الرئيسية » مقالات » قضية طارق عزيز

قضية طارق عزيز

للوهلة الاولى، يبدو ان السؤال (او الاعتراض) مشروعا حول معنى مساءلة رجل دبلوماسي عن جريمة اعدام وحشية طالت رجال اعمال وتجار مدنيين ابرياء في محاكمة كيفية مخالفة لابسط قواعد العدالة، فشؤون الدبلوماسية، كما هو معروف، ابعد ما تكون عن شؤون السوق المحلية والاسعار وملف المخالفات إن وُجد فعلا، والدبلوماسيون ابعد ما يكونون عن المشغولية في قضايا التجار والتجارة، فكيف إذا كان الامر يتصل بمسؤول قاد دبلوماسية الدولة طوال اكثر من ثلاثة عقود من الزمن؟

ويبدو، ان وجاهة هذا التساؤل البريء في الظاهر، براءة الذئب من دم يوسف، لم يعد يدور في محافل واقنية وتصريحات محسوبة على النظام السابق، بل تجاوز الى نقابات محامين وهيئات اقليمية وحتى اوربية تعني(في الظاهر) بالعدالة، وقد نقلت شاشات ملونة تعليقات لمدافعين(او منافحين) بلغات مختلفة وهم يستبشعون وجود وزير للخارجية في قفص الاتهام، في قضية تتعلق بمحاكمة لتجار عراقيين جرت قبل ما يزيد على عقدين من السنين، وقد افترض بعضهم (وهنا السقوط المهني) براءة المتهم بصرف النظر عما ستقدمه المحكمة الجنائية العراقية من ادلة ووقائع عن علاقته بالجريمة.

على انه من السابق للاوان القول ان طارق عزيز، الذي سلم نفسه طواعية الى القوات الاجنبية، سيدان (او سيبرأ) عن تهمة التورط في مجزرة التجار العراقيين، غير ان سجل وزارةالخارجية العراقية تحت قيادة طارق عزيز لم يكن نظيفا من جرائم تصفيات واغتيالات تمت من خلال اقنية الدبلوماسية وتحت عباءتها لاكثر من سبعين شخصية عراقية وعربية واجنبية، ساحاتها الكويت وعدن والخرطوم والقاهرة وعمان وبيروت ولندن وباريس، وينبغي ان نتذكر هنا جرائم اغتيال حردان التكريتي في الكويت وامين رشدي في عدن ومهدي الحكيم في الخرطوم وطالب السهيل في بيروت وغيرهم كثيرون على يد رجال طارق عزيز، وقد طرد، بسبب ذلك، الكثير من سفراء النظام واعتقل وحوكم دبلوماسيون احترفوا الاجرام واعمال الشقاوة، وامتدت اصابع الاتهام (وهذا المهم هنا) الى “مهندس الدبلوماسية العراقية” الذي يقف الآن في قفص الاتهام ليتساءل ببراءة منكسرة: ما علاقتي، انا الدبلوماسي ووزير الخارجية باعدام تجار؟” .

الوجه الثاني لقضية طارق عزيز يمكن ان نرصده في الحقيقة التالية: ان تحويل الدبلومسية العراقية الى فرع من فروع دولة المخابرات، والى ذراع ضاربة مضرجة بالدم والجريمة، والى جهاز يطارد العراقيين ممن يعارضون الدكتاتورية في كل عواصم العالم، تم على يد “هذا الماثل امامكم” حصرا وتحت امرته فعلا، وكان لبعثاته الدبلوماسيته الناعمة، آنذاك، محاكم شوارع تنتشر في كل عواصم العالم.. تحكم وتهدر الدماء.

والوجه الثالث لهذه القضية يتلخص في سؤال استباقي: لماذا لم تنظر المحكمة الجنائية في ملف الاغتيالات الخارجية التي سجلت في مسؤولية طارق عزيز، وهناك محاكمات في عواصم عديدة اشارت الى دوره المباشر فيها.

اما الذين يتباكون على براءة طارق عزيز، فليس كل بكاء هنا نبيل .. الم يات اخوة يوسف اباهم عشاء يبكون؟.

ـــــــــــــــــــ
كلام مفيد:

“اكثر الشهود صدقا هي قمصان الجناة”.

امل دنقل