الرئيسية » مدن كوردية » مساجد السليمانية ومدارسها الدينية القسم الثاني

مساجد السليمانية ومدارسها الدينية القسم الثاني

وان بعض علمائهم الدارسين في مواطنهم خرجوا منها وقصدوا الأماكن الكبيرة ابتغاء للعيش أوسع ورزق ارغد أو طلباَ لهم من أمرائها فدخلوها مرحبين نالوا الاسم والشهرة واكتسبوا الرسم والرياسة.
ومنهم الملا محمود الكردي في دمشق والشيخ إبراهيم الشهراني الكوراني في البلاد الحجازية، والشيخ صبغة الله الحيدري والملا يحيى المزوري ، والشيخ عبدالرحمن الروزبياني وغيرهم في بغداد والملا عبدالله البيتوشي في البصرة والإحساء، والملا جرجيس الاربلي في الموصل.
ولكن وللأسف ضاعت تراجم كثيره لعلمائنا ونسيت أسماؤهم وأحوالهم بتاريخ صحيح مفصل وطوى التاريخ تراجم علماء الأكراد في مجاهله وذلك باعزالهم وانزوائهم وتمسكهم وتواضعهم فنسيت أحوالهم وأعمالهم وأهمل ذكراهم. وان انزواء وإهمال أعمالهم يعود إلى عدّة أسباب من أهمها:ـ
1ـ عدم الاستقرار الأمني لبلادهم.
2ـ كثرة الغارات على أراضيهم.
3ـ فقدان المدنية والعمران المتسع.
ولولا هذه الأسباب التي ذكرت أنفاَ لكان كثير من مؤلفات علمائنا باقية ولم تتلف أو تحترق لان أجواء وأحوال بلاد الكرد ملائمة للإبداع. أما بخصوص نتاجاتهم فقد بقيت مخطوطة على رفوف مكتبات المساجد في القرى والمدن أو أتلف القسم الكثير منه أو ضاعت أو احترقت بسبب الغارات والحروب العدوانية التي كانت أراضي الكردية مسرحاَ لها.
ويورد المحقق الأستاذ محمد علي القرداغي بعض الأمثلة على فقدان مخطوطات بعض علمائنا الأفاضل. بخصوص مكتبة قصبة(قلعة جوالان) المشهورة والقديمة العريقة التي أنشأها أمراء إمارة البابانية في(قلعة جوالان) كانت فيها مكتبة عامرة شهيرة عائدة للأسرة البابانية وكانت تحتوي على نفائس الكتب لان أسرة البابانية كانت تحب العلم والثقافة ويهتمون بالعلم والعلماء وكانوا يرسلون أناسا إلى الأماكن البعيدة والمراكز العالية لشراء الكتب واستنساخها(خاصة النفيسة والنادرة )، ولقد برز فيها جماعة من أكابر العلماء واشتهروا مثل الشيخ محمد وسيم السنندجي الكبير مدرس سليمان باشا، والملا محمد غزائي ، وملا علي ، وملا محمد القزلجيون، وغيرهم من أكابر العلماء.
وهناك وثيقة مهمة وقفية من المرحوم سليمان باشا كتبت (1174هجرية) وهي تحتوي على تعداد الأملاك الكثيرة التي وقفها من القرى والعقارات والحمامات والدكاكين والارحية مع بيان مصارفها. وجاء فيها:((لقد وفقت فوقفت جميع عقاراتي من البساتين والرحى والخانات والأراضي والقنوات والدكاكين والتيمارات(دور العلاج) التي تملكت بالشراء والأحياء والأحداث من شهرزور وتوابعه ومن كوي(أي كويسنجق)ولواحقه ومن اربيل ومضافاته ومن كركوك وما يليه ومن مريوان(الآن واقعة ضمن حدود جمهورية إيران الإسلامية) وقراه على مدارس قلعة جوالان ومدرسيه وطلابه وجوامعه والجسر فيه وفي شهرزور وعلى الأيتام المتعلمين بقلعة جوالان وعلى المعتكفين في عشر آخر رمضان والأيام المعدودات، وعلى دار الضيافة والواعظ والمترجمين والمصفقين فيها،وعلى مدرسة كلعنبر ومدرسيه وطلابه وجامعة، وعلى مدارس وطلاب ومدرس قصبة كوي وعلى مدرسة اربيل ومدرسيه وعلى المدرستين اللتين بنيناهما بكركوك وعلى الطلاب والمدرسين بتفصيل كتب في الحجج وعلى حيدة 1هـ)).
ويقول محقق الكتاب((أنني وصلت من خلال المخطوطات إلى ان هذه القصبة(قلعة جوالان) كانت قائمة عام 1026هجرية وكان فيها الجامع الكبير وكان في سنة 1144هجرية المدرس فيها وهو مولانا موسى، وكان من المدرسين فيها عام 1153 هجرية الشيخ عبدالصمد البرزنجي الالكي، وكان فيها جامع يسمى بـ(جامع السليمانية) عام 1170هجرية، وكان فيه الملا خضر الروباري. كما كانت فيها مدرسة مولانا عبدالقادر عام 1184 هجرية)).
أما بخصوص مكتبة المسجد الكبير في مدينة السليمانية والتي نقلت إليها محتويات المكتبة البابانية من الكتب ونفائسها، ولكن ضاع كثير منها وخاصة بعد انقراض الأسرة البابانية ولم يبق لهم شان سرق قسم منها والمتبقي منها أمر بحفظها من قبل السيد المفضال كاك احمد الشيخ، وبعد وفاته امتدت إليها أيدي العبث والتلاعب من كل جهة ثم احترقت من قبل الانكليز عندما احتلوا مدينة السليمانية وأضرموا في كتبها النار بعد جمعها في ساحة المسجد الكبير وقد بقيت منها القليل من الأوراق المبعثرة وما يقارب ثلاثمائة مجلد تحت أكوام من التراب. ولقد رايتها وتصفحتها((الكلام لـ(محمد القزلجي))، فإذا فيها كتب مهمة تشهد بصدق المسموح من عظم المكتبة.
ويقول الأستاذ المحقق محمد علي القره داغي حول فقدان مخطوطات المؤرخ العراقي الكبير عباس العزاوي قائلاَ:((غير انه مما يؤسف له ويحز في النفس ما حصل لهذه المكتبة وكان يجب ان لا يحصل أصلا ـ فقد تبعثرت مخطوطات هذه المكتبة(مكتبة عباس العزاوي) وتوزعت على عدّة مراكز في بغداد، ويروى ان نفائس من مخطوطات هذه المكتبة قد هربت عبر حقائب الدبلوماسية إلى البلدان المجاورة. ولم يعثر لحد الآن على ما يحدد بدقة محتويات مكتبة عباس العزاوي من مخطوط ومطبوع.
اما مكتبة العلامة الملا عبدالله القزلجي الذي لا يعرف ماذا حل بها وآثارها التي بلا شك كان فيها الكثير من نتاجه ونتاج آبائه وأسلافه من العلماء الأفاضل.ويقول المحقق((قامت أسرته بلملمة ما في مكتبته من كتب ومخطوطات ومجلات وغيرها كأنما عبء ثقيل على بيته الذي أسسه بجهود مضنية ليلقوها عن كاهلهم ويخلفوا وطئها عليهم فأخذوها ودفعوها لأحد المشايخ بغداد، دون أية توصية أو اهتمام بذلك التراث وطرق سمعي ان الشيخ هذا وضع هذه المكتبة في مزاد علني ولدى سماع ذلك أسرعت الخطى إلى بيت الشيخ فوجدته قد انتهى من بيع كثير من كتبه ومخطوطاته باللغة العربية وبقيت لحسن حظي مخطوطة كردية والأعداد الكاملة تقريباَ من مجلة(كه لاويز)الكردية وكثير من أعداد مجلة(ده نكى كيتى ى تازه )الكردية فاشتريت ما تبقى بأقساط))
. أما عن مخطوطات وكتب العلامة عبدالكريم المدرس يقول:((عندما أشرفت على كتب العلامة المرحوم عبدالكريم المدرس وأعددتها للطبع كنت اكتبها بخطي وأعيد المخطوطات الأصلية، ليتني لم افعل(إلى الشيخ المدرس) وهو يحتفظ بها في دواليب مقفلة في غرفة خاصة وأوصى الشيخ قبيل وفاته بوقف مكتبته ونقلها إلى المكتبة القادرية وبعد ذلك سألت(نجله)الأستاذ محمد الملا عبدالكريم عن مصير المخطوطات الأصلية لمؤلفات والده(الشيخ عبدالكريم المدرس) وهو اشرف على نقل كتب ومخطوطات والده إلى المكتبة القادرية فأجابني((انه لم ير ولم يجد كثيراَ من تلكم المخطوطات)).
بناء المساجد
وكانت المساجد تبنى أساساتها على حجر والنورة( )وفي كل حرم معد للصلاة وغرفة توضع فيها لوازم المسجد وغرف أخرى تسكن فيها طلبه العلم ليلاَ ونهاراَ وفيها مبيتهم ومنامهم ومطالعتهم ومذاكراتهم. وهناك غرفة أخرى مدرسة للمدرس يطالع ويدرس فيها. وفي صحن كل مسجد ساحة كبيرة تحتوي على حديقة جميلة ناضرة وقناة جارية ينصب الماء العذب منها في حوض معد للوضوء يتوضأ منه الناس ويشربون ذلك على مذهب الإمام الشافعي)). أما عند تخرج الطلاب أو انتقالهم من مرحلة إلى أخرى فكانت العادة جارية بينهم ((ان كل طالب علم يجتاز دوراَ مهماَ في التحصيل ويأخذ الشهادة العلمية(الإجازة) من الأئمة المجازين، يعين له راتب خاص ويوظف في مدرسة حسبما يستأهل،وبعد انقراض البابانية(أي أسرة البابان في السليمانية وشهرزور) تعهد أهالي كل محلة بنفقات مساجدها ومدارسها وسد حاجات طلبتها ، ورواتب مدرسيها من الزكاة والصدقات، وأنواع المبرآت)).
وكانت هناك عند الكرد نوع خاص من المدارس تسمى بـ(مدرسة سيارة) تتلاءم وطبيعة حياتهم.. المتنقلة(الرحالة) من الذين كانوا يتنقلون مع أغنامهم من الرحلات الشتوية والصيفية تبعاَ لعشائرها الرحالة ومن هذه العشائر(عشيرة الجاف وعشيرة البلباس في منطقة السليمانية وعشيرة هركي والخيلاني في منطقة اربيل وعشائر الكوجر الارتوشي في منطقة دهوك) فكان المعلمون يسيرون والطلبة تسير بخيامهم ولوازمهم ابتهاجاَ بمثل هذه الرحلات إلى مشتى أقوامهم ومصطافها ومتربعها.

Taakhi