن، لكنها كانت في البعض من تفاصيلها وأحداثها اخطر وأفظع من قصة حفرنا لنفق سجن الحلة…

صباح كنجي

– نشر السجين نعيم الزهيري (أبو واثق) تعقيبا ً في حينه على هذه المقابلة للأسف لا املك نسخة منه يمكن إعادة نشره توثيقا ً للأحداث كما يمكن أن يروي الأحياء من المشتركين في عملية الهروب المزيد من التفاصيل لأجل تسجيلها.

– يمكن لوزارة الثقافة أنْ تتأكد من ما ورد في اللقاء من وجود آثار تحت الأرض في موقع السجن والنفق..