الرئيسية » مقالات » كيف تنهض امتنا .. جواب على تعليق الاخت سلمى المختار

كيف تنهض امتنا .. جواب على تعليق الاخت سلمى المختار

قرأت تعليقاً كانت قد علّقت به الأخت سلمى المختار على مقالي الاخير (اغتيال الصحافة) في احدى مواقع الانترنيت التي نشرت لي المقال .. وليس سراً اذا قلت بأنني تأثرت جداً بما كتبت تحت عنوان (نحن الى اين) وتألمت خصوصاً حينما نسخت لي في تعليقها مقالا ً كانت قد قرأته في موقع آخر يحكي عن ما وصلت اليه الامة العربية والامة الاسلامية من واقع جعلها ساحة حرب وتصفية بين المعسكرين الغربي والشرقي دون ان يكون لها رأي او تأثير فيما يحصل للعالم اليوم، وطلبت مني ان اجيبها الى اين نحن سائرون، وهآنذا اجيبها ليس بتعليق بل بمقال انشره هنا كي يكون عرضة للقراءة من قبل آخرين وليس لها فحسب، بعد ان تيقنت بان المقال سيكون افضل واشمل من ناحية المعلومات من تعليق بسيط وصغير يُنشر في نفس الموقع.
في البداية لا بأس ان اذكر هذه الحكمة للمفكر العربي طه حسين ، حيث سأله شخص بانه يريد ان يكون مثله، فأجابه حسين بانه لا يمكن ان تكون مثلي حتى تعيش حياتي وتقرأ ما قرأته انا بالضبط وبالتسلسل، حينها ممكن ان تكون ربما نسخة اخرى من طه حسين.
من خلال الحكمة اعلاه، اريد ان ابيّن لك كما طلبتي بان امة العرب او امة الاسلام بنحو اوسع لا يمكن لها ان تنهض من جديد الاّ اذا طبّقت المبادئ الاساسية والضرورية لوجود اي كيان او دولة تريد ان تنطلق من فلك الدول النامية الى الدول المتقدمة كمُحاكاة للتجربة الغربية، ومن هذه المبادئ:
1 – تطبيق الديمقراطية السياسية والتداول السلمي للسلطة سواء في انظمتنا الملكية ام الجمهورية.
2 – التحوّل من الفكر الشمولي المنغلق الى الافكار الليبرالية التحرّرية التي تقبل بالاختلاف والتنوع (بالمناسبة ليست الليبرالية هنا دعوة للعلمانية المتشدّدة بل التحرّر من الافكار القومية والشمولية الرافضة للآخر).
3 – احترام حقوق الانسان والتحوّل من المجتمع العشائري العائلي الى مجتمع المؤسسات.
4 – استلهام الاسلام كعامل ديني موحّد لا مفرّق وجعله الاب الروحي السامي في مواجهة اي تطرّف او غلو لمذهب على حساب آخر.
5 – جعل السلطة الحقيقية بيد الشعب وليس بيد الحكومة من خلال مؤسسات المجتمع المدني الحقيقية وليست تلك المؤسسات الصورية الموجودة في بلداننا.
6 – دعم واسناد حرية الاعلام والقبول بالرأي المُضاد مهما كان قاسياً او حاداً.
وهناك الكثير من النقاط الاخرى التي تعتبر مكمّلة للتي ذكرناها اعلاه.. لكن اود الاشارة فقط الى ان هذه الامور ليست صعبة او مستحيلة، فلو تتبّعنا ما حصل في اوربا قبل الثورة الصناعية وما لحقها من هيجان شعبي تجاه الديمقراطية لوجدنا ان حال كل تلك الدول شبيه بالضبط بحال امتنا العربية، حيث كانت اوربا امبراطورية مترامية مسيطرة على ثلث العالم تقريباً في السابق ومن ثم مرّت بفترات وهن وضعف حتى آل بها الامر الى الشتات والتفرقة ثم الى دويلات صغيرة متحاربة فيما بينها على طريقة قطاع الطرق، فكان الفقر والعوز والتخلف نصيبها لفترات طويلة، وكانت الاقطاعية والبرجوازية السياسية المحصورة بيد عوائل حاكمة ومالكة لمصائر شعوبها هي التي تحكم هذه البلدان بلغة لا تعرف الاّ لغة الدكتاتورية والعنف والاستبداد .. حيث دمرت وقتلت شعوبها وامتصت خيراتهم، الى ان تشكّلت شيئاً فشيئاً دول تعتمد نظاماً سياسياً وان كان غير ديمقراطياً بالبداية لكنه حاول ان يُعالج بشئ من العدالة واقع المجتمعات الاوربية، حتى وصلت الى ذروة صحوتها بعد الحرب العالمية الثانية التي دمّرت اوروبا وقتلت ما يقارب 45 مليون شخص، وكانت هذه الحرب الحد الفاصل بين اوروبا الاستبداد والدكتاتورية واوروبا الديمقراطية والمؤسسات وبمساعدة (المحتل) الامريكي من خلال مشروعه الشهير مشروع مارشال الاقتصادي والذي وظفته اوروبا في عمران بلدانها وبناء انظمتها السياسية على قدر كبير من الديمقراطية واحترام حقوق الانسان، وهي ليست مستعدة ان تجازف بازدهارها في الحروب بعد الآن .. لذلك نجدها ادركت وبشكل مطلق بأن الحروب لا يمكن ان تكون وسيلة جيدة للسيطرة على الكوكب، بل ان هناك امور افضل بكثير تستطيع ان تجعل الدولة قطباً لا يُستهان به في هذا العالم، من ضمنها الاقتصاد والتي سيطرت عن طريقه على مقدرّات العالم باجمها .. لذا فالدول الثماني الصناعية الكبرى وكنموذج للدول المزدهرة هي التي تقود وتتحكم بالعالم اجمع اليوم من خلال ما وصلت اليه من ازدهار وتطور. وهذه الدول هي (امريكا،يابان، روسيا، المانيا، انكلترا، فرنسا، الصين، ايطاليا)، فهي لم تصل الى هذا التطوّر الاّ بعد ان بنت نظامها السياسي القوي، لان كل شيء مرتبط بالسياسة واذا استقرت حالة البلد السياسية وترسّخ نظامه السياسي فسيكون التوجّه حينها الى الاقتصاد والصناعة وغيرها من الامور المهمة التي تجعل البلد في مصاف الدول المتقدمة والمزدهرة.

بعد استعراض الخط البياني لحركة اوروبا، هل هناك اختلاف عن الامة العربية !!
بل ان ما مرّت به اوروبا مرّ به العرب بالضبط من خلال انتقالهم من امبراطوريتهم الاسلامية المترامية الى دويلات صغيرة ومتحاربة والى نظام سياسي متهرئ لا يعرف ابسط حقوق الانسان والمواطنة كما نحن عليه الآن. وكل هذه الامور تبعث على الامل بان ثورة كبيرة ستحدث كما حدثت في اوروبا تقودها الشعوب، لانه لا يمكن الاعتماد على الحكومات في حركات الاصلاح والتغيير اطلاقاً، وفاتني ان اذكر بان ما وصل اليه الغرب الآن ليس نتاج عمل حكوماتهم بل كانت الشعوب هي وراء ذلك .. هي التي ثارت وغيّرت انظمتها ورسمت مستقبلها بأيديها، لهذا يجب ان يكون رهاننا على شعوبنا وليس على حكوماتنا لانها المستفيدة من هذا الوضع الآن.

وهنا نقطة مهمة اود ان اذكرها وهي انه يجب التركيز على تثقيف الشعوب على هذه الامور وهذا التوجّه لأننا مع الاسف الشديد نشعر بان الشعوب هي جزء مهم من مشكلتنا الاساسية في التأخر والتخلف بكل صراحة وليس فقط الحكومات .. كيف لا وهذه الشعوب تسمّي اليوم صدام المجرم بالشهيد وتترحم على الزرقاوي وتتخندق مع الظواهري. كيف نرجو خيراً من هذه العقول وهي بهذا المستوى من التفكير. ان كل المواطنين والشعوب العربية جميعهم متفقون على ان الحكام العرب هم خونة وفسقة ودكتاتوريين .. ولكن ان سقط احدهم تقوم الدنيا ولا تقعد ويتباكى عليه الناس ويُسمّى حينها شهيداً ووووو … أليست هذه الازدواجية هي التي قصمت ظهر الافكار التحرّرية وقصمت ظهر كل فكر يعارض الجمود والتخلف العربي الحالي !!!
أليس من بكى على صدام وسمّاه بمهندس السياسة العراقية وهو الذي كان يصفق له بالأمس كذلك، هو السبب الى ما وصلنا اليه الآن.. ومثل صدام بقية الرؤساء والحكام العرب كذلك. فصدام ليس سوى رمزاً للدكتاتورية والتخلف، والمتباكون عليه ليسوا سوى رموزاً لثقافة التصفيق والخنوع لهذه الاصنام الفاشلة .. المتباكون الذين مع الأسف شوّهوا صورة الشعوب العربية الواعية والمثقفة حتى بتنا امة ً ضحكت من جهلها الأمم.

عموماً انّ ما حفز البلدان الاوربية على هذا التطوّر وهذا الازدهار كانت نتائج الحرب العالمية الثانية .. واتمنى ان توقظ الحرب الامريكية الاخيرة على العراق صحوة الفكر العربي تجاه التغيير والاصلاح وتبنّي النظم السياسية المحترمة كرد فعل ايجابي على ما وصلنا اليه من انحطاط وتخلف. بالحقيقة انا متفائل فليست المسألة صعبة ابداً فتاريخنا شبيه بالضبط بتاريخ اوروبا والدول الغربية الاخرى فضلا ً عن اننا امة نمتلك كل المقوّمات التي تجعل منا امة متقدمة ومزدهرة، حيث الموقع الجغرافي الستراتيجي، الموارد الطبيعية المخزونة كالنفط وغيرها، عدد السكان، العقول المثقفة والعقول الاقتصادية، التاريخ المجيد والتراث الاسلامي الرصين، وامور اخرى على صعيد الفرد والمجتمع.

فقط علينا ان نعترف بدون مكابرة بان العرب قد خسرت الحرب والمواجهة على جميع الجبهات (وهذا ليس عيباً ابداً، بل العيب هو ان نعيش في اوهام النصر ولذة الاحلام الوردية) وان نحاول جاهدين ان ننتصر فعلا ً بالاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا كما فعلت اوروبا واليابان قبلنا، فضلا ً عن الاستفادة من الظروف والمتغيّرات الدولية الحالية وجعلها عوامل مساعدة لنا في تحرّكنا تجاه بناء مجتمعاتنا.

بالنهاية شكراً لك على تعليقك وارجو ان اكون قد اجبتك الاجابة التي اردتيها رغم انني لست سوى شخصاً يحاول ان يفكّر ضمن مجتمع كبير في حلول للنهوض بواقع دولته العراقية ودوله العربية والاسلامية الاخرى كي لا نكون مثار استهزاء ومحط ضحك الآخرين الى الأبد.