الرئيسية » مقالات » إعلامنا متخلف أم افتراءات الإعلام الغربي ؟؟

إعلامنا متخلف أم افتراءات الإعلام الغربي ؟؟

هناك إذن تداع نفساني ثنائي الأقطاب حسب “بيير غيرو” يستدعي وجود عبارتين الشكل الدال+ المفهوم الدال. فإبراز المواطن الأمريكي من خلال وسائل الإعلام- الأمريكية – طبعا يقظا, مسعفا, مفتول السواعد ، يضع مسافة بينه وبين الحكم المتسرع , ديناميا إلى درجة استفزاز رجال الإنقاذ , مبادرا إلى درجة التضييق على الصحافة من حيث الرغبة الصادقة في تقديم المعونة , لحظة الحاجة ، والمبادرة في القيام بما يجب متى وجب .
هذا المواطن نراه على سماوات الله المفتوحة يصارع الرياح العنيفة, يزيح الأشجار المقتلعة, من على الطرقات , ويجرف ملفوظات سقوف المباني المنهارة, ويتنقل بمرح طفولي عامر وسط مدن تغمرها المياه ، وتجرفها الاعاصير ، ينقذف بعجل على ظهر زوارق مطاطية حتى والكدمات التي وسمت محياه ، والأضرار التي لحقت بدنه ، أو الخسائر التي مست أسرته الصغيرة ، تفوق ما يمكن تخيله, كل هذا من غير صراخ وعويل ولا لطم خدود , أو ولاءات متكلفة لأحد.

إن حجم الكارثة الطبيعية ، مثل الفيضانات او الاعاصير بمختلف تجنيساتها ، وقساوة فعلها ، وكيفية تدبيرها إعلاميا ، تجسد وجهة نظر الإنسان الغربي ، إلى الحياة والناس , والمجتمع , فهذه النظرة المؤسسة على الصمود والتحدي ، تتخذ عمقا ابعد لحظة الكوارث , فالدولة, أمريكا العظيمة كما تقول عن نفسها ، عبارة عن مؤسسات منتخبة بديمقراطية, والوزراء ومحافظو المقاطعات مسئولون حقيقيون, انتخبهم الشعب, وهو وحده الكفيل بإزاحتهم وقتما يشاء, ولا وقت للاتكال وتبرير النقص في الخبرة أو التنصل من المسؤولية, أي إن المواطن – أبيض- وشيء قليل من التحفظ إزاء الأسود – بردود أفعاله المتزنة , بأقواله الباردة والصادمة في آن ، يضع قطاعات خدماتية واجتماعية مختلفة وعلى رأسها الدولة موضع مسائلة واتهام , مثلا قطاع البناء, مصلحة الأرصاد الجوية ,وسائل الإعلام…شركات التامين.
من هنا تكتسي الولولة ولطم الخدود والبكاء المريع ، على الفضائيات العربية وغيرها لحظة الكوارث والهزات الطبيعية ، هو بالمناسبة خصوصية عربية بامتياز , فخلال نشرات الأخبار الرئيسية ، أو ما شابهها من البرامج التحليلية ، تتشكل هذه الحركية بقيمتها الدلالية , إعلاميا , تماما مثلما تؤدي الألوان وظائفها السيميولوجية في الشعارات الحزبية أثناء الحملات الانتخابية وغيرها, إذ كما يرمز اللون الأحمر إلى التضحية, بمنزلقاتها , وكما يوحي الأخضر إلى السلم في تأويلاته الاستسلامية المغرضة, تتشكل سيميائية الصورة وتؤسس لها ولنفسها لدى المتلقي في كافة أنحاء المعمور سندا تاريخا وجغرافيا لمواطنة لافتة, ومصداقية كونية.

ولا بد أن حق كافة شعوب الأرض في الحياة بسلام مع اختلاف العقيدة والدين واللغة والجنس يشكل أساس التصور, بل التصور كله, في حق الإنسان في الأمن على الأرواح زمن الشدة ، على الأموال والممتلكات ، وفي الكرامة الانسانية والمساواة الاجتماعية في توزيع ثروات المجتمع ، ورفع الاستغلال الفردي والجماعي ، ونبذ التمييز بكل أشكاله ، عبر وقف الظلم والشطط في استعمال السلطة واستغلال النفوذ ، والكثير من الاقطار العربية والاسلامية وقعت في شانها توفيرها وضمانها عشرات من العهود والمواثيق الدولية .


لكن , وحال المواطن العربي في فلسطين أو العراق, والمسلم في السودان و أفغانستان…مدعوان إلى السقوط يوميا ضحية الاقتتال الأخوي تارة أو الهمجية البربرية الغربية”أمريكا والتحالف” إسرائيل.تارة أخرى . وبطبيعة الحال فان هذه المأساة تتفاقم حيت يتم تسويق صور القتل والدمار والتنكيل ويتم توظيفها توظيفا إعلاميا سيئا من قبل الغرب خدمة لمصالحه .
كما يظهر من خلال السينما حين يعمد الى تشويههم وتصديرهم الى العالم كبدو سذج, مستسيغا احدث وسائل الدمار مستبيحا أقصى ما وصلت إليه آلة الحقد والعنصرية.
ولا شك مثل هذه الصور والأمثلة كثيرة جدا تعمل بطريقة أو أخرى في الراهن السياسي والاجتماعي العربي . فمن جهة تعري هشاشة أنظمة الحكم فضلا عن كونها تعبر بوضوح عن الانتقاص واستبخاس الإنسان المزدوج “داخل +خارج” الذي يعانيه الفرد على امتداد الوطن العربي .


نعم الله يفعل في ملكه ما يشاء, ومقدم الحي أو شيخ الدوار يفعل في حيه ما يشاء, وسعادة قائد منطقة ما ، يستغل نفوذه و يعبث بسلطته كما يشاء, دون حسيب أو رقيب.
إذا كانت الرؤيا العلمية تتحاشى السقوط بنا في شرك المقاربة الأخلاقية والقانونية رغم وجود الفارق بسبب أن الإنسان واحد في أمريكا أو العراق أو فلسطين أو في جنوب لبنان أو في “الكريان” فلماذا يتخلى الإعلام العربي عن دوره في مقاومة مثل هذه الصور التي تطفح بالسلبية؟ والى متى يظل العربي عاجزا متخلفا جاهلا مقهورا مضطهدا مغلوبا على أمره, مكتفيا بالتضرع إلى الخالق, أثناء كل مصيبة بطلها رجال سلطة , أو تقصير مسئول , أو تهاون موظف في أداء واجبه ,وليس القضاء والقدر…


أليس بهذا السلوك الإعلامي التضليلي تعمل قنواتنا على التعاطف مع الجهل والترويج على أوسع نطاق للتخلف وانعدام الديمقراطية؟

هكذا تم تعبئة المواطن العربي وتم تأجيج عاطفته الدينية وهكذا يتم توظيف الدين في تلهية الناس بقضايا لا علاقة لها أبدا بما يتعلق بمصائرهم وكرامتهم وازدهار عيشهم فبدلا من توجيه وعي المواطن العربي المسلم نحو أهمية الديمقراطية ورفض الانفعالات” كالبكاء ولطم الخدود والولولة إلى غير ذلك من الامتصاصات الوجدانية البئيسة للغضب” وردود الأفعال غير المدروسة, كالمطالبة بفتح تحقيق حول أسباب انهيار عمارة في اقل من سنة من تشييدها, والمطالبة بإصلاحات سياسية تمنع المرتزقة والمضاربين من استغلال أصوات البسطاء بالمال ومحاسبة المسؤولين ومقاضاتهم عن ما عبثوا به من ثروات البلاد , نجدهم يكتفون باجترار أحاديث مستنسخة دون أدنى اجتهاد يذكر, وهكذا يصبح قتل مواطن من طرف ابن وزير مخمور دون محاكمة قدر محتوم , ودهس مواطن في مكا ن خطر غير محروس , قضاء وقدر, والغش في الامتحانات المدرسية والمهنية, في المعاهد والكليات, نباهة “وقفوزية” شطارة , وتشجيع البناء العشوائي ..درب من التنمية بالفوضى . الخلاقة . إلى غير ذلك من التخريجات الأخرى دون ذكر أسباب النزول.

عزيز باكوش