الرئيسية » مقالات » المشروع العراقي الجديد في مواجهة ايران

المشروع العراقي الجديد في مواجهة ايران

يكاد يكون هناك اجماع كامل من قبل كل العراقيين على ان ايران الاسلام تقوم بدور سلبي وتخريبي في العراق .. قبل ايام التقيت بصديق عزيز لم اره منذ فترة وكان من اشد المتحمّسين للثورة الايرانية بقيادة السيد الخميني كما هو حال الكثير من شباب العراق والعرب بصورة عامة لما مثلته الثورة من ركن جديد يهوى اليه المسلم في مواجهة الامبريالية العالمية .. خصوصاً ان الثورة كانت من تخطيط الطبقة الفقيرة والمسحوقة من المجتمع ضد دكتاتورية الشاه المجرمة.

عموماً صديقي هذا الذي نحن بصدده قد تغيّرت افكاره 360 درجة عن الجارة (المسلمة) ايران ولم يعد يدافع عنها، ان لم يكن يهاجمها، نتيجة ما رأى من (خيرها) على الوضع العراقي الجديد بعد سقوط الدكتاتورية الصدّامية، فقد اختزل ألمَه بكلمة رائعة اثبتت عمق ما جُرح به من قبل هذه الجارة .. تلك الكلمة التي بيّنت حسب قوله كم كان مخدوعاً بالتوجّه الايراني المسلم .. فقد وصف نفسه ب (Jackass) وتعني بالعربية (الغبي) حينما كان يبرّر لأيران سياستها، ولقد علمت انه استعار هذه الكلمة من الكلب (اجلكم الله) الذي صار العوبة بيد القط (توم) في احدى حلقات كارتون (توم وجيري) المسلية.

على العموم هذه ليست نهاية الكون، فالمعروف ان الدول ليست جمعيات خيرية وانما تعمل وفق مصالحها الخاصة التي قد تكون مشروعة، لكنها مؤذية ومدمّرة لدول اخرى. وايران ليست استثناءاً لهذه القاعدة، فهي تمتلك مصالح في منطقة الخليج ولها الحق ان تدافع عنها خصوصاً بعد ان جاورها العدو التقليدي الامريكي واصبحت طهران على مرمى مدافعه وصواريخه .. الاّ ان العيب في هذا الدفاع ان يكون على حساب مصالح دولة اخرى وهي العراق، وبطريقة تدمّر كل منجزاته ومكاسبه وسط لامبالاة ايرانية بأرواح مواطنيه وممتلكاتهم .. باختصار شديد ان الحكومة العراقية ومعها قطاع واسع من شرائح المجتمع العراقي ترى وبالدليل القاطع ان ايران تدرّب وتدعم الميليشيات الشيعية والسنية التي تمارس القتل والعنف والتخريب على الاراضي العراقية، ناهيك عن اختراقها الأمني لعمق الاستقرار العراقي ودعمها لجماعات معيّنة بحجّة مقاومة المُحتل والتي اثبتت الايام بانه كان ارحم على العراقيين من بعض مَن كانوا يُسمّون بالعراقيين ظلماً وعدواناً.

الطريف في الامر، ان حتى الجهات المتهمة بانها ايرانية الهوى ومدعومة من قبل اطلاعات ايران وفيلقها القدس، كانت قد اتهمت ايران بانها تلعب دوراً تدميرياً في العراق، فقد صرّح الشيخ صلاح العبيدي القيادي في التيار الصدري قبل ايام قليلة بان ايران تتدخل بشكل سلبي في العراق واتهمها صراحة ً بتقاسم النفوذ مع اميريكا دون مراعاة مصالح الشعب العراقي .. وهذا يعني ان الرؤية الحكومية بالاضافة الى تطابقها مع الرؤية الشعبية العامة، فهي متطابقة كذلك مع رؤية الجهات المتهمة بانها مؤيَّدة من قبل ايران سلاحاً ومالاً وتدريباً .. وهذه بحق سابقة فريدة لم تكن ولا تكون الاّ في العراق حسب رأيي، فضلا ً عن الانطباع الذي يُعطيه هذا الامر من ان اجماعاً عراقياً قد حصل لكافة الاطراف، المتفقة والمختلفة منها، وبدون ترتيب او توجيه ليؤكد الدور السلبي التخريبي لايران في العراق.

ما اريد قوله، ان لكل دولة في العالم سياسة خارجية تعتمد بالدرجة الاساس على مبدأي الجزرة والعصا في علاقتها مع الدول المجاورة التي تعبث بامنها واستقرارها .. واذا كانت الجزرة العراقية واضحة في هذه السياسة ومتمثلة بعدد من العقود الاقتصادية السامحة للشركات الايرانية بالاستثمار على الاراضي العراقية وفي مختلف الحقول .. فينبغي ان تكون هناك عصا بموازاة هذه الجزرة، تفرض هيبة الدولة العراقية وسيادتها على قرارها واستقلاليتها، وتحد من التدخل الايراني السافر في العراق، سواء كان تدخلاً سياسياً مثل تصريحات السفير الايراني الاخيرة غير المبرّرة وغير المسؤولة بخصوص عملية صولة الفرسان الامنية، ام تدخلاً امنياً وعسكرياً لمحاربة الامريكان على اراضي عراقية وبدماء عراقية كذلك.

باعتقادي ما زالت الحكومة العراقية تمتلك اوراق ضغط ممتازة تستطيع من خلالها لجم التدخل الايراني في العراق، ومن هذه الاوراق – والتي لطالما تمنيت ان يكسر فيها سنان قلمي قبل ان اكتب بها – هي التلويح بأجنحة منافقي خلق ايران، تلك الزمرة الساقطة والمجرمة التي تلطخت ايديها بدماء العراقيين تماشياً مع سيدهم المقبور المجرم صدام، والذين يُسمّون ظلماً (مجاهدي خلق) ايران .. لكنها السياسة لعنها الله، فلم تترك لنا ايران خياراً آخراً سوى منظمة المرتزقة هذه كي تكون العصا العراقية الموازية لجزرتنا الاقتصادية .. وسوف لن تكون اخلاقيتنا السياسية اسوأ من مثالية ايران المزعومة – والتي كشف تحالفها غير الشريف مع القاعدة المجرمة زيفها وكذبها – اذا ما استخدمنا منظمة المنافقين في مناورتنا القادمة .. فالذي يدعم القاعدة على علمه باجرامها، يستحق ان يسلط الله عليه من يدعم ويساعد (مجاهدي) خلقه وفقاً لسياسة العين بالعين والسن بالسن التي بدأها الجانب الآخر وليس العراق على اية حال.

رغم كرهي لمنظمة خلق الايرانية النابع من حجم ما اقترفته ايديها بحق العراقيين الابرياء وبسبب انها لم تكن منظمة معارضة لايران، بقدر ما كانت فرع من افرع جهاز المخابرات العراقي، اهتمت برصد اخبار العراقيين وتقديم الخدمات الجاسوسية عليهم لنظام صدام، بل حتى شاركت فعلاً في قمع الحركات والانتفاضات الشعبية ضد النظام البائد في العراق .. لكن لابد لنا من عصا ولابد ان يكون هناك توازن قوى بين العراق وبين دول الجوار بما فيها ايران، مع التأكيد على استمرارية العمل الدبلوماسي الذي لا ينبغي له ان ينقطع تحت اي عذر او حجة كي لا يذكّرنا بفترة الفشل السياسي والدبلوماسي الذي وُسِم به العهد الصدامي السابق.

المشروع العراقي الجديد في مواجهة التدخل الايراني يجب ان يستند على ثلاثة محاور اساسية:

اولاً: اعتماد سياسة دبلوماسية واضحة وشفافة تضع النقاط على الحروف في قضية العلاقات الثنائية بين العراق وايران.
ثانياً: اعتماد اوراق ضغط متعدّدة بما فيها التلويح بدعم منظمة (مجاهدي) خلق الايرانية لبيان قدرة الحكومة العراقية على المناورة واللعب بأكثر من عامل وعامل.
ثالثاً: لا بأس بعد ان تستجيب ايران لمطالب العراق المشروعة بأن تُعطى الشركات الايرانية عقود استثمار ومشاريع لاعادة الاعمار في العراق، كي تلعب المسألة الاقتصادية مع المسائل التي ذكرناها اعلاه دوراً في وضع حد للنفوذ الايراني وتدخلها غير المبرّر في السياسة العراقية.