الرئيسية » مقالات » دكتاتورية البعث ودرس اسبارطة!

دكتاتورية البعث ودرس اسبارطة!

قراءة التاريخ لدى السا سة والزعماء والمفكرين وحتى الناس العاديين،عملية ذاتأبعاد وأهداف مختلفة.فهناك من يسعى من وراء قراءة التاريخ إلى معرفة الأحداث الغابرة وحب الاضطلاع،وبعضهم من منطلق أكاديمي-فلسفي سعيا لربط الأحداث والوقائع الهامة في مسيرة الأمم والشعوب وتحليلها،وصولا إلى معرفة الحاضر ووضع تصورات أو خطط مستقبلية.وبعضهم يقرأ التاريخ من منظور وعقلية امبراطورية صرفة،لتطبيق تجارب وأساليب الامبراطوريات البائدة في ظروف جديدة بعد تكييفها و ادخال تعديلات طفيفة عليها.وآخرون من زاوية عنصرية وشوفينية لتعظيم وتمجيد تاريخ قبائلهم أو شعوبهم والحط من ماضي وتاريخ الشعوب الأخرى،تزويره وتشويهه قدر الامكان. وهناك فئة أخرى تحدوها مقاصد اخلاقية لمعرفة سواء تلك الفضائل والأعمال الحميدة أو الشريرة التي أرتكبها الأقدمون لإستخلاص العبر والدروس المناسبة.
كان هتلر يقرأ التاريخ من زاوية امبراطورية توسعية وعلى حساب الشعوب الأخرى ويعتبر نفسه وريثا لأمجاد الامبراطورية الألمانية الغابرة وصدام العوجة عندما كان يركب الحصان الأبيض حاملا السيف يتذكر غزوات القبائل والعشائر العربية للبلدان الأخرى واحتلالها تحت يافطة الدين ولم يكن يخفي اعجابه بملوك بابل وأشور.وزعماء البعث السوري يمارسون نفس نهج أسلافهم الأمويين وتوسعهم حتى اسبانيا.وهكذا كان الأمر بالنسبة لنابليون وستالين وخميني وغيرهم.
يقول الفيلوسوف اليوناني فيثاغور:يوجد بشر،ألهة وكائنات مثل فيثاغور.من يتمعن في هذا القول سوف يستنتج أن فيثاغور لم يصنف نفسه مع البشر،بل أخذ مرتبة بعد الآلهة أي يمكن القول نصف ألهة.ربما جاء قوله هذا من قبيل النرجسية،جنون العظمة أو أي دافع آخر،قد يكون ليس في مقدورنا الحكم عليه بشكل موضوعي وبمقاييس عالم اليوم.ولكن في الوقت نفسه يجب الاعتراف أن فيثاغور قدم انجازات وخدمات للحضارة البشرية لاسيما في مجال الفلسفة والرياضيات يستحيل انكارها،مما حدا بالفيلسوف الانكليزي برتراند روسل أن يقول عنه:ان المقولة الشهيرة التي تؤكد أن فكرة تصورشامل عن عالم أبدي،يخاطب العقل وليس العاطفة، صدرت عن فيثاغور.فبدونه لما تمكن رجال اللاهوت من البحث عن براهين منطقية على وجود الله والخلود.
نتوخى من وراء هذه المقدمة القصيرة تبيان كيف أن بعض الأنظمة السياسية المعاصرة تقرأ التاريخ من منطلق يخدم بقاؤها وتخليد سيطرتها وادامة عنفها للتحكم بالناس الآخرين،الغاؤهم أو كتم أفواههم.سيما نعلم جيدا أن مفكري وممثلي تلك الأنظمة يبحثون في زوايا التاريخ المظلمة لإستنباط أساليب أكثر بطشا وفتكا ودموية،مع الأخذ بالحسبان أن غالبية أقطاب تلك الأنظمة الشمولية بألوانها الحمراء والخضراء والرمادية وغيرها يعتبرون انفسهم من طينة أخرى،ليس طينة البشر وهم مصابون بشتى الأمراض النفسية مثل بارانويا،جنون العظمة،هوس السلطة،وإلخ.وحكام البعث بشقيه العراقي والسوري أمثلة بليغة على ذلك.
لعل الكثيرون منا يتذكر من المناهج المدرسية والجامعية أن اسبارطة هي رمز الانضباط،الطاعة الحديدية والتدريب العسكري بلا نهاية.فشعارهم الأساسي كان:الفرد لاشيء والشعب هو كل شيء.ولكن ربما الغالبية لا تعرف أن اسبارطة قبل أن تتحول إلى اسبارطانية التي ترسخت في أذهاننا كانت قبلة الفنانين،الرياضيين،الشعراء،عشاق الموسيقى وليالي السهر والطرب.ولكن المرحلة الثانية من تاريخ اسبارطة وتحولها إلى دكتاتورية عسكرية،قاسية ذات نزعات عدوانية وتوسعية هي موضوع مقالتنا هذه. عرف سكان اسبارطة بولعهم وشغفهم بالترف والبذخ،تنظيم حفلات وسهرات،كانت تدوم ليالي وأيام طويلة،تمتع المشاركون فيها بكل ما لذ وطاب ولعبت النساء الجميلات دورا حاسما في ذلك.وغني عن البين أن االارستقراطية الحاكمة بالرغم من امتيازاتها العديدة ومنافعها الشخصية استغلت السلطة وأساءت استخدامها،مما أدى إلى سوء الإدارة والاقتصاد،حيث ترك أثارا سلبية على المستوى المعيشي للمواطنين.وعلى هذا النحو وجد سكان اسبارطة أنفسهم في يوم ما وجها لوجه أمام عنابر فارغة من الحبوب،جيوب فارغة من النقود، بعد أن تراجعت المداخيل و الموارد.وبما الاسبارطانيين تعودوا على نمط معين من المعيشة وحياة التقشف والكفاف كانت غريبة بالنسبة لهم،لذا توجهوا بانظارهم نحو بلاد الميسينيين [ Messenia] المجاورة،الغنية وذات الأراضي الخصبة والموقع الجيوستراتيجي الهام،بهدف تمويل حياة الرخاء والبحبوخة كالسابق.وعندما تم احتلال ميسينيا في سنة 731 ق.م والسيطرة عليها بعد مقاومة ضارية من السكان المحليين تغيرت حياة سكان اسبارطة بشكل جذري بعد تطبيق الإجراءات التالية:
1- توزيع أراضي الميسنيين بين الاسبارطانيين مقابل الطاعة والولاء المطلق للسلطة الحاكمة
2- اتخاذ دستور جديد ينص على تساوي الجميع في الحقوق والواجبات
3- تشكيل 5 أقسام من جهاز الإيفور،أي الاستخبارات،للتجسس على المواطنين ومراقبتهم بشكل دائم،اعتقال اصحاب الرأي الأخر،تعذيبهم أوقتلهم
4- تسخير النظام السياسي ووضعه حصرا في خدمة السلطة التنفيذية
5- قتل الأطفال المعوقين،عسكرة كافة مناحي الحياة
6- التدريب العسكري القاسي منذ سنوات الطفولة.
7- الزام كافة المواطنين لحضور المأدب الجماعية
8- الغاء دور الفرد كليا وتحويله إلى مجرد أداة لخدمة الجماعة.
9- تشكيل وحدات جديدة في الجيش تحت اسم الكتائب
10- اتباع سياسة خارجية توسعية-عدوانية،لاسيما في بلاد الميسينيين،التي أدت بدورها إلى نشر الرعب والخوف في اسبارطة نفسها.
بعد تطبيق التدابير الواردة أعلاها وبمنتهى العنف السلطوي،تحولت اسبارطة إلى ديكتاتورية عسكرية شاملة،ارهابية ومجتمع منغلق على نفسه،معزول تقريبا عن العالم الخارجي.لاشك ان النازيين الألمان والفاشيين الطليان استخدموا تجربة اسبارطة على نطاق واسع،ثم قلدهم في ذلك البعث العراقي والسوري لدى إقامة جمهوريتين للرعب في سوريا والعراق.فحكام البعث الشوفينيين والارهابيين في سوريا والعراق مارسوا نفس نهج حكام اسبارطة في كردستان الغنية بالثروات والموارد الطبيعية:الاستيلاء على الأراضي الكردية الخصبة،بعد مصادرتها من أصحابها الكرد بالقوة وتوزيعها على أزلامهم وانصارهم في غرب وجنوب كردستان،مقابل شراء الذمم والولاءات،والمستعمرات البعثية-العربية في غربي كردستان واقتطاع كركوك ومناطق واسعة من جنوب كردستان خير دليل على ما نقول. قد لانكشف سرا إذا قلنا أن كافة موارد المجتمع في العراق سابقا وسوريا حاليا هي في خدمة الطغمة الحاكمة وأجهزتها القمعية،بينما تعاني الجماهير العريضة لاسيما في سوريا اليوم من الفقر والحاجة وتكافح من أجل رغيف الخبز وبصورة خاصة في غربي كردستان. وقول صدام العوجة أن العراقيين كانوا حفاة،عراة وجائعين قبل مجيء البعث للسلطة[ بالرغم من ثروات وخيرات العراق الهائلة!!!] وان نظامه هو الذي حولهم إلى بشر! ليس سوى صدى لممارسات حكام اسبارطة حينذاك. لم يكتف البعثيون في البلدين بتلك المذابح الجماعية بحق الشعب الكردي سواء في سوريا أوالعراق والأطياف الأخرى من هذين المجتمعين ونهب ممتلكات الخاص والعام،بل توجهوا بانظارهم إلى لبنان والكويت،حيث استعمر البعث السوري لبنان على مدى ثلاثون عاما،نهب خلالها البلد واستباح ارضه وثرواته بصورة تامة ووظفها في سبيل تقوية آلة القمع والارهاب في لبنان أو سوريا على السواء.فبعد حرب مدمرة ومغامرة عسكرية قام بها نظام صدام ضد الأوتوقراطية الدينية المتخلفة في إيران في سنوات 1980-1988 وافلاس نظامه الدكتاتوري الذي أدى إلى استزاف خزينة الدولة وتراكم الديون الخارجية،تحول هو الأخر إلى البحث في الخارج عن مصدر تمويل نظامه الدموي الفاسد فوجد ضالته المنشودة في احتلال الكويت والسيطرة على منابع النفط وتدمير المجتمع الكويتي،على نفس طريقة حكام اسبارطة اثناء احتلالهم لبلاد الميسينيين. فكاتب هذه الأسطر التقى شخصيا مع عدة جنود سابقين من الجيش العراقي الذين خدموا في الكويت أو سجلت أسماء وحداتهم وقطعاتهم على لائحة “الذاهبين!!” إلى الكويت لنهب وسرقة كل شيء بدأ من الأبواب والشبابيك وحتى أجهزة المخابر الباهظة وتجهيزات المشافي،حيث قام جنود ورجالات البعث السوري بنفس الأعمال القذرة في لبنان وغرب كردستان.أوردت الكاتبة الأمريكية من أصل ألماني حنا أرندت تحليلا صائبا جدا عن ظاهرة التوتاليتارية في دراستها الشهيرة: عناصر وأصول الهيمنة التوتاليتارية،حيث تقول: تخلق التوتاليتارية سواء النازية أو الستالينية،اجماع زائف،فهي تسعى إلى تطبيق فكرة ما،فضلا عن واقع وهمي بواسطة العنف.فالستالينية سقطت بعد أربعة وسبعون عاما من محاولتها تطبيق مفهومها للإٌشتراكية ومجتمع المساواة بواسطة العنف،والنازية الألمانية فشلت في إقامة مجتمع العرق الآري النقي،حيث السيادة فيه للجنس الألماني و زالت من الوجود بعد اثنا عشرة عاما من الهيمنة والإرهاب وإشعال الحرب العالمية الثانية وإبادة شعوب بأكملها. والبعث العراقي بذل المستحيل وعلى مدى خمسة وثلاثون عاما من سيطرته على مقاليد المجتمع وسلسلة من الحروب العدوانية وإبادة مئات الألوف من الكرد والشيعة والسنة والكويتيين وأطياف أخرى من الشعب العراقي،مستخدما في ذلك أقسى درجات العنف والقسوة اللامتناهية في تحقيق الوحدة العربية وتطبيق شعاره الكبير: وحدة،حرية ،اشتراكية،رحل غير مأسوف عليه وهذا الشيء ينسحب على النظام السوري الديكتاتوري أيضا،الذي فشل على كافة المستويات وسقط في امتحان تحويل سورية إلى دولة عربية صرفة، فما زال هنا ثلاثة ملايين كردستاني يرفضون مغادرة أرض الآباء والأجداد ويضحون من أجل حريتهم وحرية كافة السوريين.ان أي نظام شمولي-توتاليتاري،بصرف النظر عن جنسيته وجغرافيته السياسية وبحكم الديناميكية الداخلية والقوانين التي تتحكم في تطوره يتصف بالنهج العدواني- التوسعي في السياسة الخارجية والارهاب والقمع العاري داخليا.لأن الهدف من ذلك تدجين وارضاخ المجتمع لإرادة السلطة الحاكمة وجعله رهينة لديها و أداة لتحقيق أهدافها ومآربها،الغاء دور الشعب في تقرير مصيره بنفسه وتسلط حفنة من المغامرين والأشرار الجهلة على مقدراته.بيد أن هذه الأنظمة شأنها في ذلك شأن كافة الحكومات التوتاليتارية تجتاز مراحل البناء،الصعود ومن ثم السقوط المريع واسبارطة العتيدة والشهيرة في التاريخ،نظام نيرون في روما، اليعاقبة في فرنسا،فرانكو في اسبانيا ،ليست سوى نماذج على سبيل المثال وليس الحصر.وإذا اعتقد أقطاب النظام الشمولي-القمعي في دمشق انهم يشكلون حالة استثنائية،فهم يجانبون الصواب،فحكم التاريخ وقوانينه الموضوعية صارمة و عادلة،عكس قوانينهم البعثية العنصرية، تسري على الجميع فالزلزال المدوي آت ونهايتهم المأساوية حتمية دون أدنى شك.إذا فالدرس البليغ من تجربة اسبارطة هو: العدوان في الخارج يؤدي إلى سيادة الخوف والرعب في الداخل،لقد اقتنعنا بالدليل الملموس أن البعث في العراق سابقا وسورية حاضرا أتقن ذلك الدرس بإمتياز.

*د.آلان قادر حقوقي وكاتب كردستاني
أيار-2008