الرئيسية » مقالات » بين السياسة، والأدب، والحياة (1)

بين السياسة، والأدب، والحياة (1)

سأل صديق عزيز عن سبب انقطاعي عن الكتابة الأدبية، مع أنني أشرت في مؤلفاتي لعشقي الأدبي منذ بداية الشباب.
الحقيقة أنني لم أنقطع عن الأدب، قراءة، وكتابة، بل أكتب أحيانا في الأدب، وأكتب خاصة ما يشبه اليوميات، على الأقل صفحة في اليوم. القضية هي أن التزامي السياسي، كمثقف عراقي، وكوني كاتبا سياسيا أولا، يجعلانني أكرس للنشر مقالات سياسية عن موضوعات سياسية الملتهبة، والعراقية منها أولا.
إن الكاتب السياسي هو، قبل كل شيء، إنسان له عواطفه، وخواطره الشخصية، خارج السياسة، ولكن تفكيره يظل متصلا بالسياسة دوما.

في كل يوم أكتب بضع صفحات عن التداعيات التي تثيرها أخبار مأساوية، هنا أو هناك، أو جريمة جنائية بربرية بشعة، كما قد يثيرها فيلم عاطفي قديم سبق أن رأيته شابا وأنا ملتهب غرام. أما الموسيقى والأغاني الجميلة فتفجر عواطفي، كما أستيقظ صباحا لتسجيل أحلام الليل المتلاطمة على شكل رؤوس نقاط. ولا يندر أن أراني متلصصا في أزقة بغداد باحثا عن مأوي يقيني من البوليس!

أكتب اليوميات باختصار، وبلا تنسيق، حتى كأنها كتابة ميكانيكية لا منطق لها، ولا صلة، غير أنها عندما أتأملها مليا أجدها مترابطة، رغم فوارق الزمان، والمكان، والأشخاص، والموضوعات.

إن الأحلام تمتزج بأحداث اليوم، وحتى حواري اليومي، شتاء، أو ربيعا، أوصيفا، مع الشجرة العملاقة أمام شباكي يأخذ حيزا لا بأس به من الأوراق. إنها شجرة أتألم لسقوط أوراقها، وأفرح لاخضرارها، وعودة الطيور لها. الشجرة تكاد تخترق شباكي، وهي تخفي وراءها مقبرة واسعة، حاولت قبل سنوات استئجار بضعة أمتار لي فيها، فصدمني السعر، وفي النهاية كان استئجار أمتار في مقبرة واسعة كبيرة المساحة خارج باريس، ولا يمكن دخولها بلا سيارة، وهي موزعة حسب الأديان، وكثيرا ما أتساءل كيف يمكن لصديق أو قريب أن يزورني، إلا إذا كان معه دليل فيا صديقي المتسائل:! هل حواري مع الشجرة يستحق التدوين في هذه اليوميات؟ ربما لا، وربما نعم، وهو ما أعتقده.

خلال الأيام الأربعة الماضية هزتني، وصدمتني، أحداث بارزة متتالية، بدأت بكشف جريمة ذلك الأب النمساوي المتوحش، الذي حجز ابنته في قبو عميق عندما كانت في الحادية عشرة، وظل يغتصبها لمدة 24 سنة، وولدت منه مرارا أولادا وبنات، دون أن ترى خارج القبو – الزنزانة. قلت لصديقي الذي أرسل لي الصحف التي نشرت التفاصيل، وردود الفعل النمساوية والدولية على الجريمة، إنه لو كان الأمر بيدي لحكمت عليه بالإعدام، علما بأن حكم الإعدام ألغي في الدول الأوروبية الغربية.

في اليوم التالي، جاء خبر تفجير حفلة العرس في بلدروز، ووقوع العشرات من القتلى، فكانت هزتي أكبر، وأقسى، وكيف لا تتوقف اليوميات أيضا عند أخبار قتل موظف عراقي، وتعليقه على عمود كهرباء، كما يفعل جيش المهدي في مدينة الثورة، مدينة الزعيم عبد الكريم، التي سرقوا اسمها؟ ثم مشاعري الغاضبة عند قراءة أخبار دور الجنرال الإيراني في تسيير السياسة العراقية. هناك أخيرا خبر اليوم عن اندحار حزب العمال البريطاني في انتخابات المجالس المحلية في إنكلترا وانتخاب عمدة لندن، وقد صحت مع نفسي: “حزب توني بلير لا يستحق هذا، ولكن الأيام قادمات.”
لو قرأ أحد مجموع هذه اليوميات التي هي تداعيات يومية، مبعثرة، والمتدفقة، التي كتبت خلال حوالي العام؛ كما هي “مواد خام”، لوجد مزيجا عجيبا، قد يتصورها خلطا بلا منطق مشترك.
إن ذكرياتي عن الوالدين، وعن عاصفة حب عاطفي، تدونها اليوميات، كما تدون مشاعر الغضب والحزن على يتيم عراقي مغتصب، أو محنة عائلة لاجئين عراقية. في صفحات الأسبوع الماضي يجد القارئ مدى تأثري عند متابعة تفاصيل مصير المجندة الأمريكية لوري، من قبائل الهنود الحمر، التي أرسلت للقتال في العراق، تاركة وراءها طفلين، وكانت أول مجندة أمريكية تقتل في العراق بعد وقوع السيارة في كمين. قصتها الكاملة تقدمها شاشة التلفزيون في ريبورتاج حي عن العائلة، وعن الجمعيات الطوعية التي تبرعت لبناء بيت واسع، ومؤثث، لأسرتها بين جبال الأريزونا، من مواطن الهنود. إن عشرات الريبورتاجات المتلفزة عرفتني على وجود عشرات من هذه الجمعيات، والمؤسسات، التي تتبرع لبناء دور عصرية لمن لا سكن لهم، وقد تجمع لهم مبالغ كبيرة، أو لعائلة دمر الحريق أو الإعصار بيتها. مئات من عمال البناء المتطوعين، ومعهم مهندسون، و”ديكوريون”، يشاركون باندفاع تام، وبتشجيع من سكان الأحياء. إنهم يفعلون ذلك، لا صدقة، ولا رحمة، ولا كرشوة الإسلاميين لكسب الشاب الفقير، والعاطل عن العمل، لمشاريع التطرف الديني المسيَّس؛ هذه الجمعيات الكريمة تقوم بهذه الفعاليات من منطلق التضامن الإنساني، وحب مساعدة الغير، حب هو بلا غرض سوى أن تفتح صفحة جديدة من الراحة، والابتسامة، أمام مشردة، أو عائلة تتبنى أطفالا معوقين في دار صغيرة، أو عائلات أطفال مصابين بالسرطان، وقد تساقط منهم الشعر، ولكن بيوتهم غير مؤهلة لسكنى طفل مريض بسرطان ينهشه.

عندما أراجع أوراقي هذه، وعنوانها الرئيس “دفاتره الأخيرة”، أدهش شخصيا لازدحام وتنوع حوافزي لكتابتها: ما بين آخر الأخبار الهامة، أو مشاهدة فيلم اليوم، أو سماع الموسيقى الهادئة، أو مكالمة ابنتي، أو حديث هاتفي مع صديق عزيز، أو تذكر حلمي بأمي وهي تحمل قطي المتوفى ريمي، أو إعادة قراءة قصة الطفلة النمساوية “هايدي”، أو الطفلة الكندية “آن”، ذات الشعر الأحمر في رواية “المرتفعات الخضر”، ألخ.
قبل ستة ليال ظهرت الأميرة ديانا مجددا على الشاشة الفرنسية في ريبورتاج عن مقتلها. لا أدري لماذا تسحرني المرأة الضحية، الوديعة، الجميلة، ذات الابتسامة الدائمة، والوجه الملائكي، ولماذا أتأثر كلما ورد ذكرها، كما لو كنت مواطنا بريطانيا. حين أراها، أشعر كما لو أنها كانت تجمع في شخصيتها، وسحرها، وداعة، وبراءة، وجمال، وجوه سينمائية رأبت عددا منهن منذ الصبا، ونساء رأيتهن على الشاشة في الشباب، وصولا إلى الشيخوخة. هناك مثلا “نورما شيرر”، نجمة الثلاثينات الماضية، التي كان والدي معلقا صورتها في غرفة الاستقبال، وكممثلتي الأثيرة، “فيفيان لي، في “ذهب مع الريح”، و”جسر واترلو” “مع روبرت تايلور، و”كراس كيلي”، نجمة “هيجكوك، وأميرة موناكو لاحقا، وجولي أدندروس في “لحن الموسيقى”، و”ليلى مراد”، الناعمة ذات الصوت الملائكي، الحنون، والممثلة البريطانية الراحلة “أوندري أوبرن”، كذلك “جاكلين كندي”، التي مرت بمأساة هزت أمريكا، وصدمت العالم.
لكل منهن سحر خاص، وجاذبية هادئة، وناعمة، ورقة متناهية؛ أما “ديانا”، فتقف في الوسط لتشع على الجميع بابتسامتها، وعواطفها الإنسانية النبيلة.

أمس، كنت متعبا، ومستلقيا على الكنبة بعد الظهر، وعيناي على عشرات الصور المعلقة على الحائط الذي يقابلني. قلت لنفسي فجأة، وأنا أتطلع العشرات، والعشرات الأخرى من الصور المعلقة على جميع جدران الشقة المتواضعة بالغرفتين: ألا تجسد كل هذه الصور اختصارا مكثفا سيرتي العائلية، والشخصية، والسياسية معا، حيث تقترن الطفولة بالصبا، فالشباب، وصولا لشيخوخة اليوم؟

إنها صور لا أعرف عددها: العائلية أولا، من أم وأب وجدة، وشقيقيّ الراحلين الشهيد لطيف، وعبد الأمير… صور ولدي، وابنتي، وحفيديّ الاثنين، والحفيدتين.. .. صورتي مع شقيقي الشاعر جليل حيدر وعائلته في مقهى بباريس. هاهو الموسيقار النابغة سلمان شكر، الذي تجمعني به ذكريات سنوات، وذكريات، والذي توفي قبل شهور في معاناة رهيبة دون أن تهب جهة عراقية رسمية، أو شبه رسمية، لا كردية، ولا عربية، لا سنية، ولا شيعية، للعمل لإنقاذه بإرساله لمستشفى عصري. بجوار سلمان صورة شقيقه، الحاكم، والمحامي، وابن عمي محمود شكر، الذي كان يشجعني على المطالعة منذ صباي، والذي كان، مع زوجته الرائعة، دائم الاستعداد لإيوائي في الأيام الصعبة من العمل الحزبي السري، وثمة صورة قريبي حيدر محمد كريم، الرجل الطيب، الذي آواني في ذروة الحملة القمعية الشرسة، التي شنها نظام البعث على حزب القيادة المركزية، وقد اعتقلت في بيته، واعتقل معي، وعانت العائلة بسببي، مثلما سببت للوالدين آلاما ومتاعب مستمرة طوال ربع قرن من النشاط الحزبي. أما على لوحة كبيرة مستقلة، فتطالعني صورة ملونة للزعيم عبد الكريم قاسم، وصورة لسلام عادل، وأخرى لجعفر أبو التمن، فما الجامع؟ الوطنية الصافية، وخدمة الشعب بروح نكران الذات، والتسامح العرقي، والديني، والمذهبي بالضد من العنصرية، والطائفية، والتعصب الديني، الذي ذهب ضحية له حوالي 300 ألف مسيحي عراقي، ومعهم صابئة مندائيون، وأيزيديون ..

أما صور الأدباء، الأصدقاء فالجواهري، وجعفر الخليلي، وذو النون أيوب، وقريبي الشاعر المرجوم زاهد محمد، وصورة عائلية للراحل ميناس ميناسيان، الذي لم أره يوما ما، ولكنه ظل يراسلني من السويد لسنوات، ويرسل لي قطعه الأدبية للاطلاع.

في هذه الزحمة الكثيفة صور صديقات وأصدقاء، وزملاء خلال عملي الطويل في اليونسكو، ومنهم الراحلان أنيس عجينة، وأكرم البياتي، وصوري مع أطفال بعضهم، مما يذكرني بتلك السنوات التي كانت حافلة بأحداث العراق، واليونسكو، وبهزات عاطفية زلزلتني.

لكن، كيف لا تكون صورة قطي المتوفى ريمي مبثوثة، على مختلف الجدران، كبيرة، وصغيرة، وهو الذي كان يسري عني في الوحدة في والغربة، وكان لي ولدا، وصديقا وفيا؛ أليس الحيوان أوفى من البشر؟ هذا ما أؤمن به عن قناعة، وتجارب شخصية؛ ولو تسنى أن تجمع في كتيب الكلمات المكتوبة على قبور المئات من الحيوانات الأليفة في المقبرة الخاصة بضواحي باريس، لكانت الروح المشتركة: الحب النقي، والوفاء،

إن ما أتمناه عن هذه الأوراق، أو اليوميات، هو أن يسمح لي العمر لأحول هذه التداعيات اليومية المتراكمة منذ عامين إلى كتاب صالح للنشر، بعد التنسيق، والانتقاء، والغربلة؛ أما إذا لم يسمح العمر، فسوف أودع هذه اليوميات بشكلها “الخام” لدى ابنتي ندى، وبعض الأصدقاء القريبين، كما سبق وأودعت لدى صديق عزيز مجموعة شعرية للتصرف بها مستقبلا.

قبل حوالي ثمانية أعوام، أي قبل سقوط النظام السابق، كتبت قصيدة غير منشورة تعبر عن شعوري بالحزن العميق، والمرارة القاتمة، والإحباط، لاستمرار مأساة العراق، وشعبه، تحت كابوس الفاشية. كان المطلع:
“لم يبقَ لي غير دمعي في ليالينا طال الظلام ولم تذهب دياجينا”
لم يكن يلوح لي آنذاك مخرج من المأساة العراقية، فطغت على الكتابات الأدبية نغمة الحزن، الإحباط، ولكن الأمل في المستقبل كان يسري عني لحد ما، سوى أنني كنت أتمنى لو تغير النظام وأنا حي.

في ذلك الوضع العاطفي، والنفسي، كتبت قطعة كالوصية لمن أعزهم، فقلت:
“اذكروني حين لا شمسا أرى أو طريقا حـافلا بالبشرِ
حين لا تبصر عيني صفحة من كتـاب ملهم للفـكَرِ
أما النهاية فتخاطب الأعزاء هكذا:
“اذكروني عندما يجمعكم حضن بغداد، وقصوا خبري!”

وسقط النظام في حرب تحرير العراق، وانتعشت الآمال، وعادت البسمات للوجوه الكالحة. كنت شديد الأمل والثقة، مع بعض الأوهام، بإمكان تحول العراق تدريجيا نحو ديمقراطية، علمانية لبرالية، تفصل الدين عن الدولة.
واليوم؟؟!!
تمتلكني من جديد المرارة لوضع العراق المتردي، وهو ما كتبت عنه عشرات المقالات.
إنني لا أرى شخصيا اليوم بصيص نور للخروج من نفق الأزمة، ومع ذلك، فهناك قوة الأمل التي تجعلني أن لا أقع في تشاؤم مغلق، مظلم.
أخيرا، أخاطب كل قريب، وصديق عزيز، بما ختمت به مجموعتي الشعرية المعدة للنشر:
“عندما تستمعون لأغاني زهور حسين، أو ليلى مراد، أو عبد الوهاب، أو فيروز، فتتأثرون وتطربون، ومعها تغنون… فسوف أكون بينكم، أغني، ولكن لا تسمعون.
عندما ترتادون حديقة جميلة في إحدى عواصم الغربة، وتشاهدون الأطفال يلعبون، والبط يسبح في البحيرة بأمان، والزهور تدعوكم لاستنشاقها… فسأكون بينكم، متجاوبا مع كل ما هو جميل في الحديقة…. ولكن لا تعرفون.

عندما تتبادلون في المنفى ذكريات أمس، ما بين الحزينة المرة، والمبهجة، فلا تنسوا أنني في هذا الذكريات.
إذا عدتم لبغداد نهائيا، وقد نجت من الأخطار، وانقشعت الغيوم السود، وتطهر العراق من الشرور والأشرار، فتسمعون أغاني أمس تصدح في الإذاعة، والتلفزيون، بدل صراخ اللطم، والخطب الطائفية، وإذ تذهبون لشارع أبو نؤاس، وترون الفتيات الجميلات، السافرات، يتهادين بمرح وانطلاق ورصانة، دون خوف من ملاحقة مسلح متوحش، أو فتوى شيخ دين مأزوم جنسيا؛ إذ ترون مقاهي، ومطاعم أمس الصيفية بسمكها المسقوف، كما كانت أيام زمان، عامرة بالعائلات، وضاجة بمرح الأصدقاء، والكؤوس تشع… فاعلموا أنني سأكون هناك معكم، سعيدا، ناسيا الموت، واقفا أمام تمثال الشاعر النواسي، بعد عودته كما كان، أردد “وداوني بالتي كانت هي الداء”، ومترنما بأشعار غزلية لعمر بن ربيعة، والقباني، وأغني “دجلة الخير” لأبي فرات.. نعم سأكون حتما معكم وبينكم .”

لا تنسوا يا أعزائي هذه الكلمات، واعلموا أن معنى الحياة في رأيي هو الحب بكل أشكاله، وفي المقدمة حب الوطن والوفاء لشعبه، وحب الآخر، وحب الحياة، وعشق الجمال؛ وإنه الأمل في المستقبل، كما أنه هو الذكريات، بكل تعرجاتها وألوانها وتوقيتها الزمني.
مساء 3 أيار 2008