الرئيسية » مقالات » رسالة الى جبهة التوافق العراقية: ماذا عن الكرد الفيليين؟

رسالة الى جبهة التوافق العراقية: ماذا عن الكرد الفيليين؟

لايخفى على أحد ولا يمكن له نكران أو تجاهل أو استصغار أنكم قوة عراقية سياسية كبيرة ذات تأثير قوي وفاعل على الساحة العراقية وتوجهاتها وقيادتها سواءاً أكنتم في الادارة المباشرة بالحكم أم على مقاعد المعارضة، وكذلك على أرض الواقع الاجتماعي والوطني والقومي للشعب العراقي. وليس من سبيل الاثبات أو التذكير أو التأكيد بأنكم تمثلون مكوناً رئيساً من هذا الشعب إن لم تكونوا الأكثر تأثيراً تاريخياً في التوجهات السياسية والوطنية والقومية القادرة على رسم السياسات واتخاذ المواقف وادارة دفتها بالاتجاه الذي تؤمنون به أو ترون صلاحيته وأحقيته في بناء العراق الجديد تأسيساً على التجربة والخبرة التاريخية المتراكمة لديكم في ادارة الحكم وقيادة البلاد لعقود وعقود، وبناءاً عليه امتلاك المؤهل السياسي العالي الماهر مما يمنحكم المعرفة والقدرة والمهارة في التحرك السياسي وكيفية رسم وبناء المواقف والخطط والتحكم فيها مستندين الى كمية تلك الخبرة الغنية الماضية، اضافة الى كل ذلك العمق العربي الكبير الرسمي والشعبي المساند والمؤيد والداعم لكم مما منحكم ويمنحكم القوة اللازمة في العمل السياسي والحكم وتنفيذ برامجكم وتطلعاتكم.

بالتأكيد إنه ليؤسفنا بل ويثير غضبنا وألمنا وخوفنا على وطننا وشعبنا توجهات وحديث البعض البعض عن المحاصصة الطائفية ومحاولة زرعها في مجتمعنا العراقي الذي كان بعيداً تماماً عنها وعن تداعياتها ونتائجها الخطيرة والمقلقة والمؤذية المفرقة لشعبنا الذي أعطى تاريخياً نموذجاً راقياً مشرقاً في التسامح والتآخي والتعاضد والتوحد الاجتماعي والديني والمذهي والقومي الى درجة التزاوج والتمازج والتعاقد والتعاون بين كل مكوناته دون النظر الى الأصل والفصل والمذهب والعرق مما خلق مجتمعاً موزائيكياً رائع الصورة جميل المكون عطر الشذى متعاوناً في السراء والضراء. وليس خافياً على أحد أن الظلم والاضطهاد والحروب شملت الجميع دون استثناء بحيث قدمت كل مكونات الشعب العراقي ضحايا وشهداء في طريق بناء العراق ومستقبله والحفاظ على كيانه سالماً معافى قوياً مؤثراً. ومنكم من ذاق الأذى واكتوى بنار المظالم وتداعيات الحروب وعانى منها ما عانى.

وأنتم تعلنون منذ تشكيل جبهتكم وحتى اليوم أنكم تمثلون الشعب العراقي كله دون تفريق أو تمييز ولا تدافعون عن طائفة واحدة يراد منكم أن تحشروا في زاويةٍ طائفيةٍ لا يسمع منها صوتكم الموجه الى العراق كله، اضافة الى تصريحاتكم عن حرصكم على العراق ووحدته ووحدة شعبه بلا نظرة تمييز أو تفريق وتضربون المثال عن التاريخ الماضي. وعليه فمن أولى المهمات الملقاة على عاتقكم أن تستمروا في التعبير عن توجهاتكم العراقية العامة واثبات سلامة برامجكم السياسية ونواياكم الحسنة المخلصة لمسيرة العراق لتكسبوا ثقة وتعاطف الفئات العراقية التي تنظر اليكم بريبة وتوجس وخوف أو على الأقل التخلص من هذه النظرة. لأنها وبكل صراحة ترى فيكم عودة الى الماضي الذي عانوا منه كثيراً، وذلك لأن في طروحات وتصريحات البعض من سياسييكم مايلقي في روع هؤلاء ويؤكد لديهم توجساتهم وشكوكهم. وعليه يتخذون الموقف المعادي لجبهتكم الى حد التطرف عند الكثيرين.

لكن المتابع المتجرد عن الهوى وعن الموقف المسبق يجد عند العديد من قيادييكم مواقف وطنية وحرصاً حقيقياً على مصلحة العراق وشعبه بعيداً عن الطائفية والتعصب القومي والديني متسمة أيضاً بالاعتدال السياسي والوقوف بحزم في وجه ما يتعرض له شعبنا العراقي من أذى كبير وموت مجاني وتدمير سواءاً من الارهاب أم من الميليشيات والقوى الطائفية المتطرفة أم من قوات الاحتلال الأمريكي. وهذا جانب ايجابي وطني أصيل يسجل لحسابكم من المتابع الموضوعي المعتدل والمنصف. ومواقف وتصريحات وتحركات نائب رئيس الجمهورية الاستاذ طارق الهاشمي ورئيس مجلس النواب الدكتور محمود المشهداني مثال بارز من هذه الأمثلة اضافة الى العديد من الآخرين من أمثال الدكتور سليم عبد الله الجبوري والدكتور إياد السامرائي والدكتور عمر عبد الستار.

إن تصريحاتكم ومواقفكم المعلنة المشار اليها عن الحرص والدفاع عن قضية الشعب العراقي بمختلف مكوناته وانقاذه مما يعانيه حالياً سياسياً ودستورياً واقتصادياً واجتماعياً يدعونا ويحفزنا على أن نشير فنذكركم بمكون مهم وفاعل في بناء العراق الحديث ماضياً وحاضراً ومستقبلاً وهم الكرد الفيليون.

بالتأكيد لا تخفى عليكم قضية الكرد الفيليين وما عانوه سابقاً وما يلاقونه حالياً من اجحاف وظلم وتهميش وطمس للحقوق وأنتم في موقع قيادي سياسي ومطلعون على حركة التأريخ السياسي للعراق المعاصر منذ تكوين الدولة الوطنية في عشرينات القرن الماضي. وبما أن الكرد الفيليين هم مكون من مكونات هذا الشعب فلابد أنكم اطلعتم على تاريخهم في العراق وما هي مساهماتهم في خدمة هذا الوطن ومداها وفعاليتها، وحتماً للكثيرين منكم علاقات شخية سابقة أو حالية ببعض الشخصيات من هذا المكون سواءاً شخصياً أم سياسياً من خلال العمل في مجلس النواب أو في ادارات الدولة.

لقد ساهم الكرد الفيليون بكل اخلاص ونكران ذات وتفانٍ في خدمة وبناء وطنهم العراق في كافة المجالات اقتصادياً وثقافياً وفنياً وسياسياً ورياضياً واجتماعياً، فكانوا ولا يزالون من العناصر الفاعلة في هذا البناء. لقد شاركوا في معارك العراق التاريخية جنباً الى جنب مع أخوانهم العراقيين الآخرين وقدموا الشهداء في هذا السبيل، وقد شارك شبابهم في معارك العرب وخاصة في فلسطين وسقط منهم شهداء على أرضها لتمتزج دماؤهم بدماء أخوانهم العرب. وهذه ليست منة منهم وانما تأدية واجب وطني حالهم حال أخوانهم من العراقيين والعرب.

لو ألقينا أيضاً نظرة على دور تجارهم السابق في خدمة الاقتصاد العراقي وبالخصوص في سوق الشورجة لوجدنا أهمية مساهمتهم في عجلة هذا الاقتصاد وتطوره وبنائه وحركة السوق التجارية في بغداد وغيرها من المدن. فلم تبدر منهم أية محاولة لخلخلة هذا القطاع الخطير أو المساس بأمنه وسيره. وكذلك للفيليين دور كبير في القطاع الثقافي والفني حيث برز منهم مثقفون وأدباء وفنانون رفدوا الحركة الثقافية والفنية بمواهبهم ونتاجاتهم التي كانت ولا تزال منصبة على خدمة العراق والدفاع عن شعبهم وقضاياه، فتغنوا ويتغنون بوطنهم وآمال وطموحات شعبهم مدافعين عن قضاياه بكل تجرد ونكران ذات وابتعاد عن التخندق الفئوي والطائفي والمذهبي والذي كانوا أبعد الناس عنه، وانما انصب همهم الأساس على التعبير عن مشاعرهم الوطنية النقية المتجردة وعن آلام شعبهم، مع عدم التخلي بالتأكيد عن جذور الانتماء أو التنكر لها، والحكمة العراقية تقول ( اللي ما له خير بأهله ماله خير بالغير).
أما في قطاع الرياضة فإن مساهمات الرياضيين الكرد الفيليين في خدمة الرياضة العراقية فمعروفة ولا تحتاج الى دليل أو تكرار أو تذكير فهي واضحة جلية لكل متابع منصف، وهناك أسماء شهيرة لا معة على المستويين العراقي والعربي في مختلف فنون الرياضة وخاصة في كرة القدم.

والأسماء الكردية الفيلية العراقية المبدعة والمحلقة عالياً كثيرة وفي كل المجالات، ولسنا هنا في صددها لكن بالاطلاع على ما كتب في هذا المجال يتمكن المرء من معرفة هذه الأسماء ومنها كبيرة وشهيرة عراقياً وعربياً وعالمياً. وهذه مفخرة للعراق قبل أن تكون لهم.

كان الكرد الفيليون ولا يزالون من اشد المخلصين لوطنهم وأكثر المدافعين عنه وأخلص الحاملين لهمومه وجراحاته وآماله وتطلعاته نحو مستقبل أفضل خالٍ من الظلم والاستبداد والقهر والتمييز، تكون فيه المواطنة متساوية في المعاملة حقوقاً وواجباتٍ، والعمل الجاد المخلص المتجرد عن الأنانية والنفعية الشخصية والفساد هو الفيصل الحكم في النظرة العادلة بين كل فئات الشعب دون تمييز في العرق أو الدين أو المذهب، يكون فيه الكل سواسية أمام القانون وفي الحقوق والواجبات.

لقد تعرض الكرد الفيليون لشتى صنوف الظلم والتمييز في المعاملة. لقد كانت الأنظمة السابقة تعاملهم مواطنين من الدرجة الثانية بل والثالثة وتظر اليهم نظرة دونية فيها شبهة مسبقة غير موضوعية ولا مبنية على أساس قانوني وانساني، مع أنهم كانوا يؤدون واجباتهم في وظائفهم ودوائرهم وأعمالهم على أكمل وأخلص وجه مشهود له من رؤسائهم والعاملين معهم. لم يعرف عنهم اهمال أو تقصير أو خيانة أو تخريب أو تجاوز على القانون. لقد أدوا أيضاً خدمة العلم بكل حماس واخلاص فسقط منهم الشهداء في كل معارك العراق.

لقد تعرض الفيليون للتمييز والاضطهاد والتهجير بدعوى كونهم من التبعية الايرانية مع أنهم من سكنة العراق أباً عن جد، وحتى أقدم من كثيرين من الأجانب الذين أصبحوا يحتسبون عراقيين أصلاء ويعاملون كمواطنين من الدرجة الأولى.

في حملة التهجير الكبرى في الثمانينات من القرن العشرين قبل وأثناء الحرب العراقية الايرانية تم تهجير عشرات الألوف من العوائل الفيلية الى ايران نساءاً وأطفالاً وشيوخاً ومرضى ومعوقين والقوا على الحدود عراة من كل شيء وبشكل وحشي لم يعرف عن العراقيين الطيبين. وقد مات الكثيرون منهم في الطريق وبين الألغام وسط الجبال والصخور والأشواك والأمطار والأعاصير. كما صودرت أموالهم وأملاكهم وبيوتهم ووثائقهم العراقية من شهادة الجنسية وهوية الأحوال المدنية وغيرها. وفي ايران عانوا الأمرين وكان الفرس يسمونهم بالعرب ويعاملونهم على هذا الاساس وبنظرة من الريبة والشك والدونية، فتعرضوا الى صنوف التمييز والمعاملة السيئة ومحاربتهم حتى في أرزاقهم. وظلوا في ايران وفي بلدان المهجر واللجوء في شتى زوايا هذا العالم المترامي وهم يحلمون بالعودة الى وطنهم الأم وبيوتهم وممتلكاتهم والعيش بكرامة لخدمة بلدهم وشعبهم.

ومن تداعيات وظلم حملة التهجير المذكورة أنه تم حجز الألوف من خيرة شبابهم في السجون دون ذنب ارتكبوه سوى أن أهاليهم قد هُجروا لكونهم كرداً فيليين مع أن بعضهم كان قد أخذ من معسكراته وبثيابه العسكرية ليتم حجزه في سابقة وحشية ظالمة. وقد غيبوا حتى ضاع أثرهم في المقابر الجماعية. وكانوا من خيرة الشباب العراقي المتفتحين للحياة والذين لم تبدر منهم ما يستحقون عليه تلك النهاية المأساوية اللاانسانية.

بعد كل ما ذكرنا وما قدمه الكرد الفيليون في سبيل العراق والعراقيين:
أليس من حقهم أن تعاد لهم أملاكهم واموالهم ووثائقهم المصادرة والمسلوبة أثناء حملة التهجير الكبرى في ثمانينات القرن العشرين؟
أليس من حقهم على الدولة العراقية وقواها السياسية والحاكمة أن يعاملوا معاملة مواطنين عراقيين من الدرجة الأولى دون تمييز أو استمرار في تطبيق القوانين الجائرة بحقهم شرعها النظام السابق؟
أليس من حقهم أن تسن التشريعات في صالحهم كمواطنين عراقيين لا يقلون عن غيرهم مكانة، وتثبت حقوقهم دستورياً وقانونياً ؟
أليس من حقهم المطالبة بحقوق شهدائهم من الشباب المغيبين؟
أليس من حقوقهم كمواطنين عراقيين أ، يتسنموا مناصب عليا في الدولة العراقية؟

وتبقى الأسئلة التي تدور في أذهان كل الكرد الفيليين في العراق:
هل من يؤدي خدمة العلم ويقدم روحه على راحتيه في سبيل العراق والعرب ليس عراقياً؟
هل من يكتب عن العراق مدافعاً مفتخراً مقالاتٍ وقصائد وأغنياتِ ليس عراقياً؟
هل من يحمي هدف العراق في كرة القدم ومن يسجل الأهداف ويقود الفريق العراقي الى النصر رافعاً علمه ليس عراقياً؟
هل من يسجل الأهداف في كرة السلة ويأتي بالكؤوس باسم العراق ليس عراقياً؟
هل من يعمل في المجال الاقتصادي والمجال الطبي والعمالي والخدمي والهندسي والوظيفي في دوائر الدولة ليس عراقياً؟
هل من يعلم أطفال العراق وأشباله وفتيانه وشبابه في رياض الأطفال والمدارس والجامعات والمعاهد ليس عراقياً؟

أيها الأخوة الأعزاء،

وأنتم أعزاء حقاً لأنكم عراقيون ولنا معكم ذكريات ومواقف وعلاقات وتزاوج وتمازج اجتماعي تاريخي لا يمكن نسيانه أو نكرانه مهما حاول البعض. إن للكرد الفيليين عليكم حقاً أيضاً مثلما للآخرين من ذوي القربى. وأنتم بالذات لأن لكم خصوصية في الموقف منهم وفي موقفهم منكم. وهم يأملون في أن ينضم صوتكم التاريخي القوي المؤثر الى جانبهم في الدفاع عن حقوقهم واستعادة ما صودر منهم وفي اتخاذ موقف المساعدة والمساندة لقضيتهم العادلة وبدافع من المواطنة العراقية المشتركة بعيداً عن كل التخندقات والمحاصصات.

وإن أملهم لكبير في ايصال صرختهم اليكم وفي تجاوبكم مع قضيتهم وحقوقهم.

ولله الشكر من قبلُ ومن بعدُ.

تحياتي ………….

الشاعر والكاتب العراقي
عبد الستار نورعلي
السويد
الأحد 4 مايس 2008