الرئيسية » شخصيات كوردية » التكية المندلاوية.. وقصة العالم علي البندنيجي

التكية المندلاوية.. وقصة العالم علي البندنيجي

مندلي بلدة كوردية جميلة تقع في محافظة ديالى ضاربة جذورها في أعماق التأريخ ومما يدعم هذا القول أكتشاف مشروع ري يعود الى 2500 سنة ق.م، حسب ما ذكرته البعثة الألمانية لتنقيب الاثار عام 1970م في منطقة المطار، وقد قمت في حينها بكتابة تحقيق حول ذلك نشر في حينه في إحدى الصحف البغدادية ولم أتذكر العدد واليوم، كما اشتهرت بطبيعتها الساحرة ففيها بساتين فواحة وتلال جميلة وشلالات رائعة,, وكانت مندلي هذه مركز علم أيام العباسيين و ظهر فيها عدد من العلماء والشعراء عبر تاريخها الحضاري الطويل، وقد أورد المؤرخون قسما منهم في تصانيفهم ومنهم، السيد علي بن السيد ابراهيم البندنيجي العالم الزاهد والشاعر الصوفي المكنى بأبي الحسن صاحب التكية المشهورة بباب الشيخ/ بغداد والمعروفة (بتكية المندلاوية) وقد كتب عنه علماء كثيرون.ولد في مندلي – بندنيجين ونشأ فيها وتعلم في كتاتيبها وكان في مستهل شبابه يميل الى اللهو وعندما يأتي بغداد يرتاد أماكن اللهو ولما يدخل المقهى ثملاً يشهر سيفه فيبتعد عنه الناس وفي أحد الأيام وهو بهذه الحالة والناس يزدحمون على باب المقهى الذي هو فيه، وكان يوم جمعة وقد خرج المصلون من المساجد ومر أحد الزهاد المشهورين المسمى احمد الموصلي المتصوف فسأل عن اسباب هذا الإزدحام فأخبروه، أن السيد علي البندنيجي في حالة سكر وقد اشهر سيفه ولا أحد يجرؤ على التقرب منه فتقدم منه الشيخ وقال له: ارم السيف من يدك يا ولدي واترك هذه الحالة لان جدك الحسين (ع) لا يرضى بذلك، عند ذلك خجل ورمى السيف جانبا حيث قد وصلته الهداية الربانية وتقدم من الشيخ وقبل يده، ورافقه الى تكيته وباشر بتربيته تربية صوفية وأخذ يدرسه الفقه والصرف والنحو والشعر وآداب اللغة العربية، فأنكب على الدرس وخلال مدة وجيزة أصبح الشيخ يمتدح تلميذه لانه أخذ يصوم الدهر وينقطع عن الأكل والشرب وبعد مضي ثلاث سنوات فتح الله عليه ابواب العلم والمعارف والتقوى.تمسك الرجل بأعمال الزهاد والمتصوفة والعبادة، وفي ليلة من الليالي رأى في المنام جده الامام الحسين (ع) وقد اعطاه هدية وهي (الطيلسان) ولما أفاق انشد قصيدته التائية وهذا اولها.
بدأ البرق من نار الهوى والمحبة
لقلب المعنى من غلو المودة
وبعد أن أستأذن شيخه جاء الى باب الشيخ وباشر ببناء تكيته والتي سميت بتكية البندنيجي نسبة الى بلده (بندنيج) او (مندلي) والمعروفة ( بتكية المندلاوية).وجاء في كتاب غاية المرام من تاريخ محاسن بغداد دار السلام للأديب ياسين العمري بن خير الله العمري الخطيب الموصلي ما يأتي: بندنيجين “مندلي” مدينة معمورة من جهة النهروان في ناحية الجبل وهي من أعمال بغداد وأهلها مسلمون ومنهم الشيخ المريد مربي المؤيدين الولي الزكي السيد علي الشهير بالبندنيجي سكن بغداد ومات فيها وله تكية فيها.
وأشعاره كلها صوفية بحتة ويلمس فيها الحب الالهي على طريقة إبن الفارض ورابعة العدوية، وفي يومنا هذا نرى أن جميع اهل التصوف يترنمون بأشعاره ومن خصائص شعره أنه مؤثر ومنسجم بلغة جزلة والفاظ معروفة سهلة وعبارات تنم عن الحب الدفين المتيم، وأول قصيدة قالها ارتجالا هي تائيته التي ذكرناها وهي في الواقع بحاجة الى دراسة لما فيها من ابداع وروح العرفان ومنها:
بدا البرق من نار الهوى والمحبة
لقلب المعنى من غلو المودة
سنا وجه من اهوى تبدي حقيقة
بمرآة سرى ساريا في أشعة
فمزقت اطمار الهوى وقيودها
وما كان في علم الرسول مشقة
أفقالوا ايا بندنيجي فمت بحبنا
وخذ طيلسان الحب منا هدية
وله قصيدته النونية في الزهد ايضا منها..
من تجلى لنا تجلى عيانا
بجمال وقد ملأ الأكوانا
وسنا برق وجهه لاح يوما
كاد منها ان يذهب الاعيانا
نحن اياه لم نزل حيث كنا
مثلما كان لم يزل ايانا
يقول الاستاذ عمران موسى المندلاوي عن القصيدة الطائية: “قد فتشت عنها كثيراً الى ان وجدتها صدفة عند أحد الحلاقين وهو يتغنى بها فسألته لمن هذه القصيدة قال لشيخنا البندنيجي رحمه الله منها: آه من شرك لاينكشط فيلوح الوجه لي والقطط
حسنك الباهر أضنى كبدي
وبذاك خلدي مرتبط
خاض فيك البندنيجي لجة
درر الحسن بها يلتقط
بقي طوال حياته متمسكاً بدينه الحنيف حتى توفي عام 1772م ودفن في تكيته المذكورة.
ــــــــــــ
-1المطار: شعبيا يسمى “طيارة خانة”.
-2كنت أحتفظ بنسخة منها ولكنها تلفت مع مكتبتي الخاصة اثناء حرب 1980.
-3كانت مندلي تسمى سابقا بـ “بندنيجين”.
4-مندلي عبر العصور: الاستاذ عمران موسى المندلاوي.

Taakhi