الرئيسية » مقالات » بدايــات الغربــــة 26

بدايــات الغربــــة 26

تتناول: ضعف اللجنة وشخصنتها للمشاكل والعلاقة مع ابي قصي وعجز لتخ في المتابعة الجادة، عضوية (ح). (التفوق العلمي والعودة للوطن) شعار كان بحاجة لأعادة النظر فيه.

كانت المنظمة الحزبية وأنا أحد أعضاء لجنتها القيادية عاجزة عن معالجة أية مشكلة يواجهها طلبتنا. ففي السنوات الثلاثة والنصف التي عملت فيها داخل اللجنة عانى طلبتنا وأصدقاؤنا من مشاكل كثيرة سبق وأن تطرقت لها. ونجحت أجهزة السلطة العراقية بمخابراتها وأجهزة وزارة الداخلية وسفارتها في التغلغل وبناء علاقات جيدة مع الأجهزة الأمنية البولونية وأجهزة وزارة الداخلية البولونية ومع بعض الوزارات كالدفاع والتعليم. وأستفادة الحكومة العراقية من هذا النجاح في مضايقة طلبتنا وإثارة المشاكل لطلبتنا. وللأسف أن منظمتنا في بولونية فشلت فشلاً ذريعا في تلك السنوات (84/87) والسنوات التي تلتها بمجابهة ذلك التغلغل وتداعياته، وكان طلبتنا من رفاق وأصدقاء ضحية لذلك.
وشملت هذه المشاكل، إقدام السلطات البولونية على تسفير البعض بالرغم من حصولهم على مقاعد دراسية أو إقامات وتهديد المعارضين بتسليمهم للسلطات العراقية وفعلاً سُلِمَ البعض، ونجحت كما أعتقد الأجهزة الأمنية البولونية في بعض الحالات من إبتزاز البعض. وأجبرت شرطة الأقامات طلبتنا على مراجعة السفارة العراقية لتبديل وثائق سفرنا (الجوازات) وهددت طلبتنا بعدم تمديد إقامتهم إذا لم يجددوا جوازات سفرهم عن طريق السفارة العراقية. كما كانت المنظمة عاجزة في تعويض المنح الدراسية، التي يعجز أصحابها من الوصول الى بولونية بسبب ظروفهم الصعبة.
قدرة الحكومة العراقية في الضغط ونجاحها في تنفيذ سياستها في مضايقة طلبتنا تعود بعض أهم أسبابها حسب أعتقادي الى ضعف العلاقة بين قيادة حزبنا والرفاق البولون وعدم قدرة رفاقنا في إيصال وأقناع البولون بسياسة حزبنا ومعاناتنا من الأرهاب البعثفاشي ، وأن هذه اللقاءآت لم تكن تتناسب مع النشاط المخابراتي والسلطوي الذي تمارسه الأجهزة الصدامية. كما أن اللجنة الحزبية كانت من الضعف بسبب تركيبتها وعدم التخطيط الجيد في إختيار وتقديم الرفاق الجيدين وذوي الخبرة الجيدة، مما إضطر اللجنة عام 84/83 (أي قبل وصولي لبولونية) أن تقدم رفاقاً لم تتعدى كل خبرتهم الحزبية 4 سنوات وحتى أقل! وللأسف أن اللجنة أعتمدت في هذا التقديم مواصفات غريبة لم يسبق للجاننا السابقة من أعتمادها، فقد برر الرفاق ذلك بحاجة اللجنة لرفيق يتوفر لديه التلفون والسيارة والمال! وهكذا تم تقديم أحد الرفاق الذين رشحوا للحزب قبل ثلاثة سنوات ليصبح أحد أعضاء اللجنة لتوفر هذه الشروط الثلاثة فيه، هذا لايعني الأفصاح علناً عن دوافع تقديم هذا الرفيق ولكن كلما ناقشت أحد الرفاق القدماء صرح عن دوافع سكرتير اللجنة لهذا التقديم، وبرروا هذا التقديم بعدم توفر الأفضل وحاجتهم لأمكانيات الرفيق (التلفون،السيارة والقدرات المالية)! بالطبع كانت هناك بدائل أفضل بين رفاق المنظمة من ناحية الخبرة الحزبية والقدرات الفكرية، أما السلبيات فهي لآتخل حتى من أقدم الرفاق، وكان بأمكان اللجنة واللجان السابقة التخطيط لمعالجة سلبيات هؤلاء الرفاق من خلال مصارحتهم وتشخيص سلبياتهم ووضع المعالجات بالتعاون معهم.
في أعتقادي أن هذه الشروط التي دفعت سكرتير اللجنة لأعتماده في أختيار بعض رفاقه من أعضاء اللجنة القيادية، شروطاً تتنافى مع مباديء الحزب وتفقد منظماته الفعالية وتحولها الى منظمات ضعيفة المبادرة والأبداع وتثير الحساسية والشكوك في دوافع السكرتير في تقديمه اللامبدأي لرفاقه. ففي السبعينات عملت في اللجنة الحزبية التي قادها الرفيق (ع) والذي يسكن بعيداً بمئات الكيلومترات عن مركز المنظمة في وارشو، ولم يكن أي عضو من أعضاء اللجنة من أصحاب السيارات والشقق الفارهة وأن تمكن أحدنا من إستأجار شقة متواضعة فهي بدون تلفون، أما أمكانياتنا المالية فكانت دون المتوسط ومعظمنا كان يسكن في القسم الداخلي. لكن الرفيق (ع) تمكن من تجاوز جميع العقبات لمتابعة عمل المنظمة وذلك بالتعاون مع جميع أعضاء اللجنة. ونجحنا في أنجاز الكثير من النشاطات، وبنينا أحسن وأفضل العلاقات مع المنظمات الطلابية والحزبية ولم يكن للمال والسيارة والتلفون في ذلك أي تأثير.
إضافة لكل ماتقدم فأن الحزب لم يراع حاجة المنظمة ورفدها برفاق جيدين قادرين على العمل في اللجنة، فمن ضمن ثلاثة رفاق حصلوا على منح خلال الأعوام 84/88 ليحتلوا مواقع في اللجنة القيادية بتوجيه من قيادة الحزب، كان من بينهم رفيقين أحدهم كانت له علاقات مشبوهة بالسفارة ولم تنفع رسائلنا وتحذيراتنا للحزب لأتخاذ إجراء أحترازي، الى أن أعلن وبوقاحة بعثية بعد أن عمل في اللجنة لثلاثة سنوات بأنه نادم لأنتمائه للحزب وغادر للعراق في بداية التسعينات بعد أن مارس نشاطاً تجارياً وعلاقات مشبوهة مع السفارة وطلبة البعثة ، وكان دوره في اللجنة أقرب الى الخمول، ولا أدري من كان وراء منحه الزمالة والتوصية لضمه لقيادة المنظمة!. أما الرفيق الثاني والذي سبق وأن عملت معه في الجزائر وفي لجنة واحدة لخمسة سنوات وجمد عمله في الحزب بسبب تبريره لتراجع زوجته ودفاعه عن موقفها بعدم تنفيذ قرار الحزب، نجح في الحصول مع زوجته على منحة حزبية لبولونية (تثميناً لتراجع زوجته وتضامنه معها!!؟) وأصبح أحد أعضاء لجنة المنظمة وعضو مكتبها. أما زوجته التي تمتعت بمنحة حزبية رتبت سفرتها للعراق بالتفاهم مع السفارة أثناء وجود زوجها كعضو في اللجنة الحزبية وأصبحت ناشطة ضمن جمعية المغتربين المشبوهة! وعضو اللجنة زوجها أنضم سرياً الى تكتل مجموعة المنبر وعمل معها سرياً وبنشاط لفترة غير قصيرة وكان يزود المنبر بتقارير سرية نشرت في صحافتهم عن نشاط المنظمة والجمعية في بولونية حتى تم أكتشاف تحوله لهذه المجموعة في وقت متأخر وعن طريق الصدفة، وهكذا تؤكد اللجنة على تدني وعيها وتركيبها وضعف تجربة أعضائها.
تشكيلة اللجنة هذه وضعف متابعة لتخ عرض المنظمة الحزبية والطلابية لأخطاء تركت تأثيراتها على مجمل العلاقات والنشاطات الحزبية والطلابية. ولابد من الحديث عن ذلك رغم ماتثيره من جروح ولكني أراها ضرورية كي تأخذ منها الأجيال الجديدة العبر، وتتجنب شخصنة المواقف والمحاباة أو الكيل بمكيالين حسب الأرتياحات ، لما في ذلك تأثير مدمر على منظمات الحزب، والأهتمام الجيد في تربية الرفاق ومعالجة أخطائهم وسلبياتهم بروح رفاقية وشفافية عالية بعيدا عن المحاباة والعلاقات الشخصية.
في عام 85/86 وصل للدراسة على حسابه الخاص الرفيق أبو قصي (م)، بعد أن ساهم لأربعة سنوات أو أكثر في العمل الأنصاري بكردستان. أستقر هذا الرفيق في لوبلين، وكالعادة المتبعة في الحزب بادر في كتابة رسالة يطلب فيها الأنتظام في صفوف المنظمة بأعتباره رفيق قادم من سورية كآخر محطة حزبية له. وكتب طلباً آخر يطلب فيه الأنضمام الى جمعيتنا الطلابية. مثل هذا الطلب روتينياً ويكون الأنضمام للجمعية كأعضاء إعتماداً على قناعاتنا الفكرية وتزكية الآخرين.
منذ الأيام الأولى لوصول الرفيق (م) أحسست بعدم إرتياح سكرتير اللجنة له بسبب معرفة (م) الشخصية لرفيق عرفه في كردستان وفصل من الحزب مؤخراً. وفي أعتقادي كان موقف السكرتير شخصي أكثر منه من حرص مبدئي لأنه لايعرف حقيقة هذا الرفيق وطبيعة علاقة (م) بالرفيق المفصول. وللأسف أن سكرتير اللجنة مارس أسلوبا بعيداً عن الأخلاق التي تربينا عليها في محاربة هذا الرفيق (م)، من خلال إثارة علامة أستفهام على طريقة وصوله وكيفية حصوله على مقعد دراسي على حسابه الخاص، وكان يلمح الى أن معلومات وصلته من الحزب بخصوص هذا الرفيق، ولا بد من أن أشير الى شكوكي بهذا الأدعاء وخاصة أنه لم تصلنا أية رسالة تحريرية من لتخ بخصوص وضع هذا الرفيق، وأنما كان يحدثنا بمعلومات وصلته من لتخ تلفونياً.
أنسحب موقف السكرتير للأسف من هذا الرفيق على الجمعية وموقفها من هذا الزميل، مستغلاً تأثيره الشخصي على سكرتيرها (ز) وعلاقته الحزبية به. ففي أحد أجتماعات الهيئة العامة لفرع جمعيتنا في لوبلين وكان بأشراف سكرتير الجمعية، أبلغ السكرتير أعضاء الهيئة العامة بقرار الهيئة الأدارية للجمعية رفض أنضمام الزميل (م) للجمعية!. أستغربت من موقف سكرتير الجمعية، وهو رفيق لي في لجنة بولونية ولم يسبق لي أن سمعت منه هذا الموقف، وليس من عادة جمعيتنا أن ترفض أنضمام الطلبة وخاصة أذا كان مقدم الطلب معارض للنظام ورفيق ومساهم بحركة الأنصار!. أعترضت أنا وبعض الزملاء على هذا القرار، وطلبنا توضيحاً لأسباب القرار.
لم يكن تبرير سكرتير الجمعية جدياً، ويدل على مدى الأستخفاف بأعضاء الهيئة العامة وعدم الشعور بالمسؤولية كرفيق أولاً وكسكرتير لجمعية طلابية مهنية ديمقراطية ثانياً. وأقتصر تبريره بعدم وصول تزكيته من أتحاد الطلبة العام! تصوروا رفيق وسكرتير الجمعية يفكر بهذه الطريقة عام 85/86 ويطالب بتزكية من مركز الأتحاد، وليس مقتنعا برغبة الزميل بالأنضمام للجمعية كونه معارضا للنظام الدكتاتوري ولم يشفع له تأريخه النضالي لأربعة سنوات في صفوف الحركة الأنصارية. أغتضت من طرح رفيقي وسكرتير الجمعية، وفهمت دوافعه ومدى تأثير سكرتير اللجنة عليه لأتخاذ هذا الموقف من (م). وكان ردي بتوجيه السؤال له ولبعض أعضاء الهيئة العامة الذين هم الآخرين ألتزموا الصمت، من منكم أرسل الأتحاد تزكيته؟ أليس النظام الداخلي ينص على أن كل طالب أو مقيم يؤمن بسياسة وبرنامج أتحادنا وغير منتمي لمنظمة طلابية أخرى ويقدم طلبا ويزكيه إثنان من أعضاء الجمعية، تقبل عضويته؟ وللأسف وافق أعضاء الهيئة العامة على هذا القرار المجحف والغير مسؤول، لأنهم يرون في موقف سكرتير الجمعية هو موقف الحزب الذي لايقبل النقاش أو الأعتراض!. وموقف الهيئة العامة التي لايتجاوز عدد أعضاؤها 12 زميل يدل على كيفية تفكير البعض والأنصياع لمواقف شخصية بعيداً عن الحرص والمهنية في العمل الطلابي الديمقراطي، كما كان موقف سكرتير الجمعية تعبيراً عن رغبة سكرتير المنظمة الذي وجد في علاقته الشخصية بسكرتير الجمعية وسيلة في محاربة الرفيق (م) لعدم قدرته في إتخاذ مثل هذا الموقف المعادي في اللجنة الحزبية. من الواضح أن الموقف من (م) كان يراد منه دفعه للأبتعاد عن الحزب والجمعية، حينها سيعلن السكرتير موقفه المعادي والشخصي من (م) ليبرر للحزب دواعي موقفه، لكن (م) بالرغم من محاولات عزله بقي قريبا ولم يدع أن تؤثر عليه تصرفات سكرتير المنظمة وسكرتير الجمعية. وأحب هنا أن أشير أن موقف سكرتير الجمعية يؤكد قلة تجربته وخبرته في العمل الديمقراطي والحزبي وتأثره بسكرتير اللجنة بأعتباره هو من تفضل بتقديمه كعضو في اللجنة الحزبية.
خلال السنة الثانية بذل (م) جهوداً شخصية من أجل تحويل دراسته من حسابه الخاص الى منحة على حساب أتحاد الطلبة البولوني، مثلما فعل الكثيرون من رفاق وأصدقاء قبله. نجح في جهوده بمساعدة (و) أحد رفاق هيئة لوبلن الحزبية من المتعاطفين معه. وليس في ذلك أي ضرر للحزب، فالمنحة لآ تؤثر على عدد المنح الممنوحة للحزب، والدليل أن الحزب في تلك السنة حصل على نفس عدد مقاعد المنح. نجاح (م) من تحويل دراسته الخاصة الى منحة أثار غضب وحنق سكرتير اللجنة وسكرتير الجمعية وأعتبروا هذا تجاوزا على حق من حقوق الحزب والجمعية!. فتم تكليف أحد رفاق لوبلين (هـ) من قبل سكرتير اللجنة وبالتنسيق مع رفيقه سكرتير الجمعية دون علمي كمسؤول عن هيئة لوبلين متجاوزين أسلوب العمل التنظيمي، للبحث والتقصي عن كيفية نجاح (م) في حصوله على منحة!. والغريب أن سكرتير اللجنة ورفيقه سكرتير الجمعية كانوا ينتقدون بشدة الطبيعة الفضولية في رفيقهم (هـ) ويعتبرونها أحد أهم الأسباب في عدم تقدمه حزبياً، لكنهما أتفقا على تكليفه بالأتصال خلسة بالمنظمة الطلابية البولونية وجمع المعلومات عن كيفية حصوله على منحة دونما أن يراعيا الأسلوب الغير تربوي في ذلك. وتبين أن (م) قدم طلبا الى أتحاد الطلبة البولون في لوبلين، شارحا فيها ظروفه كمعارض للنظام ومساهم لعدة سنوات في حركة أنصار الحزب الشيوعي في كردستان ويرجو إعفائه من مصاريف دراسته وتحويلها الى منحة لعدم قدرته المالية على التسديد. هذا الطرح والمبررات التي قدمها (م) أثارت غضب بعض رفاق اللجنة للأسف، وكانت سبباً لمحاسبة الرفيق (و) الذي ساعده في الترجمة والمراجعات، وأعتقد وجهت عقوبة له بالرغم من معارضتي ومعارضة (ع) لأسباب العقوبة ولم نر في تصرفه لمساعدة رفيق أنصاري ومعارض مايستوجب العقوبة.
وتمادى سكرتير اللجنة في موقفه من (م)، فأخبرني شفهيا بأن رسالة من منظمة الحزب في الشام عبر لتخ تذكر أن الرفيق (م) كان محالاً على التحقيق وأتخذ قراراً بتجميده وبلغ بذلك قبل مغادرته الى بولونية!. لآ أخفي سراً عدم ثقتي بما أخبرني به السكرتير خاصة انه لم يبرز أمام اللجنة أية رسالة من لتخ. وكدت أقول له أنك للأسف غير صادق لأن في مثل هذه الحالات لآبد أن تبعث منظمة الشام ترحيلاً دقيقاً عن وضع الرفيق، ورفضت أن أقوم أنا بتبليغه بهذا القرار، فالتجميد ليس عقوبة وهو موقف أحترازي وتربوي ويجب أبلاغ الرفيق بأسباب التجميد. لكن السكرتير أصر على أن (م) يعرف بالقرار وحوسب عندما كان في سورية.
خلال سفرتي لسورية عام 1987 جمعتني الصدف بأحد الرفاق الأنصاريين، وسألني عن أخبار (م) وعلمت منه بوجود رابطة حزبية بينهما قبل مغادرة (م) للشام. دفعني فضولي للتقصي عن وضع رفيقنا (م) وسألته عنه. فأخبرني بقصته كما دونها (م) في رسالته لمنظمة الحزب في بولونية، وأكد لي أنه كان يعمل معه في نفس الخلية الحزبية في دمشق وغادر الى بولونية على مسؤوليته دون أن يتعهد له الحزب بالمساعدة للحصول على مقعد دراسي، لكنه (الحزب) لم يعترض على سفره ورغبته في الدراسة. فأذن هو ليس محاسب ولا مجمد كما أدعى السكرتير بالتبليغ الشفهي من لتخ!. وعندما عدت أثرت هذا الموضع مع السكرتير مجدداً وطلبت منه أن تبعث لنا لتخ رسالة تحريرية ودقيقة عن الموقف، ولكن كان الصمت مطبقا من جانب لتخ!.
كانت الممارسات الخاطئة أسلوباً تميزت بها المنظمة بسكرتيرها وبطريقة لاتخل من عدم الحرص واللامسؤولية. ففي النصف الثاني من الثمانينات ظهرت حاجة الكثيرين من الرفاق والأصدقاء للحصول على وثائق سفر عراقية (جوازات سفر)، بدل وثائق سفرهم المنتهية الصلاحية. والكل يعلم بتوفر أمكانية شراء جوازات تعوض عن الغرض وبأسعار متباينة تعتمد على دقة التقليد (التزوير). قدمت مجموعة من رفاقنا طلباً للحصول على مثل هذه الوثائق ودفعوا ثمنها مقدماً. ومرت الأشهر وحتى أكثر من سنة ورفاقنا يعانون من مضايقات الشرطة البولونية لعدم صلاحية وثائقهم، بينما كان سكرتير المنظمة يدعي أن التأخير من لتخ!. وبعد أكثر من سنة من الأنتظار أقدمت وزارة الداخلية العراقية على إلغاء جميع الوثائق القديمة وطالبت وزارة الداخلية البولونية الأعتماد على أحدث إصدار لجواز سفر (مM .). وبقرار وزارة الداخلية البولونية لم يعد رفاقنا الذين طال أنتظارهم لأكثر من سنة للجواز الميمون بحاجة اليه. كان من ضمن المتقدمين لطلب توفير الجوازات لهم، رفيقين من لوبلين، أحدهم ابو قصي (م) والآخر (و) الرفيق الذي ساعده في السعي للحصول على منحة!. فهل كانت الصدف هي وراء عدم حصولهم على الجوازات التي دفعوا ثمنها مقدماً، أم أنه كان هناك موقفاً خفيا ولا أبالية في متابعة مصالح رفاقنا وأصدقائنا بسبب عدم الأرتياح لهم لأسباب شخصية ولعلاقتهم التنظيمية معي. نفس المشكلة عانى منها رفيق (ط) وهو رفيق يعيش في مدينة بعيدة، لكن تربطه معي علاقة صداقة من السبعينات، فهل لعلاقته معي سبباً في عدم توفير الجواز له؟ مع العلم أن أحد الرفاق الذي قدم مع هذه المجموعة لم يتأخر حصوله على جواز!.
بدء العمل المهني الطلابي في التدهور ويأخذ أساليب روتينية بعيدة عن الأبداع والحماس بسبب سوء عمل اللجنة الحزبية لمحاباتها لبعض الرفاق والأصدقاء دون الآخرين وأنغماسها في الأنحياز لبعض المواقف الشخصية. وكان يظهر عجزنا في أختيار العدد الكافي لأعضاء الهيئة الأدارية للجمعية، لأن الجميع يتحجج بكثرة الألتزامات الدراسية ويتهرب من العمل في المجال الديمقراطي!.
هذا الوضع أجبر المنظمة الحزبية بعد أن عجزت عن أستكمال عدد المرشحين للهيئة الأدارية للجمعية عام 1987 بالتقدم بمقترح للزميل (م) أن يوافق على ترشحه للهيئة الأدارية! طبعا تم هذا بعد إقرار عضويته في الجمعية دون أن تصل تزكيته من الأتحاد المركزي بعد تعطيلها أكثر من سنتين!. أليس في هذا ألتخبط والمواقف المتناقضة مايثير الشكوك والسخرية بمصداقية المنظمة والجمعية، ويؤثر سلبياً في تربية الرفاق ويغذي فيهم النزعات الشخصية واللآبالية في العمل الحزبي والديمقراطي.
في أحدى لقاءآتي بالرفيق الطيب الذكر شاكر الدجيلي في السويد، عاتبني على تشددي إتجاه الرفيق (ح) وعرقلتي لنيله عضوية الحزب. لم أتفاجأ بهذا الأنطباع عني، وهو أنطباع (ح) ومعظم رفاق هيئة لوبلين. وبعد أن وضحت للطيب الذكر ملابسات عضوية (ح) اقترح عليّ مصارحته، لأن (ح) يرى أني السبب في تأخير عضويته. كنت متوقعا أن (ح) ومعظم رفاقه يحملونني مسؤولية تأخر عضويته، وأنعكس ذلك في علاقاتهم الرفاقية معي وكنت أحس ذلك من خلال تعاونهم معي في عمل الهيئة وحتى في علاقاتي الأجتماعية معهم. ولكن من هو حقاً كان مسؤولاً عن تأخير عضوية الرفيق؟
كان (ح) مرشحاً ولأكثر من سنتين في هيئة لوبلين، وكلما درست مسألة منحه العضوية من قبل هيئته واللجنة الحزبية كانت تمدد فترة ترشيحه بسبب عدم إهتمامه بدراسته وإخفاقه المتكرر. بعد أستلامي لهيئة لوبلين وافقت هيئته على منحه العضوية مع بعض الملاحظات وقدمته كمقترح للجنة بولونية. درست لجنتنا المقترح وأقرته مع ملاحظات هيئته ورفعته الى لتخ. وأنتظرت كما كانت تنتظر هيئة لوبلن حسم موضوع عضوية الرفيق، لكن الردود من لتخ لم تتطرق مطلقاً الى ذلك. وكنت دائما أتابع وأطالب بحسم عضوية الرفيق وكان التبرير دائما أن لتخ لم تحسم الموضوع!. كنت أعتبر هذا التقصير من لتخ كأي تقصير آخر عودتنا عليه بعدم الرد أو التجاهل أوالتوجيه لكثير من الأمور التنظيمية والفكرية، وأعتبرت هذا لايختلف عن بقية القضايا المهملة أو المنسية!.
لكن بعد عدة أشهر يفاجؤنا السكرتير في أحد الأجتماعات ليخبرنا بأنه نسى سهواً في بيته محضر أجتماع اللجنة الذي درسنا فيه عضوية الرفيق (ح) ولم يرسله الى لتخ! طبعاً تأخير البت في عضوية الرفيق بسبب نسيان المحضر في بيت سكرتير المنظمة، ترك أثاره السلبية في الخلية التي أقودها، وأعتبر معظم الرفاق بما فيهم الرفيق (ح) أني وراء تأخير عضويته وأجزم أن هناك من كان يوحي لهم بأني وراء تأخير عضويته، وكان الأجدر باللجنة أن تقدم أعتذارا وتوضيحا للرفيق وهيئته لتبرأتي أمام هيأتي من التقصير، وتحدثت مع السكرتير حول ذلك وأوعدني بأنه سيتكفل ذلك، لكنه لم يف بوعده بالرغم من إثارة هذا الموضوع معه من قبل (هـ) أحد رفاق هيئة لوبلين!.
كانت مؤتمرات جمعياتنا الطلابية في كل أنحاء العالم تعقد تحت شعار أتحادنا الطلابي المركزي (التفوق العلمي والعودة للوطن). تبنى أتحادنا هذا الشعار عام 1964 بعد توجيه الضربة الشرسة لتنظيماتنا الطلابية ولعموم الحركة التقدمية في العراق إثر إنقلاب 8 شباط 1963 الدموي، وأصبحت عودة الكوادر العلمية من الخريجين ضرورية للوطن للمساهمة الفعالة في الحياة الأجتماعية والسياسية. وفي تلك السنوات وبالرغم من أستمرارية النظام العارفي في أضطهاد الديمقراطيين والزج بهم في السجون وفي مقدمتهم الشيوعيين وجماهيرهم، كانت هناك أمكانية لعودة الخريجين وحتى الكوادر الحزبية، وكثيرون تمكنوا بعد عودتهم من معادلة شهاداتهم الجامعية وحصولهم على عمل والأنضمام لصفوف الحزب، والقليل منهم من تعرض للأستجواب أو الأعتقال.
كان شعار الأتحاد المركزي واقعيا ويتناسب مع متطلبات تلك المرحلة (الستينات والسبعينات). لكن في ظل النظام البعثفاشي وبعد أن أصبح الطاغية صدام رئيسا للجمهورية، وأتبع حزب البعث سياسة التصفية الجسدية والتغييب في السجون لكل المعارضين، لم يعد لهذا الشعار أية إمكانية عملية للتحقيق. وأصبح من السخرية التشبث بشعار فرضته ظروف الستينات والتي لاتقارن مع ظروف الأرهاب التي مارسها نظام صدام، خاصة أن الحزب وجه معظم رفاقه بعد عام 1979 لمغادرة الوطن إلا النادر منهم، ومعظم المتبقين فشل في النجاة من تبعات الأستدعاءات والتحقيقات في كواليس المخابرات الصدامية. وكلنا يعرف أن العودة للوطن في الثمانينات أصبحت مستحيلة، إلا في العودة المتخفية ولكردستان العراق من ضمن الحركة الأنصارية. وكنا نسمع وتننتشر الكثير من الأخبار في فشل الحزب في إمكانية أرسال رفاق من كردستان لداخل الوطن، والكثير من هؤلاء الرفاق كانوا ضحية الكمائن والخيانات نتيجة الأندساس وتتم تصفيتهم في الأجهزة الأمنية والمخابراتية.
لهذه الأسباب مجتمعة وجدت من الضروري إعادة النظر بشعار الأتحاد بما يتناسب مع المرحلة الجديدة، ولم أعد أفهم ولغاية اليوم الأسباب وراء عدم مبادرة أتحادنا لتغيير شعاره. قدمت حينها مقترحا في مؤتمر الجمعية المنعقد عام 1987 لتغيير الشعار، وتركت الباب مفتوحا لتطوير البديل الذي طرحته (التفوق العلمي والنضال من أجل إسقاط النظام الدكتاتوري). ووضحت أن هذا الشعار البديل سيشمل العودة للوطن بما يتناسب مع ظروف الرفيق أو الزميل. فهدفنا هو أسقاط النظام، ويمكن المساهمة في ذلك من خلال العودة أن كانت هناك إمكانية، أو من خلال المساهمة في حركة الأنصار* او المساهمة بالمال، أو من خلال المساهمة في بلدان المهجر في التظاهر وفضح أساليب النظام …الخ. كما أن العودة للوطن ليست هدفا الآن، فالعائد يتعرض للتصفية أو السقوط السياسي. ووضحت من الأفضل عدم طرح شعار تعجيزي غير قادرين على تنفيذه، ونحن نرى كيف أن البعض يحاول أن يتأخر في أنجاز مهامه الدراسية، من خلال الأرتباط بزوجة من بلد الدراسة ومعظمهم جعل من هذا الأرتباط ذريعة لعدم الألتحاق بالحركة الأنصارية، مما دفع الحزب في بداية الثمانينات بأصدار تعليماته برفض الزواج من الأجنبيات لأن هذا يحول دون ألتزام رفاقه بتنفيذ المهمات!. وسبب هذا التوجيه أحراجا لبعض رفاق اللجنة المتزوجين من بولونيات بما فيهم سكرتيرها، فأفصحوا عن حرجهم بالتثقيف في هذا التوجيه بين الهيئات القاعدية. ومارس بعض الرفاق أساليب متباينة وملتوية مع الحزب للأقدام على الزواج من أجنبيات وخضعوا للتحقيق والمسائلة الحزبية لتفسير ما أقدموا عليه!.
كان أول المعارضين لمقترحي سكرتير اللجنة ورفيق آخر وركزوا على أن هذا الشعار مركزي ولايحق لنا تغيره!. بينما قدمته كمقترح لدراسته وتقديمه لأتحادنا عبر لجنة التنسيق، وهذا لايمنع من الموافقة على المقترح وتطويره، وعلى أتحادنا دراسة مقترحنا وإقرار الشعار العملي والمناسب للمرحلة. وللأسف أن مقترحي فشل بالتصويت العلني، لأن معظم أعضاء المؤتمر من الرفاق يرون بموقف سكرتير المنظمة الرافض لمقترحي كقرار حزبي يجب الألتزام به!. ووجهت لي لتخ نقداً لأني طلبت تغير الشعار المركزي لأتحادنا!. ومن المضحك لم يلتزم بهذا الشعار أي رفيق بما فيهم الرفاق الذين عارضوا مقترحي بشدة!. لقد كنا في تلك السنوات نعاني من تنفيذ حتى النصف الأول من الشعار (التفوق العلمي) وكان في مقدمة المتأخرين دراسياً الرفيقين اللذين عارضا تغيير الشعار!. فكثير من الرفاق أنهى دراسته بفترة تصل الى ضعف الفترة المخصصة وخاصة طلبة الدكتوراة، فأين كنا من شعار التفوق العلمي ناهيك من العودة للوطن.
أثناء التصويت وحتى خلال النقاشات تفاجأت من موقف أحد الأصدقاء (محمد جايجان)، لأنه كان دائما يسخر ويتندر على رفاق المنظمة لتأخرهم دراسيا تهرباً من تنفيذ قرار الحزب للألتحاق بالحركة الأنصارية. عرف هذا الزميل بلسانه السليط وحب النكتة والسخرية من بعض المواقف والشطحات السياسية، وتفاجأت من موقفه ضد مقترحي، وسألته بعد المؤتمر لماذا عارضت؟ فأجابني بسخريته المعهودة: أبو نورس بعدك غشيم، لو كنت غيرته الى (التفوق العلمي واللجوء للسويد، أو للسفر لليمن وووو) لوافقك عليه الجميع بدون تحفظ، الجماعة كلهم يأخرون أنهاء دراستهم، وعلى ساعة تشوفهوم بالسويد!. صمت لأني كنت أرى في نقده وسخريته كثير من الحقيقة.

محمد علي الشبيبي
السويد/كربلاء/العباسية الشرقية


*- كان الموقف في الثمانينات من مسألة الألتحاق بالعمل الأنصاري في كردستان أحد أهم المعايير لتقييم الأرتباط بالحزب وجهادية وصلابة الرفاق وأستيعاب سياسته وقناعتهم بها، ويعكس التماسك والأنسجام الفكري في اللجنة وقدرتها على إقناع قواعدها بسياسة الحزب ورفع جهاديتهم وصلابتهم. لكن المنظمة فشلت في إقناع أي رفيق بالألتحاق بالعمل الأنصاري منذ عام 1979 ماعدا رفيق واحد التحق عام 1981 ثم طرد من الحزب! وبعض المزايدات التي تلقفها سكرتير اللجنة بأعتبارها إنجازا عظيما للألتحاق بالحركة الأنصارية والتي سرعان ما أنكشفت لللجنة!.