الرئيسية » مقالات » دلالات التناص المعرفي بين نصوص الشريعة وحقائق العلم

دلالات التناص المعرفي بين نصوص الشريعة وحقائق العلم

يمتاز كل علم بميزات تشترك مع علوم أخرى وتفترق، فيأخذ طابعا خاصا يشتهر به العلم، ولعل علوم القانون والفقه وعموم الشريعة، من العلوم التي تتصف موادها بالاختصار والاقتضاب قدر حاجة النص، مما يجعلها صعبة الفهم عند البعض، ولا يدرك مغزى ألفاظها إلا دارسها أو المتمرس في مهنة المحاماة او القضاء او الإفتاء، وهي من السهل الممتنع، فسهولتها أنها تدخل في حياة الانسان في كل مراحل حياته من قبل ولادته حتى بعد وفاته، وامتناعها لأنها عصية على فهم مرادها إلا لمن درسها او خبرها، ولذلك فكل إنسان بامكانه ان يتحدث في السياسة حتى وان لم يكن رجل سياسة، ولكن يستحيل ان يتحدث بالقانون والشريعة إلا من خبر مواد علومها وشروحاتها، وإلا عد من المتطفلين الذين يزيدون الأمور تعقيداً ولا يصلحون.

من هنا ليس من الغريب أن تكون مدة دراسة القانون في الجامعات أكثر من غيرها من العلوم، وليس من الغريب ان يشار الى رجل الدين بالبنان بعد ان يكون قد صرف وقتا طويلا من عمره في الدراسة والتدريس، وابيضت كريمته من السهر وهو صبور، يواصل ليله بنهاره، وإلا أصبح رجل الدين الذي لم يمض من عمر دراسته الفقهية الحوزوية سنوات دون أصابع اليد الواحدة عبئا على الشرع وطامة كبرى على الأمة التي يكثر فيها جهّالها ويحترمون، ويقل فيها علماؤها ويهانون، وهذا واقع حال أكثر من بلد عربي ومسلم، حيث انتشرت سلعة العمائم الجوفاء في سوق نخاسة العلم المبتور، فصارت المجتمعات نهبا لمراهقين حفظوا مسألة فقهية وأخرى أصولية وجهلوا ما دون ذلك وهو الكثير، فراحوا يبيعون على الناس حصرم ما حفظوا وتركوا الكرم وراءهم ظهريا، فضلوا وأضلوا، وبئست التجارة هذه.
في مجال القانون وأبحاثه والفقه وشروحاته، صدر حديثا للفقيه الدكتور محمد صادق محمد الكرباسي الجزء الرابع من سلسلة “الحسين والتشريع الإسلامي”، وهذا العنوان باب من أبواب الموسوعة الحسينية الستين في أكثر من ستمائة مجلد وقد صدر منها حتى يومنا هذا أربعون مجلدا، والكتاب نشره في العام 2008م المركز الحسيني للدراسات بلندن، في 490 صفحة من القطع الوزيري، مع ثلاثين فهرسا في موضوعات شتى.

فيما سبق
في الجزء الأول من سلسلة “الحسين والتشريع الإسلامي”، فصّل الدكتور الكرباسي القول في التشريعات ونشأتها منذ أبينا آدم (ع)، فبحث الشرائع السماوية والأرضية القديمة والحديثة، وتوقف طويلا عند الأنظمة القائمة اليوم من رأسمالية واشتراكية، وتوقف أطول عند النظام الإسلامي وتشريعه القائم على القرآن والسنة، وبيان معالم المدارس الفقهية التي انشطرت الى مدرسة رأي ومدرسة حديث، وما بينهما.
وفي الجزء الثاني تناول المذاهب الإسلامية القائمة اليوم (الإمامية، الحنفية، المالكية، الشافعية، الحنبلية، الزيدية، والإباضية) وناظر بين مدارسها الفقهية، وكيفية انتشار كل مذهب، وحط رحاله العلمي عند بوابة الفقيه وولاية الفقيه، ثم ينطلق بعدها لبحث الحواضر الفقهية بدءاً من مدرسة المدينة المنورة الفقهية في العصر الإسلامي الأول.
ويكمل في الجزء الثالث بيان حال مدرسة المدينة الفقهية في العصر الأموي والعباسي. ومن بوابة المدينة ينطلق المؤلف في بيان معالم المدرسة الفقهية في حواضر المسلمين: اليمن والبحرين الكبرى والكوفة والبصرة وكربلاء المقدسة وبغداد والكاظمية والنجف الأشرف والحلة وسامراء، ودمشق وحلب وطرابلس الشام والقدس وجبل عامل، والقاهرة وتونس والمغرب والأندلس والري وقم وإصفهان ومشهد ونيسابور وبلاد ما وراء ايران.

جزئيات لابد منها
ولما كان ديدن الفقيه الكرباسي العروج من الأصول الى الفروع ومن الكليات الى الجزئيات حتى وإن بدت بعضها لآخرين غير ذي بال، فإنه يترك بصماته عليها مؤسسا أو مؤصلا أو مؤرخا، حتى لا تضيع المعلومة في زحمة الكم المعرفي وإن صغرت. من هنا فانه بحث في الرتب والدرجات العلمية في المدارس والمجامع العلمية وبخاصة في الحوزات العلمية، ابتداءاً من مفردة الإمام حتى مفردة آية الله، وما بينهما الفقيه والعلاّمة والحجة والعالِم والفاضل.
ويقدم الكاتب وجهة نظره في هذه المسميات ويحدد معالمها، داعيا الى: “أن تدرس هذه الأمور بدقة وإمعان للتوصل الى صيغة يتفق عليها تكون هي التي يؤخذ بها، وتوصف الشخصيات العلمية باستحقاق”، لكنه في الوقت نفسه يؤكد: “أن الإبتعاد عن هذه التسميات هو أقرب للتقوى، وكلما ارتفعت شخصية الإنسان ترفع عن هذه الألقاب، فهذا نبينا محمد (ص) أفضل خلق الله لا يوصف بهذه الأوصاف وكفاه فخراً أن يصفه الله بأنه عبده ورسوله”، بيد أن الحقيقة كما يشير إليها الكاتب: “إن هذه الأوصاف لا تقدم ولا تؤخر والتشبث بها ليس من شيم العالم، والحمد لله أن العلماء منزهون من ذلك إلا أن بعض الأطراف يتقربون بهذه الأمور إليهم”!
ويتناول المؤلف في مبحث مستقل “زي العلماء”، الذي يختلف من بلد الى آخر، ومن مذهب الى آخر، ويشار الى أن أبا يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي المتوفى عام 182هـ هو أول من جعل مائزا بين لباس العلماء والعوام.
ويحرص الشيخ الكرباسي على مصطلح “العلماء” في بيان الرتبة والزي لتمييزهم عن عموم طلبة العلوم الدينية، حيث يرى أن زي العلماء أًصبح في هذه الأيام سلعة رائجة لكنها بائرة، حيث أخذ الزي من جبة وعمامة طريقه الى أبدان لم تفقه أمخاخها ألف باء الشريعة، فأوغلت في الشبهات وخلطت حراما بحلال، وراحت تزاحم العلماء في الفتيا تحت مسميات عدة ما أنزل الله بها من سلطان!

تبويب الفقه
اعتادت كل مدرسة فقهية على تبويب فقهها بناءاً على ما تفتق في ذهنية علم من أعلامها وجرى عليه الخلف، ومن الإمامية يعد إبن أبي عقيل الحسن بن علي الحذاء العماني المتوفى في أوائل القرن الرابع الهجري، كما يرى الكرباسي هو أول من: “هذب الفقه واستعمل النظر فيه وفتق البحث عن الأصول والفروع وذلك في ابتداء الغيبة الكبرى (329هـ)، وبذلك خرج الفقه عن حالته الأولى ولبس وشاحا جديداً”، وهو أول مجدد للفقه حسب تعبير المحقق الشيخ عباس القمي المتوفى عام 1359هـ، ويليه ثانية ابن جنيد محمد بن احمد البغدادي المتوفى عام 381هـ، وحسب تعبير المحقق محمد علي المدرس المتوفى عام 1373هـ فإن إبن جنيد هو أول من فتح باب الإجتهاد واستنبط الأحكام وعمل بأصول الفقه.
أما من حيث الرسالة العملية التي تعتبر كتاباً مفتوحاً للناس يرجعون اليها في معرفة تفاصيل الأحكام في العبادات والمعاملات، فان المحقق الكرباسي يرجح أن: “أول رسالة عملية برزت هي رسالة السبزواري – محمد باقر بن محمد مؤمن- المتوفى عام 1090هـ”، وعلى هذا المنوال جرى العلماء من بعده حتى اذا مات العالم جاء من يخلفه في تحشية رسالته العملية وتحريرها واضافة رؤاه الفقهية الى بعض المسائل، لكن الخلف لم يتجاوز بشكل عام السلف في ترتيب وتصنيف أبواب الفقه، وإن حذف بعضهم بابا هنا أو قدّم وأخّر بابا هناك.
ويعتقد الفقيه الكرباسي أن الرسائل العملية الحالية بحاجة الى أبواب جديدة وينقصها التطوير لمواكبة العصر، وهو في هذا الطريق وضع خمسة خيارات أمام الفقهاء للتعامل مع المسائل الفقهية التي تخص بالدرجة الأولى ذات الإنسان، كون التشريع موجه الى الانسان لجلب المنفعة اليه ودرء المفسدة عنه:
الخيار الأول: أن يبوب الفقه حسب مراحل نمو الإنسان وتدرجه في الحياة وحاجته حسب الأولوية، من قبيل الوقاية ثم الحمل ثم الولادة، وهكذا.
الخيار الثاني: أن يبوب الفقه حسب النمط العلمي، من قبيل علم الانسان وعلم الحقوق وعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع، وهكذا.
الخيار الثالث: أن يبوب الفقه حسب حاجات الإنسان الغرائزية من قبيل فقه الأطعمة والأشربة والجنس وهكذا.
الخيار الرابع: حصر أبواب الفقه في الأحكام الخمسة المحرمات والواجبات والمكروهات والمستحبات والمباحات.
الخيار الخامس: أن يبوب الفقه وفق تعاملات الإنسان وسلوكياته من قبيل تعامله مع الإنسان الآخر وتعامله مع البيئة وهكذا.
ولم يتوقف الفقيه الكرباسي عند التنظير فقد باشر منذ مدة في تأليف سلسلة “الشريعة” في نحو ألف عنوان يلبي حاجات الإنسان، يضم كل عنوان ما بين 75 الى 100 مسألة فقهية، صدر منها كتيبات عدة من مثل: “شريعة الإنتخابات”، “شريعة التوقيت”، “شريعة التكليف”، “شريعة الجنين”، و”شريعة الخدمة”.

المدارس الغربية
ولأن التداخل قائم بين التشريع الديني والقانون الوضعي، بغض النظر عن الموقف من هذا التداخل الذي يذمه كثيرون ويحسّنه قليلون، فإن المؤلف لم يغفل هذه المسألة كما عهدناه في الجزء الأول حينما تطرق الى الأنظمة السماوية والأنظمة الوضعية.
ولذلك أفرد في الجزء الرابع مبحثا تناول فيه المدارس الفقهية الوضعية، فتعرض الى المدرسة الإيطالية القديمة الحديثة، والمدرسة الفرنسية القديمة والحديثة، والمدرسة الهولندية، والمدرسة الألمانية.

بين الفقه والعلم
ما من تشريع سماوي أو أرضي إلا وتقف وراءه حكمة ظاهرة أو باطنة، وبعض التشريعات التي تعامل معها المسلمون عرفوا الحكمة من ورائها معرفة ظاهرة ولم يلمسوها علميا أو تجريبيا، لقصور أدوات العلم آنذاك، ولذلك تعاملوا معها تعاملا تعبديا، ولكن مع تطور العلم وزيادة أدوات الكشف أًصبح من السهل معرفة الحكمة من التشريعات، ولكن يبقى هناك الكثير لمعرفته وتسليط الأضواء المعرفية عليه، وهذا ما يدعو اليه المؤلف في كتاباته المختلفة، وهو ما قام عليه هذا الجزء من “الحسين والتشريع الإسلامي” حينما تناول النصوص الشرعية الواردة عن الإمام الحسين (ع) أو سلوكيته الشرعية وشارحا إياها على ضوء العلم الحديث، وكلما اقتربت المسألة من حقائق العلم أبانت عن حقيقة الدين الإسلامي الذي يتماثل مع العلم، لأنه دين العقل الذي لا يتخلف عن العلم ولا يتخلف العلم عنه، لأنه دين الوحي الإلهي.
وشغلت ثلاثة أرباع صفحات الكتاب لبحث نصوص متعلقة بالطهارة، وبول الرضيع، وآداب الاستحمام، والوضوء، والتقيؤ والقلس، وكفن الميت، وهي مسائل مبحوثة في الرسائل العملية في بضعة صفحات وفي الكتب الاستدلالية وبشكل أوسع في مجال المستنبطات بالأدلة الشرعية، لكن المؤلف هنا ناقش النصوص من منظور علوم الرجال ودراية الحديث والفقه والأصول، والتأكيد على مكتسبات العلم الحديث، وفي خاتمة كل مسألة فقهية يقدم المؤلف وجهة نظره الفقهية.
وحرص المؤلف على بيان آراء علماء الحديث والرجال والفقه لدى المذاهب الاسلامية الأخرى عند استعراض كل مسألة من جوانبها المختلفة، حيث يعتقد الشيخ الكرباسي أن الفقه لا بد أن يكون فقها مقارنا مع المذاهب الأخرى، لأن ذلك يوفر للفقيه من أي مذهب كان، أموراً كثيرة مفيدة للمجتمع المسلم وأهمها:
أولا: فهم المسائل بشكل أعمق مما يفتح للفقيه آفاقا جديدة.
ثانيا: التقارب بين المذاهب الاسلامية للوصول الى فكرة قد توحدنا في الكثير من المسائل وترفع بعض المهاترات والشائعات التي تخرج من هنا وهناك.
ثالثا: توحيد المعارف وتسهيل الوصول إليها لمعرفة الحقائق والحكم بمقتضى الاتباع.
رابعا: كسر الحواجز وعرض ما هو الأفضل.
ويشار هنا أن الشيخ الطوسي محمد بن حسن المتوفى عام 460هـ، هو أول من نهج هذا المنهج في كتابه “الخلاف في الأحكام” حيث رتبه على أبواب الفقه وذكر المسائل الخلافية بين المذاهب الاسلامية، وناقشها بروح علمية وبجوانبها المختلفة، ومن بعده صاحب رجال ابن داود الشيخ تقي الدين الحلي حسن بن علي المتوفى عام 740هـ في كتابه “خلاف المذاهب الخمسة في الفقه”، ومن المعاصرين الشيخ محمد جواد مغنية المتوفى عام 1400هـ، في كتابه “الفقه على المذاهب الخمسة”.

لأول مرة
في الواقع أن هذا الجزء من “الحسين والتشريع الاسلامي” والأجزاء اللاحقة، تجعلنا نقرأ الإمام الحسين (ع) قراءة ثانية، قراءة من زاوية أخرى تضاف الى زاوية المأساة والدماء الزاكيات التي سالت في كربلاء المقدسة، قراءة تظهر العلوم التي تركها سيد الشهداء لبني البشر، وهذا ما حمل أحد شيوخ وعلماء السلفية في باكستان وهو شيخ الحديث في لاهور المفتي عبد الرحيم رشيد عند قراءته للكتاب الى القول: “إن كتاب الحسين والتشريع الاسلامي من أشرف الكتب حيث يهتم بعلم الشريعة والفقه، وقد زاد في شرافته أنه لأول مرة يتحدث عن الفقه الذي تداوله الإمام أبي عبد لله الحسين (ع) سبط الرسول (ص) وريحانته وسيد شباب أهل الجنة ابن علي أمير المؤمنين (ع) صهر الرسول (ص) وفاطمة الزهراء بضعة النبي محمد (ص) سليل النبوة وقائد الأمة أمير المؤمنين الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) الذي بعد لم تجف دموع شيعته ومواليه حيث عشنا أيام استشهاده وذكرى جهاده على الظلم والظالمين”.
ووجد المفتى عبد الرحيم رشيد الذي خط قراءته باللغة السرياكية أو السرائيكية، أن الموسوعة الحسينية: “عمل رائع حضاري، فريد من نوعه كانت الأمة بل الأمم بحاجة الى مثله حيث أن الإمام العظيم الذي أفدى بكل غالٍ لأجل الأمة عليها أن تعرف مسارب ومداخل سيرته وحياته وأفكاره وأهدافه وملابسات نهضته المباركة والتطورات التي أعقبت هذه النهضة المباركة”.
وحول التعاطي مع النصوص الفقهية التي وردت في هذا الجزء وجد المفتي أن الفقيه الكرباسي قد: “سبر مسألة مسألة مستندا الى الأدلة الشرعية حول كل واحدة منها وبيّن آراء المدارس الفقهية المتداولة من قبل المذاهب الاسلامية والمنتشرة في العالم الى يومنا هذا، والأهم في ذلك أنه دخل في مناقشة علمية عميقة مؤيدا لدليل ناقضا لآخر حتى أوصلنا الى ساحل الحقيقة والمعرفة، بل إنه أشفع كلامه في النهاية بالعلل والحكم سواء في ذلك ما يمكن فهمه من الآيات والأحاديث أو ما يمكن الركون إليه من العلم الحديث بعد الاكتشافات الحديثة”.
ولم يبتعد المفتي عن الواقع، فما في الكتاب من موضوعات علمية حديثة بحثها المؤلف بأسلوب شيق ولغة مفهومة، حري بالمحافل الفقهية قراءتها عند دراسة النص الفقهي، لأنها تغني الفقه والفقيه، وتقدم للأمة ثقافة فقهية بروح عصرية مستندة الى حقائق العلم.

*إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات- لندن
alrayalakhar@hotmail.co.uk