الرئيسية » الآداب » الجواهري عن العمال وعيدهم العالمي

الجواهري عن العمال وعيدهم العالمي

يوجز الجواهري انحيازه المطلق لصناع الحياة من العمال والكادحين، ودورهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وذلك في قصيدتين مهمتين نظمهما بمناسبة الأول من آيار (مايو) عيد العمال العالمي… وفي التالي مقتطفات من القصيدتين تعبر عن بعض رؤى الشاعر الكبير، ومفاهيمه حول دور ومكانة الطبقة العاملة العراقية – وكما العالمية – ونضالها التحرري والاقتصادي، وفي عملية البناء والاعمار والتقدم الاجتماعي والوطني…



عيد أول آيار – نظمت عام 1959

حيَّيتُ “أيَّاراً” بعطر شذاتي ، وخَصَصْـتُه بالمحض من نَفَحاتي
وسقيتهُ نبعَ القصيد ِ مضرَّجاً ، كدماءِ أحرار ٍ به عَطِرات ِ
وشددتُ أوتاري وقلتُ أظنها ستَشُدُّ أيَّاراً على نغماتي
حيَّيتُ شهراً فكرهُ من فكرتي فيما يخط، وذاتُه من ذاتي
حيَّيتُه وكأنني بهِباته أُزجي التحايا الغرَّ لا بهباتي
من ليل “أيَّار ٍ” نسيمُ عواطفي ، ومن النَّهار وقَدْحه ِ جَمَراتي
وبوحي كدح ِ الكادحينَ رسالتي ، وعلى يديهِ تنزَّلَتْ آياتي
مارستُ حُلْوَ الحادثات ِ ومُرَّها ونعِمتُ بالآلام ِ واللَّذات ِ
ودرجتُ في دَرْبِ الحياة تجرُّني أنَّى تشاءُ ، طليقةً ، خطواتي
فوحقِّ “أيَّار ٍ” وعمَّال ٍ به … راياتُهم في عيدهم راياتي
* * *
يا أيُّها العُمَّالُ سُمرُ زنودهم صَفَحاتُ تأريخ ٍ ، وسِفرُ حياة ِ
يا أيُّها الواعون أرهَفَ حِسَّهم صَخَبُ الحديد ، وضجَّةُ الآلات ِ
أنتم رؤى الماضي ، وأنتم حاضرُ يُجلى ، وأنتم رمزُ جيل ٍ آتي
وعلى كواهلكم مصايرُ أُمَّة ٍ ، تَغنى بكم عن ناهبين غزاة ِ
* * *

يا أيُّها العُمَّالُ بثَّ مُزامل ٍ ، لكمُ يكافح دهرّه بأناة ِ
منكم .. رفاقي في الكفاح رفاقُكم وعُداتُكُم ، وسطَ الكفاح ، عُداتي
أنا عاملٌ بالفكر أُعمِل مِعولي في صخرةٍ فأُحيلُها لفُتات ِ
في الكفِّ مِطرقتي أفُلُّ بحدّها أصلابَ أوغاد ٍ ، وهامَ طغاة ِ
ستونَ عاماً خضتها كمَخاضكم ، لججَ الحياة عنيفةَ الغـَـمَرات ِ
أجتازُ منها لجة ، وتلفني أخرى ، وتفسد لفها عزماتي
بيدي أشدُّ ، فإن هوتْ، فبساعدي فإذا التوى ، فبماضغي ولَهاتي
* * *
يا عيدَ “أيَّار ٍ” وكم من كُربة ٍ مرَّت بأيَّار وكم مأساة
علَمٌ يرِفُّ عليك صاغت لونَه حُمْرُ المجازر ِ من دم ٍ أشتات ِ
من فتية ٍ كَسَنا الفداء ، وصبية ٍ كدم الشهيد ، صوامت ٍ خفرات ِ
فاشمخ برفرفة الخفوق ِ ، فإِنَّه لا بدَّ خفَّاقٌ لستِّ جهات ِ
* * *
يا أيُّها العُمَّالُ صفحَ تسامح ٍ عمَّا تجيشُ ببثّه خطَراتي
أنا لا إثيرُ ظُنونَكم ، لكنْ فتىً حرٌّ يحبُّ حرائرَ الصَّرخات ِ
ما انفَكَّ تِنِّينُ التحكّمِ قائماً ، وتقاسمُ الأرباح في الشركات ِ
ما زالت الشمُّ النَّواطحُ تُبتنى من تلكمُ السَّرِقات والرَّشوات ِ
لِمْ يُؤخَذُ المالُ المقطَّعُ منكمُ سُحتاً ، ولم تُقطَعْ أكفُّ جناة ِ
وتكدَّسَ الفقرُ الخبيثُ فطالـَـه ، وطغى عليه تكدُّسُ الثَّرْوات ِ
يا أيُّها العُمَّالُ إِنَّ ذواتِكم للشعب ، لا لمكرِّشين ذَوات ِ
أنتم جنودُ الكون ، طوعُ أكفِّكمُ خيرُ الحصون ِ وأمنعُ الثكنات ِ
يا أيُّها العُمَّالُ لُموا شملَكمْ وتوزَّعوا فرقاً على الوَحَدات ِ
مذُوا بـ “أيَّار ٍ” وجمر كفاحكم “تَمّوزَ” فهو مسَعِّرُ الجَمَرات ِ
وتَنَظَّروا بطلاً وسيعاً حلْمُه ، يسطيعُ مَحْوَ تَظنّني وشَكاتي


في عيد العمال – نظمت عام 1960

بكُمْ نبتدي … وإليكم نعودُ ومن سَيْب أفضالكم نستزيدُ
ومن فيض أيديكمُ ما نَقيت وما نستجدّ .. وما نستعيدُ
بكمْ تُبتنى شرفاتُ الحياة وينشقُ للفجر منها عمودُ
ومما تكدّون تنمو الزروعُ وتَغذى الجموع .. وتُكسى الجنودُ
ولولاكمُ لم يقُمْ معهدٌ ولا اخضرّ نبتٌ ، ولا رفّ عودُ
ومن جهدكم دائباً مضنياً توفّر للخير منا جهودُ
وللشرّ .. حيث الدَّمارُ الفظيع يباد به شيخُكم والوليدُ
بأيديكم إذ يُشدّ الرُّصاصُ نموت .. وحين تُصبّ القيودُ
فنحن إذا شئتمُ والفناء … ونحن إذا شئتمُ والوجودُ
إذن أنتم الدهرَ من حقّكم إذا حان يومُكُمُ أن تسودوا
* * *
أصارحُكمْ أيها العاملونَ وحملُ الصراحةِ حمل يؤودُ
لأنكدُ ما عاق سيرَ الشعوب جهود يُعفّي عليها جحودُ
* * *

صحابي .. وأنتم لنعم الصِّحاب ِ إذا نُكثت من صَحِيبٍ عهودُ
أرى الغيبَ كالشمس رأدَ الضحى ، وكالنَّار تعشو إليها الوفودُ
أرى غدَكم ، زاحفاً ، فوقه ترِف مروجٌ .. وتُزهَى ورودُ
فمِيلوا له .. إنه منكُمُ قريب .. وما فجرُ ليل بعيدُ
مَطارقُكمْ هنّ جَرِس الزمان يدُقُّ .. فيسمعُ حتى الحديدُ

مع تحيات مركز الجواهري في براغ
www.jawahiri.com