الرئيسية » مقالات » عيد الشهداء من جمال باشا السفاح الى ….؟

عيد الشهداء من جمال باشا السفاح الى ….؟

إنها لمفارقة كبيرة أن يعتقل ويسجن الأحرار في كوردستان اليوم ، بنفس الأسباب والمبررات التي كان يعتقل ، ويحاكم ويسجن و يعدم بها في زمن الدولة العثمانية ، ولا سيما في عهد جمال باشا السفاح ، عندما اقتاد المناضلين الى المحاكم بحجج نفسها تستخدم اليوم للنيل من المناضلين ، ( العمل على اقتطاع جزء من أراضي الدولة العثمانية ، الانتساب الى أحدى الجمعيات السرية ، الاتصال مع إحدى الدول الحلفاء المعادية للدولة العثمانية ) ، وكان يحكم على الكثيرين منهم ويدانوا في ذلك الوقت لأهداف سياسية ، ونحتفل اليوم بذكراهم وندين تلك الأحكام الجائرة ، وفي نفس الوقت تمارس السلطة التي جعلت من هذا اليوم 6- أيار 1916م عيداً للشهداء نفس أساليب تلك السلطات الرجعية القائمة على الحكم الثيوقراطي .
لقد أعلنت السلطنة العثمانية وقوفها في الحرب العالمية الأولى الى جانب دول المحور ( ألمانيا ) ضد دول الحلفاء ( فرنسا وانكلترا ) في 29- تشرين الثاني 1914م . حتى تستفيد من ظروف الحرب ، وتستغل الأحكام العرفية للقضاء على حركات المقاومة الوطنية ، التي وقفت ضد العثمانيين ، وأرادت أن تحصل على حريتها واستقلالها بعد حكم أستمر لأكثر من أربعمائة عام .
وكان الاتحاديون الذين أنهوا حكم السلطنة العثمانية قبل الحرب العالمية الأولى في عام 1909م بإسقاط السلطان عبد الحميد ، وسيطروا على الدولة والإدارة ، وبمساعدة القوميات الأخرى الغير التركية التي كانت تتشكل منها الدولة العثمانية من الكرد والعرب …الخ ، وتحت شعارات ( العدالة – الحرية – المساواة ) التي نادت بها وطالبت في تحقيقها بين مكونات الدولة العثمانية ، بهدف كسب دعمهم في تحقيق أهدافها للوصول الى الحكم .
وبعد أن تحققت لجمعية الاتحاد والترقي التركية ذلك ، وبوصولها الى الحكم ، انقلبت على كل ما نادت به ولا سيما شعاراتها في حقوق القوميات ، بل على العكس بدأت عملية صهر القوميات ضمن البوتقة التركية ، وجعلهم أتراكاً ، من خلال نشر أفكار الطورانية المتعصبة للعنصر التركي ، ووصل الأمر ببعض شيوخ البلاط الى إعلان فتاوى عنصرية تنص على أن لغة أهل الجنة هي التركية ، ومن لا يتقن التركية لا يدخل الجنة .
وأخذت السلطنة الجديدة التي تشكلت من غلاة الاتحاديين بإتباع سياسة عنصرية ، الهدف منها تحويل الدولة والمجتمع الى غالبية تركية ، بعد أن قضت على رموز الخلافة الإسلامية من إنهاء عطلة يوم الجمعة وتبديلها بيوم السبت والأحد ، وإلغاء الملابس الإسلامية ( من العمامة والكوفية ) بتبني النمط الغربي من ( البنطال والطقم والطربوش ) ، وتبديل الأحرف العربية في الكتابة الى الأحرف اللاتينية ، وإلغاء الحجاب ، وقد استكملت هذه التحولات من مجتمع أسلامي الى مجتمع غربي من حيث المظهر الخارجي ، بإجراءات مصطفى كمال أتاتورك ، الذي تبرأ من كل ما يمت بصلة الى التراث الإسلامي ، وأندفع للاندماج مع القيم الغربية ، ومحاولة الدخول في العباءة الأوربية حتى تستعيد سيطرتها على الدولة ومكوناتها من جديد .
ومع بداية الحرب العالمية الأولى عين الأتراك الاتحاديون أحمد جمال باشا قائداً على بلاد الشام بدل من الضابط زكي الحلبي الذي نقل مع باقي الفرق الى خارج حدود بلاد الشام ، وكان جمال باشا معروفاً بحبه للقسوة والبطش ، ويعتبر من أكثر الاتحاديين تعصباً للعنصر التركي ، وكرهاً لباقي القوميات ، ويؤمن بأن الله خلق العرق التركي من دم مقدس ونقي ومختلف ، ويجب أن يحكم البشر الذين خلقوا لخدمة العنصر التركي ، وقد اتبع سياسة اللين في بداية الأمر لكسب الناس الى جانبه في الحرب ضد الحلفاء ، ولكن بعد فشل حملته على مصر مع ألمانيا ، وإخفاقه في السيطرة على قناة السويس انطلاقاً من بلاد الشام ، كشف عن وجهه الحقيقي ، وأنتقل من سياسة اللين الى البطش والقوة ، وأفرغ غضبه على الناس .
أغلق جمال باشا الصحف والمجلات ، وأعتقل المناضلين من أعضاء الأحزاب والجمعيات السرية ، وطبق سياسة عنصرية الهدف منها القضاء على الكيانات الوطنية ، والثقافات المغايرة لثقافتهم ، ووجوب تحويلهم الى العرق التركي ، وفي ظل هذه الظروف أعلن الأحكام العرفية ، وأمر بتشكيل المحاكم الميدانية العسكرية ، وقاد إليها المعتقلين من قادة الجمعيات والأحزاب ، والمفكرين والمصلحين بتهمة محاولة فصل بلاد الشام عن الدولة العثمانية ، والانتساب الى إحدى الجمعيات ، أو الاتصال مع الدول الأجنبية المعادية للعثمانيين .
وبدأت الإعدامات بحق عدد كبير من المناضلين ، ففي 21- أب 1915م ، وفي بيروت كانت الدفعة الأولى حيث أعدم ( 11 ) زعيماً من زعماء الحركات الوطنية ، ثم كانت الدفعة الأخرى في 6- أيار 1916م وعددهم ( 21 ) واحد وعشرون سبعة منهم في دمشق أعدموا في ساحة المرجة ( ساحة الشهداء ) ، وأربع عشر في بيروت ومن بينهم ( عبد الحميد الزهراوي رئيس المؤتمر العربي في باريس ، وعبد الكريم الخليل ، ومحمد المحمصاني ، وشكري العسلي ، ورشدي الشمعة ، وسليم الجزائري ، ورفيق رزق سلوم ، وشفيق مؤيد العظم ) .
وقد تلاحقت قوافل الشهداء حتى تجاوز عدد الذين أعدمهم جمال باشا ( 800 ) قائد ، كل ذلك من أجل القضاء على الحركات الثورية ، ومحاولة إحباط أي ثورة مرتقبة ، والقضاء على روح المقاومة وفكرة الاستقلال ، وإفشال أي رغبة وتطلع لدى الوطنيين بتغير حقيقي ، ولكن هذه السياسة وألأجراءات كانت نتائجها عكس ما أراد لها الاتحاديون ، فكانت من أبرز العوامل التي دفعت الى إعلان الثورة للتخلص من الظلم والاضطهاد العثماني .
انطلقت الثورة الإسلامية الكبرى من الحجاز بقيادة الشريف حسين في 10 – حزيران – 1916م الذي أعلن وقوف العرب الى جانب الحلفاء في الحرب مقابل دعم الحلفاء لهم في استقلال الأقطار العربية في أسيا عن الدولة العثمانية عدا ولايتي بغداد والبصرة اللتان منحتا لانكلترا ، وعدا كل ما يقع غربي خط دمشق حلب ( الساحل السوري ) لفرنسا ، وعدن التي كانت محتلة من قبل انكلترا ، وعدا القسم الأفريقي من الوطن العربي الذي كان محتل من قبل الحلفاء ( المغرب العربي مع مصر والقرن الأفريقي ) ، أي فقط الحجاز بدون السواحل مع ما تبقى من داخل بلاد الشام على أن تقام فيها دولة عربية بقيادة الشريف حسين بمساعدة الحلفاء ، ولا سيما انكلترا وعلى رأسهم ( الضابط لورانس ) ، والتي توجت بإنهاء الاحتلال العثماني الذي أستمر من ( 1516م – 1918م) ، ورحل جمال باشا السفاح ، وبقيت ذكرى الشهداء الذين أعدمهم في 6- أيار 1916م .
لقد شاركت كل مكونات الشعب في الثورة الإسلامية الكبرى ، ولكن بعد نجاحها ظهرت الفردية ، ومحاولات الانفراد بالسلطة من خلال أبعاد العناصر المختلفة ، واعتماد الشريف حسين على أفراد أسرته فقط في الحكم بتعين أبنه فيصل أميراً على سوريا الداخلية ، وعبد الله الذي كان الوسيط بينه وبين الانكليز على فلسطين وشرقي الأردن بوعود انكليزية له قبل لقاء هذا الأخير مع تشرشل في القدس عام 1921م حيث تم تطبيق الاتفاق السابق ، شريطة أن يقوم بحماية اليهود في فلسطين ، والفرنسيين في الساحل السوري ، ويمنع الهجمات عليهما ، وأبنه الثالث علي على الحجاز ، والتي تنازل عنها فيما بعد لأبن السعود ( مؤسس الدولة السعودية ، وفضل السفر الى قبرص ، وانشغلوا في الصراعات الجانبية على السلطة .
فتعرضت سوريا للاحتلال الفرنسي بعد معركة ميسلون بقيادة يوسف العظمة عام 1920 ، ومعارك جبل كرد داغ حيث وقفت الجماهير الكرد في عفرين ضد الفرنسيين في عام 1919 بقيادة المجاهد الكبير ( محو ايبو شاشو – وعلي ايبو شاشو ) وغيرهم ، وحققوا انتصارات كبيرة على الفرنسيين ، وكانوا على تنسيق مع القائد الكردي إبراهيم هنانو لتوسيع الثورة ، ولتحرير كامل سوريا ، وليس لإقامة دولة كردية التي كان وبكل سهولة يمكن إعلانها أذا ما رغب وإذا تخلوا عن العرب ، ولكنهم رفضوا ذلك وأصروا على طرد الفرنسيين من كامل سوريا ، ولم يفكروا بمنطق قومي مثلهم مثل البطل صلاح الدين الأيوبي ، وفي 1930 تصد المجاهد ( رشيد ايبو ) الذي يحمل بطاقة المجاهد رقم ( 2 ) في سوريا لدوره البطولي في التصدي للفرنسيين ، ومنع توغلهم من ناحية كرد داغ ، مع حركة المريدين بقيادة ( الشيخ إبراهيم الخليل ) فكانوا بذلك أبناء مخلصين للوطن كل الوطن ، ولم تغلبهم العنصرية الضيقة ، ومطامع وشهوات السلطة .
وفي الجزيرة كانت انتفاضة ( بياندور ) في حزيران عام 1923 م ضد الفرنسيين وكان الدور الأساسي فيها ل( حاجو أغا ) عندما وصل الفرنسيون الى الجزيرة تصدت لهم العشائر الكردية ، فكانت انتفاضة بياندور حيث قتل قائمقام الفرنسي والضابط ( روغان ) ، ثم قامت انتفاضة ( عاموده ) في أب 1937 ، ونضال جمعية ( خويبون الكردية ) .
ومن ثورات كرداغ والجزيرة مروراً بثورة إبراهيم هنانو وصالح العلي ، وثورات الجنوب بقيادة السلطان باشا الأطرش في السويداء وحوران وجولان ، وانتفاضة دمشق ، وانتهاء بانتفاضة الفوطة التي قادها الأبطال ( أحمد البارافي و محمود البرازي) الكرديين مع الأشمر والخراط ، كلها كانت تجسيداً للوحدة الوطنية الحقيقية لكل مكونات الشعب السوري ولم تكن تحت شعارات قومية ، وإنما كانت أهدافها وطنية في تحرير سوريا من الاحتلال الفرنسي .
تتوجت هذه الثورات التي شارك فيها الشعب السوري بكل أنتمائته بألأستقلال وخروج الفرنسيين ، وكانت فرحة السوريين كبيره في التخلص من الاحتلال ، وإقامة الدولة الوطنية التي تشمل كل السوريين بغض النظر عن توجهاتهم وقومياتهم ، ولكن الفرحة تحولت الى حزن ، والأمل الى يأس ، والثوار والمناضلون الى ملاحقين ولاجئين ، ومن صنعوا الاستقلال بدمائهم الى معتقلين ومتهمين باقتطاع أجزاء من سوريا .
وأعاد التاريخ ذاته وسيرته الأولى ، بسيطرة فئة على السلطة والدولة والشعب ، وإعادة أنتاج المحاكم الميدانية والعسكرية التي أستخدمها جمال باشا السفاح من جديد بحجج ذاتها ، وهي الخطر على آمن الدولة ، وأعيد إعلان الأحكام العرفية وأحكام الطوارئ بذريعة المواجهة التي لم تأتي ولن تأتي ، والأخطار الخارجية التي تهدد البلاد ، وحالة الحرب مع ( العدو ) .
لقد حولوا مناضلي الأمس الى مخربين ، وبدأت المحاكمات الاستثنائية ، واقتادوا الزعماء ورجالات الحركة الوطنية الى المعتقلات بتهم هي ذاتها التي حاكم بها جمال باشا المناضلين في 6- أيار 1916م ، وتحولت الى عيد للشهداء اليوم ، ( الانتساب الى إحدى الأحزاب السرية – محاولة الانفصال واقتطاع أجزاء من سوريا – الاتصال مع الخارج ) ، وحكم بأحكام قاسية وسريعة في الظلام دون أن يكون لهم الحق في الدفاع عن أنفسهم ، وأدخلوا أقبية السجون ، وأوصدت عليهم الأبواب ونسيوا فيها أو تناسوا ، ومرت عليهم الأيام والسنين والعقود فمات الكثيرون داخل الزنزانات ، ومن بقي منهم لم يعد يتذكر وجه أبنه وأبيه ، ولم يبقى في أجسادهم سوى ذكرى للوطن الذي صنعوه بدمائهم .
أن هذه الازدواجية التي تتبناها هذه الفئة ، والتي زرعتها بين فئات واسعة من المجتمع السوري ، أصبحت خطيرة ولا سيما إنها بدأت تنتقل الى الفئات الشعبية ، وتتحول الى ثقافة مجتمعية تجعل من هذا المجتمع معادياً لكل ما هو غير نسقها وفكرها العنصري المريض .
فسوريا تحتفل بعيد الشهداء اليوم وتقول فيهم القصائد والملاحم ، وفي نفس اللحظة تقوم بقتل الشبان الكرد في قامشلو وعفرين وكوياني وغيرها ، تقتل هنا وتحتفل هناك ، تخون هنا وتكرم هناك ، تعتقل وتسجن هنا وتؤيد وتدعم هناك ، تسمي المدارس والشوارع بأسماء شهدائها ، وتكفر من استشهدوا في سبيل الحرية في كوردستان ، فأية عنصرية وسطحية هذه ، وأي عقل جمعي هذا الذي يؤيد ويدعم هذه الأيديولوجية المريضة ..!!!!
هل وصل الاستهتار بعقولنا من قبل هذه السلطة الى هذا الحد الذي لا تحترم فيها حتى القيم الإنسانية ، وأي زمناً هذا الذي يقتل أبناء الوطن بأيدي سلطاتها التي تدعي الوطنية والشرعية ، وأنها تعبر عن ضمير الأمة والشارع ، وأي ضمير هذا الذي يقبل بمثل هذا الأجرام بحق أبنائها .
أن سوريا مع حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها ، ولكنها لا تستطيع أن تقبل بحق الشعب الكوردي في الوجود ، هي مع المقاومة في كل مكان وتطالب بالتفريق بينها وبين الإرهاب ، وضد المقاومة الكردية لتحرير وطنه ، سوريا مع شهداء العرب والشيشان والواق واق ، وضد شهداء الكرد حتى في أقامة تأبين لهم ، مع تحرير الأراضي العربية بكل الوسائل ، وضد الإرادة الكردية الحرة ، تطالب الهيئات الدولية والحقوقية لإطلاق سراح المعتقلين والأسرى العرب ، وهي تعتقل كل يوم الكرد ، تشجع وتنشر اللغة والثقافة العربية في بلاد (ألواق واق ) وتمنع اللغة والثقافة الكردية حتى داخل البيوت وفي الأغاني ، مع حق التعبير وتشكيل الأحزاب العربية والفارسية والتركية ، وتعارض حق التعبير وتشكيل الأحزاب الكردية ، مع صحافة حرة لصالح القضية العربية ، وضد وجود صحيفة كردية واحدة .
أن القائمة طويلة جداً ولا تنتهي من الازدواجية المقيته ، ولكنه زمن القوي ولعبة السياسة ، وحكم القدر أن يكون الكرد هم بناة الدولة التركية وهم ضحاياها ، أن يكون الكرد هم بناة الدولة السورية والعراقية والإيرانية وهم أول ضحاياهم ، أنها لعبة لم يتقنها الكرد ألا مؤخراً .