الرئيسية » مقالات » يجب إعادة (الذاكرة العراقية المسروقة) إلى الدولة

يجب إعادة (الذاكرة العراقية المسروقة) إلى الدولة

هل إن قدر العراق هو أن يمحى ويشوه تاريخه، وأن تزال من الذاكرة التاريخية حضارته جراء الأحداث التاريخية التي مرت عليه؟. فهذا البلد العريق شهد ما لم تشهده أوطان أخرى من حيث حجم ما تعرضت له ذاكرته التاريخية من دمار ومحو. نعم أخذت بلدان عديدة في المنطقة نصيبها من ذلك الدمار والنهب الذي تعرضت له آثارها ووثائقها ومخطوطاتها، ولكن العراق كان له بلا شك حصة الأسد. فقد تم حرق بغداد بكل مرافقها الحضارية من مكتبات ومخطوطات وكل ذاكرتها على يد المغول في العاشر من شباط



حصار المغول لبغداد في 10 شباط عام 1258 بريشة فنّانين من ذلك الزمان
عام 1258 ميلادية، بعد أن حوصرت لمدة أسبوعين. وراح ضحية هذا الغزو قرابة مليونين من سكنة حاضرة الدنيا بغداد العريقة. وقد رثى شاعر الفرس الكبير النابغة الشيخ مصلح الدين سعدي الشيرازي بغداد ومصيبة البغداديين برائعته التاريخية التي دونها بلغة الضاد قائلاً:

حبست بجفني المدامع لا تجري فلما طغا الماء استطال على السكر
نسيم صبا بغداد بعد خرابهــــــا تمنيت لو كانت تمر على قبــــــري
لأن هلاك النفس عند أولى النهى أحب له من عيش منقبض الصــدر
طبيباً جس نبضي مداويـــــــــاً إليك،فما شكواي من مرض تبـري
لزمت اصطباراًحيث كنت مفارقاً وهذا فراق لا يعالج بالصبـــــــــر
تسائلني عما يوم حصرهـــــــم وذلك مما ليس يدخل في الحصـــر
أديرت كؤوس الموت حتى كأنه رؤوس الاسارى ترجحن من السكر
لقد ثكلن ام القرى ولكعبـــــــــة مدامع بالميزاب تسكب في الحجــر
بكت جدر المستنصرية ندبــــــة على العلماء الراسخين ذوى الحجر
نوائب دهر ليتني مت قبلهــــــا ولم أر عدوان السفيه على الحبـــر
محابر تبكي بعدهم بسوادهـــــا وبعض قلوب الناس احلك من حبر
لحى الله من يسدي اليه بنعمة وعند هجوم الناس يألف بالغــــدر
مررت بصم الراسيات اجوبهــا كخنساء من فرط البكاء على صخر
أيا ناصحي بالصبر دعني وزفرتي أموضع صبر والكبود على الجمر؟
تهدم شخصي من مداومة البكا ويندم الجرف الدوارس بالمخــــر
وقفت بعبادان أرقب دجلــــــــــة كمثل دم قان يسيل الى البحــــــــر
وفائض دمعي في مصيبة واسط يزيد على مد البحيرة والجــــــــزر

إلى آخر الرائعة التي تضم 94 بيتاً.
وتدور عجلة الزمن على هذه المدينة التاريخية لتشهد المزيد من القهر والدمار على يد من تسلط عليها من البرابرة والغزاة وسلاطين الاستبداد والجهل، ليعبثوا بهذه المدينة تاريخاً وحضارة وذاكرة حرقاً ونهباً وتدميراً. ومازال هذا قائماً سواء على يد الجهلة وأعداء الثقافة والتنوير أو على يد سماسرة من العراقيين، أو على يد تجار النهب والسطو من خارج الحدود. وهكذا سرقت باب عشتار ذات الارتفاع الذي يبلغ خمسين متراً من أرض بابل لتستقر في متحف ألبرغامون في برلين بعد أن نقلها الألمان الذين كانوا يحلمون بالسيطرة على الشرق الأوسط في مطلع القرن الماضي. كما سرقت الآلاف من موروثاتنا الحضارية الغائرة في القدم ونقلت إلى المتحف البريطاني وإلى مختلف متاحف العالم الشهيرة. وبعد أن سطى الاستبداد البعثي على هذا البلد الكريم، جرت أحدث عملية سطو على الذاكرة العراقية أوقمعها وتشويهها سواء عن طريق اتلافها أو حجب النتاجات الإبداعية للعراقيين أو تصفية رموزها وتغييب الكثير من المصادر التاريخية والعبث بالآثار العراقية، بما في ذلك نحت إسم الديكتاتور على مدينة بابل الأثرية. فكل التاريخ في ذلك الزمان الأعجف تحول إلى بعثي لهه رسالة واحدة هي تشويه تاريخنا العريق. وامتدت الجريمة حتى إلى القيام بالتهريب والمتاجرة بكنوز العراق الأثرية على يد أقطاب هذا الحكم خلال كل فترة سنواته العجاف. ويعرف العراقيون ما قام به عدي وأرشد ياسين ممن كانا على رأس قائمة المهربين والمتاجرين بالآثار العراقية. واحتضنت العصابات الدولية المتاجرة بالآثار هؤلاء السراق والمضاربين العراقيين ليتحولوا إلى لوبي وبزنس خطير يترصد الفرص كي يكدس المال الحرام عن طريق ممارسة العبث بالذاكرة العراقية الموغلة في القدم.
وما أن بانت ملامح انهيار النظام بعد الغزو في التاسع من نيسان حتى 2003، حتى استعدت كل العصابات ذات الأهداف والدوافع المتنوعة إلى تركيز كل حقدها وغضبها على عروس الفراتين بغداد الحبيبة. فتم الشروع بحرق ونهب مراكز الذاكرة العراقية سواء في بغداد أو في كل المراكز الحضارية التاريخية لوادي الرافدين حتى قبل سقوط النظام بساعات. وقامت فلول العهد السابق بتنفيذ هدفين أساسين من أهدافها، الأول حرق كل الآثار والوثائق التي تدين النظام السابق على جرائمه وأفعاله المنافية للقوانين. أما الهدف الثاني فهو سلب الدولة العراقية من كل ذاكرتها ووثائقها الرسمية ومقومات وجودها من أجل شلّها وتجميد قدرتها على إدارة شؤون البلاد. وقد استفادت فلول النظام السابق من عصابات الجريمة المنظمة ومن تغلغلها في أجهزة الدولة وفي بعض التيارات السياسية ذات المظهر المعارض من أجل تنفيذ أعمالها الإجرامية وممارسة السلب والتدمير.




أول بحث رياضي عراقي



جزء من الذاكرة العراقية تتحول إلى رماد في التاسع من نيسان 2003


كما شاركت غالبية من منتسبي الأحزاب السياسية المعارضة وشخصيات سياسية معارضة في هذه الموجة الهوجاء، أما بدافع الانتقام من العهد السابق في الظاهر، أو من خلال السعي لامتلاك أكبر ما يمكن من الوثائق والممتلكات خدمة لأغراض حزبية ضيقة، وبشكل يخل في دور الدولة وحقها في التعاطي مع هذه الوثائق الرسمية. ومارست عصابات من العراقيين مهنة المتاجرة بهذا المنهوب، بهدف عرض البضاعة على دوائر إقليمية تسعى للحصول على وثائق ومعلومات سرية أو اخفاء معلومات أخرى تلقي الضوء على علاقات تلك الأطراف مع النظام السابق. كما لحقت بهذا الركب مراكز اعلامية تسعى إلى جمع الوثائق أو السطو على آثار قديمة وكنوز النتاجات الإبداعية المتنوعة للأدباء والفنانين العراقيين. ولم يتوانى نفر آخر عن السعى إلى التلاعب بمشاعر وآلام ضحايا الحكم السابق، فشكلوا هيئات ومنظمات واجهتها الدفاع عن الضحايا والسجناء السابقين وكشف مصائرهم في حين أنها تسعى إلى ابتزاز أسر الضحايا، بهدف جمع المال بعد أن سطت على ملفات الضحايا.
ولم يتخلف عن كل هؤلاء جمع آخر من عراقيين يفترض بهم أن يكونوا أول من يحمي التراث العراقي للأسف، ومن الذين حصلوا على وثائق رسمية بدوافع مختلفة. فهناك من بادر إلى جمع هذه الوثائق ونقلها إلى الولايات المتحدة أو إلى دول أخرى دون أن يسعى إلى الإحتفاظ بها في العراق بإنتظار قدر من الاستقرار كي تتولى الدولة مسؤولية التعاطي معها، أو دراستها وأجراء البحوث عليها في العراق لرفع الوعي المعرفي للعراقيين كي يتبينوا ما حل ببلادهم. وعمد نفر آخر إلى تقديم العطايا لموظفين في أجهزة الدولة مقابل الحصول بشكل غير قانوني على وثائق رسمية لا يحق لأحد حيازتها والتعامل معها سوى المؤسسات الرسمية المنتخبة من قبل الشعب. ومن الطبيعي أن لا تثمر كل حيازة هذه الوثائق عن أية نتائج للعراقيين على طريق استرداد أموالهم أو معاقبة مرتكبي الجرائم من العراقيين والعرب والأجانب. كما راح آخرون ينشرون قوائم حصلوا عليها لأشخاص تعاملوا مع أجهزة الأمن العراقية، بما يؤدي إلى الإخلال بدور المؤسسات القضائية العراقية ومسؤوليتها في ملاحقة مثل هؤلاء الأشخاص. إن هذا الأسلوب الخطير في التعاطي مع هذه الوثائق لايؤدي إلى إرساء دولة مؤسسات، بل إلى دولة أشخاص يفرضون قوانينهم وارادتهم، أي العودة إلى دولة الشخص الواحد القادر القدير، والتي فشلت تجربتها في العراق. فهذا الأسلوب في التعاطي مع الوثائق يلحق الضرر بمصداقية الوثائق نفسها خاصة عندما تصدر من شخص وليس من مؤسسات الدولة المعنية.
ولقد تفاقم النهب والدمار واتخذ أبعاداً منظمة ومدمرة بعد التاسع من نيسان بسبب وقوف الغازي الأمريكي موقف المتفرج اللامسؤول تجاه هذه الفوضى وعدم التزامه وعدم احترامه لمعاهدات دولية، ومنها معاهدة لاهاي عام 1954 القاضية بحماية الموروث الثقافي والوثائقي للدول في حالة حصول أي نزاع مسلح أو احتلال لدولة أخرى. لقد نهبت ونقلت إلى الخارج كنوز من الذاكرة العراقية لا تعرف حدودها إلى الآن، بما فيها أكبر موروثات العراقيين اليهود الذين عاشوا في بلاد الرافدين منذ أن سباهم نبوخذ نصر وأسكنهم في بلاد بابل قبل أكثر من 2500 سنة.
لقد بدأ هذا الدمار باستباحة المتحف العراقي والمواقع الأثرية العراقية، التي أختفت منها 13864 قطعة أثرية ثمينة. كما شن “الحواسم” هجومهم ليغزو المكتبة المركزية ودار الكتب والمخطوطات المركزية التي فقدت قرابة 3000 مخطوطة من خزينها. فهذه المواقع لا تنسجم مع فكرهم الظلامي. وتشير كل الدلائل إلى أن من قام بالسرقة هم من كانوا على معرفة بأماكن وجودها ونوعيتها أو حتى من كان يملك مفاتيح مخازن هذه الآثار، بحيث توجه الاتهام بالدرجة الأولى إلى أجهزة في دولة النظام السابق.
إن حكومتنا المنغمرة الآن في مطاردة الخارجين على القانون، وهي تستحق الثناء على ذلك، ينبغي أن تعير الأهمية اللازمة لمعافاة الذاكرة العراقية التي تعرضت للمحن على يد هذه العصابات وغيرها من كتائب الجهل والظلامية.
ولعل أولى المهمات هي تعيين مسؤولين في وزارة الثقافة ليس على أسس “المحاصصة الطائفية” المدانة، التي تأتي بضباط شرطة فاشلين أو ملالي إرهابيين على رأس هذا المرفق الحساس، بل استيزار ممثلي ثقافتنا العراقية الغنية برموزها. وحبذا لو تطبق هنا “المحاصصة” ولكن بستارها المهني كي تصبح وزارة الثقافة من “حصة” اتحاد الأدباء واتحاد الفنانين وكل الاتحادات الأدبية والفنية لتختار وزيراً للثقافة في العراق يتناسب مع عراقة الثقافة في هذا البلد العزيز وينهض بها ويخرجها من الركام الحالي. وبهذا الطريق فقط يمكن أحياء ضمير العراقيين ووجدانهم المتمثل بموروثه الثقافي الحضاري العريق.
وعلى غرار ما بادرت إليه الحكومة في “صولة الفرسان” في تنفيذ خطة لجمع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة ، فينبغي عليها أيضاً أن تبادر إلى حملة وطنية لاعادة موروثنا الثقافي، والدعوة إلى جمع المنهوبات من تراثنا ووثائقنا من دائرة النهب المستمر لحد الآن. كما على الحكومة أن تطبق نفس ما طبقته بحق الخارجين على القانون وعشاق الأسلحة والمتاجرين بها، بحرمان أي حزب سياسي وأي فرد من المشاركة في العملية السياسية وفي الإنتخابات في حالة عدم إقدامهم على تسليم ما لديهم من وثائق موجودة عند الغالبية الساحقة من الأحزاب العراقية التي فازت في الانتخابات وتحكم العباد الآن.
ولكن مازال للعراق كنوزه ومبدعيه


منحوتة للفنان نداء كاظم

بريشة الفنان فيصل لعيبي منحوتة للفنان

محمد غني حكمت
كما لابد وأن تبذل وزارة الخارجية العراقية جهداً استثنائياً في إعادة الوثائق التي نقلت بدون حق إلى الولايات المتحدة. وتقع على عاتق هذه الدولة مسؤولية، وحسب قرارات الأمم المتحدة، تلزمها بإرجاع كل ما نهب من موروثنا، من وثائق وآثار، كي يطلع العراقيون على تاريخنا وعلى حقيقة الإرث البغيض لسنوات الظلم والقهر السابقة. وفي هذا الإطار ينبغي ملاحقة وتتبع طرق نهب الآثار العراقية التي وصلت إلى الآلاف مع الدول المجاورة ومع تجار الآثار والمراكز الآثارية في العالم.
ولا يمكن أن تنهض المراكز الثقافية ودور الثقافة ووزارة الثقافة ودوائرها بدون أن تُوفّر لها امكانيات مالية وقوى فعالة لحمايتها. إن توفير الإمكانية المالية لقوات الصحوة هو إجراء ضروري لتوفير الأمن ومطاردة الإرهابيين، ولكن يجب أن ترفد الحكومة وزارة الثقافة بنفس الإمكانيات كي تنهض بمهامها وتدعم المبدعين والفنانين والأدباء وما أكثرهم في العراق. إن عرض النتاجات الإبداعية العراقية في مدن العراق وشوارعها هو من أولى التدابير التي يجب أن تتخذها وزارة الثقافة وبلديات المدن من أجل زرع القيم الجمالية الرفيعة بدلاً من تلك الصور التي رفعت عوضاً عن صور ونصب الطاغية التي انهارت بعد التاسع من نيسان عام 2003. فمن أجل تهذيب ذوق وثقافة العراقيين، فإننا لانحتاج إلى رفع صور مقتدى الصدر المطلوب للعدالة حسب تصريحات الدكتور موفق الربيعي أخيراً. كما يتعارض رفع صور رجال الدين، التي صدّرت لنا من إيران فهي البلد الوحيد في العالم الذي يرفع تصاوير رجال الدين، نعم يتعارض مع ما يجب أن يكون عليه رجال الدين من الزهد والتواضع والتقوى وعبادة الخالق، لا التغني بالنفس وتأليهها.
إن ثروة كبيرة من الوثائق والمعلومات والآثار مازالت مخزونة لدى فلول العهد السابق. فصدام حسين كان حريصاً على خزن الوثائق في مراكز خاصة خارج مؤسسات الدولة. وتستطيع الدولة والمؤسسات المعنية بجمع الوثائق وحفظها أن تلجأ إلى عبد حمود، المعاون الشخصي لصدام حسين والمعتقل حالياً، وتستجوبه حول مصير الكثير من الوثائق. فالحكم السابق كان يحفظ الكثير في أقراص مدمجة، سرب بعضها في السنوات الأخيرة من العهد البائد إلى جهات عراقية معارضة. كما أن العديد من ضباط الأجهزة الأمنية السابقة أما عادوا ليساهموا الآن إلى عملهم في هذه الدوائر، أو أن بعضهم انفصل بشكل مبكر عن النظام السابق ولديهم معلومات عن المراكز التي يمكن للنظام أن يخفي الوثائق العراقية.
ولا يمكن للعراق أن ينهض بدون أحياء موروثه الحضاري وجمع الوثائق الخاصة بتاريخه القديم والحديث. ولدى العراق الكثير من هذا الموروث، ولكنه يحتاج إلى جهد نشط في جمع وترميم ما إمتدت إليه قوى الظلام والعبث والنهب كي يوضع تحت اختيار الباحثين والعراقيين عموماً كي يغنى الفكر العراقي وثقافته التي بدونها لا يحيى أي مجتمع.

1أيار 2008