الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور (الاستشراقي)الحلقة الخامسة و العشرون

المجتمع الكردي في المنظور (الاستشراقي)الحلقة الخامسة و العشرون

  يسر صفحة دراسات كوردية ان تقوم بنشر كتاب الدكتور بدرخان السندي
 ( المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي) وذلك عبر حلقات متسلسلة.

يضعنا الميجر سون امام انطباع عن الزعامات الكردية فقد رأى ان سمة التماسك بين زعماء القبيلة الكردية نادرة ولكنه يستثني من ذلك قبيلة الجاف فهي على حد قوله عرفت باتفاق زعائمها وتماسكهم ونعتقد ان هذا الذي قاله سون هو الذي ابقى قبيلة الجاف إلى يومنا هذا من اوسع القبائل الكردية.
 بالرغم مما يشطرها من حدود (ايران والعراق) لكنها بقيت محافظة على ثقلها ووجودها وعندما تكون اعلى الزعامات في هذه القبيلة في العراق فانها لا تفقد سلطتها على النصف الموجود في ايران من هذه القبيلة والعكس صحيح ايضاً وقد حصل هذا بشكل فعلي في تاريخ هذه القبيلة اذ انتقلت الزعامة اكثر من مرة بين العراق وايران وبقي الولاء العام مستمراً وهو من وجهة نظرنا يعود إلى قوة ولاءات الزعامات المتفرعة في هذه القبيلة في المنطقتين الجغرافيتين فضلاً عن رسوخ التقاليد القبلية في حين نجد ان النخر اصاب امارة بابان باسرها فدالت دولتهم بسبب عدم تماسك زعماء اسرة بابان نفسها وكثرة التنافس والاستعداد لتقبل المؤامرات الخارجية على زحزحة الاسرة هذا مما ادى في الاخير إلى تقويض هذه الامارة التي كان يمكن ان تتطور فتصبح نواة لكيان قومي اوسع وارسخ.
لقد اتبعت قبيلة الجاف سياسة الاحتفاظ والتواصل مع فروع القبيلة هذا ما يمكن ان نستشفه من ملاحظة كان سون قد دونها في مذكراته فقد لاحظ ان للجاف اجتماعهم السنوي الصيفي اذ يحضر زعماء الجاف ويقام حفل كبير لهم وقبائلهم كل سنة.
وهنا لا بد ايضاً من الاشارة إلى ملاحظة اخرى وردت في مذكرات سون، هي من وجهة نظرنا ساعدت على دعم الزعامة في قبيلة الجاف اذ يذكر ان زعماء الجاف بنوا الخانات والاسواق وقامت بينهم وبين تجار السليمانية صلات واصبحت السليمانية سوقاً لمنتوجات هذه القبيلة من جلود وصوف وتبوغ وزبدة (141).
نرى ان هذا النمو الاقتصادي في قبيلة الجاف والذي امسك بخيوطه زعماء الجاف انفسهم دعم من مكانتهم اذ لا شك ان للجانب المادي دوره في ترسيخ دعائم الزعامة (القبلية غير السياسية) وقد كانت العلاقات بين زعماء الجاف وباشا السليمانية قائمة على الثقة والوفاء وجعلته يستمد جزءاً واضحاً من قوته من هذه القبيلة فضلاً عن العوامل الاخرى التي ذكرناها أي التماسك الداخلي بين زعماء الجاف جعلت هذه القبيلة نموذجاً للقبيلة القومية في كردستان.
اما ادموندز فيضعنا امام صورة قلمية لرئيس العشيرة الكردية او (الاغا) كما يسميه الكرد ان من المتطلبات المظهرية او الشكلية للاغا اقتناء الجياد الثمينة وحيازة بندقية ومسدس وكثير من العتاد وثياب انيقة فضلاً عن نفيس الطعام وكل هذا ما يتطلب مالاً.
والمال هو مشكلة الاغا فهو سر ديمومة مركزه وقد تأتيه الاموال من الاتاوات التي يفرضها او قد يكون مالكاً او وارثاً لمساحات من الارض ليشتغل فيها الفلاحون ويتحكم هو بالأجر والحصص وقد تسانده الدولة في تمليكه الاراضي والاطيان الزراعية فيدين لها بالولاء… المهم ان ما من (اغا) حقيقي دون مال.
ويشبه ادموندز (الاغا) الكردي (بالبارون الاقطاعي) الاوربي الذي لا عمل له وانما يعيش على الاتاوات والهدايا وهي تختلف باختلاف مجتمعات البلاد الكردية.
ويعتقد ادموندز ان النظام القبلي اخذ بالانهيار في كردستان * مع ازدياد السيطرة الحكومية المباشرة وطبيعي ان ادموندز لا يعني (انقراض) النظام القبلي فحتى عند انقراض كيان قبيلة ما وهذا الكيان يتمثل بوجود رئيس للقبيلة ورعية وسلاح فاننا نجد ان المشاعر القبلية الانتمائية ماثلة لدى الكثير من المتحضرين او ابناء المدن وان العصبية (لأسم) القبيلة او العشيرة واضح في اناس تمدنوا تماماً لا بل هم ابناء متمدنون. وتجد علائم الزهو ترتسم على وجوههم عندما يذكرون اسم العشيرة التي ينتمون اليها عند سرد الاسم واسم الاب واللقب غالباً يكون اسم العشيرة التي انحدر منها فلان من الناس او اجداده.
ان الولاء من خلال هذا المثال الذي ذكرناه اكثر من مرة في هذا الكتاب للاغا كان واجباً على الفرد في القبيلة لا بل كان يمكن للفرد ان يعبر عن وجوده الآمن خلال انتمائه لقبيلته واول اسس الانتماء القبلي الولاء المطلق للزعيم او لرئيس القبيلة (الاغا) ان هذا الولاء يمكن ان نستشفه من بعض مشاهدات ادموندز او مذكراته.
ان من الامثلة التي ترد في هذا المجال ان احد الاغوات عاقب رجلين من قبيلته فقطع يد الاول وسَملَ عين الثاني، وعندما سمع قائممقام المنطقة وهو ممثل الحكومة هذا الخبر استدعى هذين الشخصين ليحقق بما جرى، ولكن هذين الرجلين انكرا تماماً عند القائممقام ان يكون للاغا دخل بما حدث ولم يعترفا امامه.
ان الولاء بهذا الشكل وبهذه الدرجة في نظرنا مسألة تقترب من العبودية ولكن على ما يبدو كان لهذا الولاء مبرراته اذ ذكرنا انه شرط من شروط التعبير عن الوجود ضمن القبيلة حتى اذا كان رئيس القبيلة معتدياً وهذه مسألة عرفت في عالم الاقطاع (قتلى يدافعون عن قاتلهم).
يرى ادموندز ان لقب (اغا) تركي في اصله وهو اللقب الذي ذكرنا انه يدل على رئيس العشيرة عند الكرد وهو يلحق بالاسم كلقب (بك) الذي هو تركي بدوره ويلقب به كل من كان ابوه او جده باشا عثمانياً ولا يقتصر الامر على هؤلاء بل يتعداه إلى افراد الاسرة القبلية الحاكمة الكثيرين.
ان ادموندز يستدل على عدم كردية لقب (الاغا) انه لم يجد له أي ذكر في كتاب (الشرفنامه) فاللقب الشائع فيها هو (بك) اما لقب (خان) الايراني فيعتقد ادموندز انه انتشر في كردستان بعد فتح السلطان مراد الرابع بغداد عام 1673(203).
الحقيقة لدينا بعض التحفظات على اراء ادموندز حول هذه المصطلحات فاذا اخذنا بصحتها لا بد ان نسأل ماذا كان يسمي الكرد رؤساء قبائلهم او عشائرهم قبل وصول الترك إلى المنطقة وتاريخياً معروف ان الكرد اسبق من الترك في المنطقة واقدم منهم وجوداً فهل اندثرت المفردات الخاصة بهذا المجال وحلت محلها مفردات تركية وايرانية كما يسميها ادموندز. ان ادموندز لا يتطرق إلى هذا الموضوع ولم يسأل نفسه هذا السؤال هذا من جهة ومن جهة اخرى للكرد حق السؤال وبكل مشروعية من قال ان هذه الالقاب كلها غير كردية ولماذا هي موزعة بين الترك والايرانيين. هناك وشائج لغوية بين الفرس والكرد على الرغم من استقلالية اللغة الكردية عن الفارسية ولكن هناك العديد من المفردات المشتركة بين الكردية وليس الفارسية حسب بل حتىالهندية والافغانية والبلوجية فلماذا كلمة خان مثلاً من حصة الايرانيين وحدهم وليس من حصة الكرد ايضاً على الرغم من اننا لا نريد هنا ان نناقش ادموندز على كلمة (ايرانيين) وكيف يفهمها وحتى كلمة اغا المستشرية في اللغة الفارسية والمتداولة في اللغة الكردية من قال انها بالضرورة تركية، هل هناك دراسة تتبعية تاريخية – لغوية تتدل على ان كلمة اغا هي حكر على الترك دون غيرهم ولماذا لا يكون الترك قد اخذوها (قرضة حسنة) من الشعب الكردي الاقدم وجوداً والمتاخم للترك ان لم نقل المستقطعة اراضيه من قبل الترك الزاحفين إلى المنطقة؟ لقد قام ادموندز بذكر الضرائب والاتاوات التي على الرعية ان تدفعها للاغا وسنذكر ذلك لاحقاً.
اما هاملتون فقد ذكر اهمية (الاغا) بالنسبة لهم أي البريطانيين الذين دخلوا كردستان اذ يذكر ان الضباط السياسيين في العراق ادركوا اهمية الاتصال الشخصي برجال القبائل وزعمائهم فراحوا يقضون الجزء الاكبر من اوقاتهم في جولات خارجية لا يبالون بالاخطار التي تحف بهم وليس في رفقتهم الا عدد يسير من الحرس وكلهم من الجنود المتطوعين المحليين. والكرد كما يذكر هاملتون هنا يعجبون بمثل هؤلاء الاشخاص لشجاعتهم وعدم ترددهم في التجوال في هذه المناطق غير الآمنة (74).
ان انحياز القبلي إلى رئيس القبيلة وتفضيله على الدولة في حسم مشاكله لفت انتباه ماليبارد ايضاً فقد سجل ملاحظاته عن شدة تعلق القبلي الكردي برئيس القبيلة (86).
لقد تحدث شميدت عن الدور القتالي او العسكري لرئيس القبيلة الكردية فهو بامكانه جمع رجال قبيلته وتسليحهم وزجهم في الحرب التي يريدها سواء ضد الدولة ام ضد عشيرة ام اخرى ام مع الدولة ضد الآخرين فالقبيلة كما يراها شميدت قوة قتالية طبيعية تتناسب بتدريباتها ومعداتها مع المنطقة الجبلية (92).