الرئيسية » مقالات » المشكلة السياسية

المشكلة السياسية

تحديد المشكلة السياسية من شأنه أن يساهم في وضع الحل لها.

ومن هنا فإن منهجية البحث تفرض علينا الوقوف عند هذه النقطة بالذات.

ما هي المشكلة السياسية؟
ليست المشكلة السياسية ذات طبيعة أخرى غير طبيعة المشكلة الاجتماعية إنما هي وجه من وجوهها، وحلقة من حلقاتها. فإذا كانت المشكلة الاجتماعية هي مشكلة (علاقة الإنسان بالإنسان) فإن المشكلة السياسية هي ما يتعلق بجانب الحكم والسلطة من هذه العلاقة.

لقد واجه الإنسان مشكلة في علاقته بأخيه الإنسان؛ لقد وجد أن حقوقه مهددة بالخطر! لا من قبل الطبيعة، بل من قبل الإنسان نفسه فهناك تعارض مصالح، وتزاحم مصالح؛ وهناك آمال ورغبات يحملها هذا الإنسان لا توفرها الطبيعة له، من هنا سينشأ التسابق، والاختلاف، والصراع بين الإنسان وأخيه الإنسان.

والأمر الذي ساهم في تعقيد المشكلة أكثر أنه لا توجد حدود وضوابط معلومة لحقوق الإنسان التي يجب أن تحفظ له.

إن دائرة حقوق الإنسان وحدودها هي الأخرى محلّ اختلاف، ووجهات نظر متعددة، الأمر الذي ساهم إلى حد كبير في أعضال المشكلة الاجتماعية ومواجهة الصعوبة البالغة في حلها.

فلم تكن المشكلة فقط أن بعض الناس يتجاوزون على حقوق الغير، ويهضمون حقوقهم المشروعة لهم بالأساس؛ إنما اتخذت المشكلة بعداً آخر وانبثق السؤال التالي:

ما هي تلك الحقوق؟ وما هي درجة الالزام فيها؟ وعلى أيّ حال ففي (علاقة الإنسان بأخيه الإنسان) لوحظ أن حقوقه مهدّدة بالخطر من قبل نفس الوسط الاجتماعي الذي يعيشه. هذه هي المشكلة الاجتماعية بشكل عام.

ولقد انعكست هذه المشكلة على مجال الحكم والسلطة حين اختار الإنسان لنفسه _ بشكل عفوي أو متعمد _ ظاهرة السلطة وجهاز الحكومة في محاولة لحل المشكلة الاجتماعية. هنا تبلورت المشكلة السياسية:

الصراع على السلطة.

الصراع مع السلطة.

الصراع على شكل الحكم وطبيعته.

الصراع الدولي.

إن هذه الدوائر الأربع هي التي استوعبت المشكلة السياسية.

1 – الصراع على السلطة:
السلطة بطبيعتها مصدر قوة، وهي تتيح لذويها فرصاً كبيرة للاستغلال والانتفاع، ومن ناحية ثانية فإن السلطة سيادة، والإنسان ذاتاً ميال إلى السيادة. ومن هنا فقد انفتح على الإنسان باب جديدة للصراع هو (الصراع على السلطة).

فإذا كانت السلطة مصدر قوة، ومصدر سيادة فمن هو الأحق بها؟

وإذا كان الإنسان بطبيعته طموحاً إلى السيادة وإلى القوة، فمن الطبيعي أن نفترض حدوث الصراع في الطريق إلى السيادة وإلى القوة.

2 – الصراع مع السلطة:
والسلطة مصدر فرض، وتحميل مسؤوليات، وإصدار أوامر، ووضع حدود. والذين يتربعون على عرش السلطة مهما بلغوا من النزاهة والعدالة، فإنهم _ وبمقتضى موقعهم _ عاملون على تحديد الحريات، ووضع الضوابط والالزامات، فكيف إذا أسأنا الظن بهؤلاء المتسلطين؟

من الطبيعي _ إذن _ أن يدخل الإنسان في صراع مع السلطة حينما تتجاوز، وتستغل، ولا تراعي الحقوق الطبيعية للآخرين.

بل من الطبيعي إلى حد كبير أن نفترض الصراع مع السلطة حتّى حينما تكون سلطة قانونية ملتزمة وعاملة؛ ذلك أن السلطة _ كما لاحظ علماء السياسة _ هي تحديد للحريات، أو كما عبروا تناقض مع الحرية!، وهي من أجل الحفاظ على الصالح العام، وحفظ السلام الاجتماعي مضطرة لأن ترسم الضوابط، وتضع الحدود، لتسيير الحياة الاجتماعية دونما اصطدام أو فوضوية. وهذا أمر قد يفهمه الكثير من الناس بوصفه مضايقة لهم أو تعدياً على حقوقهم وحريتهم الطبيعية المشروعة.

وهكذا فإن الصراع مع السلطة _ سواء بأشكاله العنيفة والصريحة، أو بأشكاله الهادئة والخفية _ هو مسألة طبيعية ومتوقعة، سيّما ونحن لا نفترض في هذا الإنسان الكمال المطلق، وبخاصة حين لا تكون حقوق الإنسان وحدودها وأبعادها واضحةً كل الوضوح.

3 – الصراع على شكل الحكم:
والسلطة تهدف إلى حلّ المشكلة الاجتماعية، وتأمين حقوق الإنسان في علاقته مع أخيه الإنسان.

لكن ما هو السبيل إلى هذا الهدف؟

وما هو الشكل الذي يتعين على السلطة اتخاذه من أجل حل المشكلة؟

الطبيعة لا تفرض شكلاً محدداً والإنسان غير متأكد، ولا متفق مع أبناء جنسه على الشكل الأفضل في الحكم.

والذين بيدهم جهاز الحكم كغيرهم من هذه الناحية على حد سواء، وهم إضافة إلى ذلك مُعرَّضون للوقوع في خطأ، والوقوع تحت التأثير.

إذن فقد انفتحت على الإنسان أبواب مشكلة جديدة هي الصراع على شكل الحكومة، وكيفية الحكم.

4 – الصراع الدولي:
والصراع على السلطة، ومع السلطة، وعلى كيفية الحكم ينعكس في دائرة أوسع، هي دائرة الأمم والشعوب، الأمّة مع الأمّة الأخرى، والشعب مع الشعب الآخر.

صراع في داخل الأمّة نفسها، وصراع بين الأمم. وهذا هو ما أطلقنا عليه عنوان (الصراع الدولي)، إنه انعكاس للصراعات الثلاثة السابقة.

ولا نريد أن ندخل هنا في حديث عن أن الشعوب هي أطراف هذا الصراع أو الحكومات وحدها. إنه مهما يكن الأمر فإن واقع هذا الصراع انعكاس للصراعات المتقدمة مع السلطة وعلى السلطة وعلى كيفية الحكم. إلاّ أنّه في دائرة أوسع، وفي محيط أكبر، محيط الأمم المتعددة والمتقابلة.

ما هي العلاقة بين الشعوب؟

وحينما تتزاحم المصالح بينها في ثروات الطبيعة المحدودة فما هي الحقوق الطبيعية لكل شعب؟ وما هي الأولويات؟

وهكذا أيضاً، أيّ الشعوب هي صاحبة الحق في فرض الكلمة، والقيمومة على المسيرة الإنسانية؟ وهل هناك شعب يمتاز بهذه الصفة؟

هذا هو المجال الرابع للمشكلة السياسية.

وتبعاً لهذه المجالات الأربعة نحن مدعوون لدراسة المحاور التالية التي انعكست فيها الصراعات السابقة وكانت أهم الظواهر السياسية في المجتمع البشري:

1 _ تفسير ظاهرة الدولة.

2 _ تقويم ظاهرة الدولة.

3 _ مصدر سيادة الدولة.

4 _ الأمّة.

5 _ القومية.

6 _ المواطنة.

وقبل الدخول في هذه الأبحاث يحسن أن نمهّد لذلك ببحث عوامل الصراع السياسي أوّلاً، ثمّ الاُطروحات الكبرى التي عرفتها البشرية لحل هذا الصراع.

* * *








الفصل الثالث
عوامل الصراع السياسي
إذا كان الصراع السياسي يمثل ظاهرة اجتماعية متأصلة فقد جهد كل من علماء السياسة والاجتماع في اكتشاف العوامل التي تضطر المجتمع الإنساني وتفرض عليه أن يخوض هذا الصراع المرير المزمن.

لقد لوحظ تجمع عدة عوامل، وفي ظروف واحدة أو مختلفة، تدعو لهذا الصراع، وفي هذا المجال فقد برزت عدة نظريات تختلف مع بعضها في تركيزها على هذا العامل أو ذاك.

النظريات الواحدية والتعددية:
والتصنيف السائد والمتداول للنظريات الموجودة حول هذا الموضوع هو تصنيفها إلى النظريات الواحدية والنظريات التعددية، أي النظريات التي تؤمن بالعامل الواحد، والنظريات التي تؤمن بالعامل المتعدد.

وتقف على قمة النظريات الواحدية النظرية الماركسية التي ترجع هذا الصراع إلى العامل الاقتصادي الذي يمثله التناقض بين شكل الإنتاج، وطريقة التوزيع.

كما تقف في هذا الصف أيضاً نظريات أخرى أمثال نظرية فرويد في العامل الجنسي، والنظرية العرقية، وغيرها.

وفي مقابل ذلك تلتزم النظرية التعددية (التي تسود في الغرب باستثناء الفرويديين) بأن من الخطأ حصر عوامل الصراع السياسي في عامل واحد، سواء أكان الاقتصاد، أم الجنس، أم غيرهما.

إنما تتضافر عدة عوامل سيكولوجية، وبيولوجية، وجغرافية، وثقافية، واقتصادية، واجتماعية وغيرها، لتنتهي مجموعها إلى ديمومة الصراع الإنساني.

نظريات العامل الطبيعي والعامل الإنساني:([1])
نعتقد أن التصنيف الأفضل هو تصنيف النظريات الباحثة عن عوامل الصراع السياسي إلى نظريات العامل الطبيعي ونظريات العامل الإنساني.

إن العودة بالصراع إلى عوامل خارج إرادة الإنسان واختياره يعني الالتزام بنظرية العامل الطبيعي بوصفه المحرك الأساس والشعلة التي توقد نار الصراع، سواء وضعنا العامل الاقتصادي، أو الجغرافي، أو الديموغرافي أو غيرها، فإننا في جميع هذه الفروض نرجع بالصراع السياسي إلى ما وراء الإرادة الإنسانية.

أما حين نكتشف وراء تلك العوامل، ومعها، عوامل إنسانية يتحكم فيها الإنسان نفسه، وتكون هي الجسر الحقيقي التي تعبر عليه تلك العوامل للتأثير في ديمومة هذا الصراع وأحداثه، فحينئذٍ نكون قد وضعنا العامل الإنساني على اعتبار أنه هو العامل الأساسي في حركة الإنسان الاجتماعية والسياسية.

وفي هذا الضوء سننظر أين تقف النظرية الماركسية، والنظرية الغربية، والنظرية الإسلامية.

وفي هذا الضوء أيضاً نحاول تقويم هذه النظريات والحكم عليها.

1 – الصراع السياسي في ضوء النظرية الماركسية:
الصراع السياسي هو مظهر من مظاهر التاريخ الإنساني، والماركسية تفسّر التاريخ كله على أساس اقتصادي، وعلى هذا فإن الصراع السياسي إذن هو من فعل العامل الاقتصادي.

وبشكل سريع ومختصر نستطع أن نشرح النظرية:

تفترض الماركسية أن طبيعة الأشياء تفرض تناقضاً بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج.([2])

ذلك أن لكل نوع من القوى الإنتاجية علاقات خاصة في الإنتاج والتوزيع، وحيث إن قوى الإنتاج ليست ثابتة وإنما هي متطورة، إذن فبمقدار ما تتقدم خطوة إلى الأمام تكون قد ابتعدت عن علاقات الإنتاج والتوزيع التي كانت قائمة أوّلاً، وأصبحت تتطلب علاقات انتاج جديدة.

ثمّ إن هذا التناقض بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج يولد تناقضاً جديداً بين طبقتين في المجتمع.

الطبقة التي تحاول الحفاظ على علاقات الإنتاج القائمة لأنها تحفظ مصالحها، والطبقة الجديدة التي تطلب علاقات انتاج وتوزيع جديدة تتوافق مع شكل القوى المنتجة التي تطورت عمّا قبل.

إن هذا الصراع الطبقي _ حسب فهم الماركسية _ هو اليد الخفية التي تحرّك دولاب الحياة الاجتماعية، هو السر الكامن وراء كل الصراعات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية.

وفي هذا كتب كارل ماركس قائلاً:

(إن العلاقات الاجتماعية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالقوى الإنتاجية؛ فحين يحصل البشر على قوى انتاجية جديدة يتغير طرز انتاجهم وطرائق كسبهم. وتتغير جميع علاقاتهم الاجتماعية…).([3])

وتذهب الماركسية لأبعد من ذلك فتقول:

إن هذا التناقض بين القوى المنتجة، وعلاقات الإنتاج وما يحدثه من صراع طبقي هو الأساس لكل الظواهر الإنسانية بما في ذلك الدين، والفلسفة والأخلاق والثقافة، والفن…

كتب كونستانيوف:

(ينبغي البحث عن منبع الأفكار الاجتماعية والسياسية والحقوقية والدينية في الاقتصاد قبل كل شيء).([4])

أما جورج بوليتزر فإنه يقول:

(الأساس هو نظام المجتمع الاقتصادي في مرحلة معينة من نموه. أما البناء الفوقي فهو النظرات السياسية والقانونية، والمؤسسات السياسية والقانونية وغيرها التي تتعلق بهذا النظام).([5])
* * *

نستطيع أن نخلص إلى هذه النتيجة حسب ما تفهمه النظرية الماركسية:

إن الصراع السياسي بكل أشكاله الآنفة الذكر هو انعكاس للصراع الطبقي.

فالصراع على السلطة هو صراع بين الطبقة التي تملك وسائل الإنتاج والطبقة التي لا تملكها. والصراع مع السلطة كذلك أيضاً.

والصراع الدولي هو أيضاً تعبير عن الصراع الطبقي في داخل الأمّة ذاتها.

كما أن الصراع على كيفية الحكم هو محاولة البرجوازية لفرض نظام حكم يتناسب مع مصالحها الإنتاجية الجديدة.

وفي ختام هذا العرض يجب أن نشير إلى أن الماركسية لم تنفرد في تأكيدها على العامل الاقتصادي، فكثيرون قبل ماركس أدركوا دور العامل الاقتصادي، والصراع الطبقي في التقلبات السياسية. إلاّ أن الماركسية امتازت بنقطتين:

الأولى: إنها اعتبرت العامل الاقتصادي هو العامل الأساسي، والوحيد وراء تلك التقلبات والتطورات وتنكرت للعوامل الأخرى، بل اعتبرتها انعكاساً للعامل الاقتصادي نفسه.

الثانية: كما أعطت الماركسية للطبقة مفهوماً خاصاً حسب علاقات الإنتاج ووسائل الإنتاج، بينما كان المفهوم السابق على الماركسية يحدّد الطبقة على أساس مستوى المعيشة لا على أساس وسائل الإنتاج.

ملاحظات عامة:
وقبل البدء بالحكم على النظرية الماركسية في عوامل الصراع السياسي نلفت نظر القارئ إلى ما يلي:

1 _ تقف النظرية الماركسية في صف نظريات العامل الطبيعي، التي لا ترى للإرادة الإنسانية دوراً في هذا الصراع، وإنما إرادته نفسها تابعة للعامل الاقتصادي، وهكذا حتّى ثقافته وأفكاره، وأخلاقه…

2 _ والماركسية تقرر حتمية الصراع السياسي. فالتناقض بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج لا يكف عن تحريك دفة الصراع الطبقي بكل أشكاله بما فيه الصراع السياسي، وسوف يبقى الصراع السياسي حتمياً حتّى يصل ركب البشرية إلى نهاية ظاهرة الطبقية وانعدامها في مجتمع شيوعي موحّد.

وتعتبر عبثاً كل محاولة ترمي إلى ايقاف عجلة هذا الصراع ما زالت الطبقة موجودة، إنها سوف تصطدم بمقتضيات الطبقية.

إنّ علينا أن ندع الباب مفتوحاً أمام هذا الصراع. بل علينا _ إذا كنا راغبين في التعجيل بمجتمع الصفاء السياسي _ أن نعمل على المبالغة في هذا الصراع، وتكثيفه كيما يصل المجتمع إلى المرحلة التي تأذن بانتفاضة البروليتاريا العالمية.

وفي التفسير الماركسي المتقدم تكون المنفعة هي الدافع الحقيقي وراء الحركة السياسية في المجتمع.

فالطبقة التي تملك، والطبقة التي لا تملك _ وهما طرفا الصراع _ يعملان معاً بدافع منفعي، ومن هنا تؤمن الماركسية أن هذه النفعية في الطبقة العمّالية يجب تركيزها من أجل أن توحد صفوفها وتنهض ضد البرجوازية.

كتب انجلز وهو يحلل ظاهرة الصراع السياسي:

(إن القوة ليست سوى وسيلة، وإن الغاية هي المنفعة الاقتصادية. ولما كانت الغاية أكثر جوهرية من الوسيلة التي تستخدم لضمانها، فإن الجانب الاقتصادي من المسألة هو أكثر جوهرية في التاريخ من الجانب السياسي في جميع قضايا السيطرة والاخضاع حتّى يومنا الحاضر.

كان الاخضاع دوماً وسيلة لإملاء المعدة بأوسع ما في املاء المعدة من مدلول).([6])

والماركسية كما قلنا لا ترفض هذا المنطق النفعي، ولا تنتفض عليه، وإنما بنفس الطريقة تسير في معالجة المشكلة.

فقد كتب بوليتزر:

(إن للبروليتاريين في جميع بلاد العالم نفس المصالح التي تجعلهم ضد الطبقة المستغِلة، لأنهم أعضاء في نفس الطبقة المستغَلة).([7])

وحينما تستولي الطبقة العمالية على الحكم فإنها تستعمل أجهزة الدولة لتحقيق مصالحها الطبقية، ولكنها تفسر ذلك بالقول:

(إن البروليتاريا إذ تسعى إلى تحقيق مصلحتها الطبقية تعمل لخير الإنسانية بأسرها).([8])

وفي التفسير الماركسي لا يمكن أن يكون للأقطار كافة، وللأدوار التاريخية جمعاء اقتصاد سياسي واحد كما قال انجلز.

لأن وسائل الإنتاج لما كانت هي عنصر الحركة في الصراع، فمن الطبيعي أن يكون للتطور الصناعي والتقدم الفني أثره البالغ في الصراع السياسي، سواء في شكل هذا الصراع، أو في ديمومته، أو في العمل على البلوغ به إلى المرحلة الأخيرة تحت سيطرة الطبقة العاملة.

ومن الطبيعي إذن أن تختلف الأدوار التاريخية، وتختلف الأمم في اقتصادها السياسي طالما كانت مختلفة في تطورها الصناعي، وتقدمها التقني.

ومن هنا أيضاً ترى الماركسية أن الطاحونة الهوائية تولد مجتمع الحكم الاقطاعي، وإن الطاحونة البخارية تولد مجتمع الرأسمالية الصناعية على حد تعبير ماركس.

مناقشة النظرية الماركسية في الصراع السياسي:
إذ نمضي في مناقشة النظرية الماركسية فإننا لا ندعي الأصالة فيما سنسجله. فلقد عرض كتاب (اقتصادنا) لأستاذنا الشهيد الإمام العظيم السيد محمّد باقر الصدر أقوى وأركز مناقشة واجهت النظرية الماركسية في تفسيرها لحركة التاريخ على أساس العامل الاقتصادي.

وحقاً لم تشهد المادية التاريخية كما لم تشهد المادية الفلسفية نقداً علمياً وفلسفياً كما شهدته في كتاب (اقتصادنا) وفي كتاب (فلسفتنا).

إننا إذ نمضي في مناقشتنا للنظرية الماركسية فإنما اعتماداً واستفادة مما حمله القسم الخاص بالنظرية الماركسية من كتاب اقتصادنا.

ويجب أن يكون واضحاً في البدء، أننا لا ننكر على الماركسية تأكيدها على العامل الاقتصادي، كما أسلفنا؛ فإن كثيرين قبل ماركس وضعوا العامل الاقتصادي في سلسلة العوامل الداعية للصراع السياسي.

والنظرية الإسلاميّة بالخصوص حين تكتشف أساساً ذاتياً للصراع السياسي، لا تنسى أن العامل الاقتصادي هو انعكاس لذلك الأساس كما سنرى.

إن مناقشتنا للماركسية تنصب على نقطتين هما موضع امتيازها عن النظريات الأخرى:

النقطة الأولى: مبالغتها في دور العامل الاقتصادي إلى حدّ اعتباره هو الأساس وراء كل الأحداث الاجتماعية وكل الظواهر الإنسانية بما في ذلك الأفكار، والأخلاق، والفنون…

النقطة الثانية: تتعلق بفهمها للطبقة على أساس اقتصادي فقط.

وفيما يلي نسجّل ملاحظاتنا حول هاتين النقطتين:

دور العامل الاقتصادي:
أن تكون الأفكار، والأخلاق، والأديان، والفلسفات والعلوم كلها بناءً فوقياً للعامل الاقتصادي كما تقول الماركسية، وذاك ما نترك مناقشته لكتاب (اقتصادنا) الذي تناول الموضوع بشكل مفصل، وكشف عجز الماركسيّة في تفسير كل هذه الأمور على أساس اقتصادي ولأننا في هذا الكتاب (المذهب السياسي) نتخصص لبحث الجوانب ذات العلاقة بالنظرية السياسية أو المذهب السياسي.

ولذا فإننا سنقتصر على مناقشة الماركسية في تقويمها لدور العامل الاقتصادي في الصراع السياسي.

إننا نلاحظ على الماركسيّة:

أوّلاً: تناسيها لعوامل أخرى ثقافية، وأخلاقية، وطبيعية، ذات أثر في الصراع السياسي بشكل وآخر.

فمن دون شكّ _ وعلى سبيل المثال _ أن للمواهب التي تمتع بها نابليون، والطموحات التي كان يحملها هتلر، والروح الثورية التي امتاز بها لينين عن رفاقه، وهكذا الشجاعة العظيمة التي امتلكها الإمام الخميني، من دون شكّ كان لهذه الخصائص أثر كبير في تغيير مجرى الأوضاع السياسية في العالم. وأمثال هذه كثيرة جداً على مر التاريخ.

ولولا الثلوج التي كانت تغطي أراضي روسيا لكانت قد سقطت في قبضة الألمان، ولم يكن أحد يعلم ماذا سيكتب للبشرية من جرّاء هذا الانتصار.

(وليس أحد يدري ماذا كان يحدث لو لم تسمح الشروط الطبيعية للوباء باكتساح أرجاء الإمبراطورية الرومانية، وامتصاص مئات الألوف من سكانها مما ساعد على انهيارها وتغير الوجه التاريخي العام.

ولا يدري أحد أيضاً أيّ اتجاه كان يتّجه التاريخ القديم لو أن جندياً مقدونياً لم ينقذ حياة الاسكندر في اللحظة المناسبة فيقطع اليد التي أهوت عليه بالسيف من خلفه وهو في طريقه إلى فتح عسكري خطر امتدت آثاره عبر الأجيال والقرون).([9])

وهكذا لا يمكن أن نتنبأ بما كان سيحدث لو أن الإمام الخميني قد تمت تصفيته أيام الشاه، أو كان قد مات قبل انتصار الثورة الإسلاميّة في ايران.

إن شواهد تاريخية كثيرة تدلل على أن عوامل أخرى غير الأساس الاقتصادي وغير الفوارق الطبقية كان لها فعلها في أحداث الصراعات السياسية؛ والتاريخ يقدم لنا أكثر من شاهد حول النزاعات الدينية أو الإيديولوجية، وحول الانتماءات الأسرية والقومية، التي سببت بشكل مباشر أكثر من صراع، أو تركت بصماتها في صراعات تاريخية كبرى، لقد لعب التحالف بين المسلمين والكروات دوراً بالغاً في صد الهجوم الصربي على المسلمين في البوسنة والهرسك، وكان هذا التحالف يعتمد على نزاعات عرقيّة بين الصرب والكروات، ولم يكن أحد يعلم ماذا سيكون حال المسلمين هناك لو كان التحالف يسير باتجاه معاكس بين الصرب والكروات.

كما كان أحيانا للأحقاد الشخصية والعلاقات العاطفية، دور ليس من السهل إغفاله في تفسير الأحداث التاريخية. إن تلك العلاقات هي التي تفسر تولية الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لمعاوية بن أبي سفيان على بلاد الشام رغم أن الخليفة الثاني لم يكن يتفق في طريقة الثراء والبذخ مع معاوية ولم يكونا من طبقة واحدة.

كما أن الطريقة التي حدّدها الخليفة الثاني لانتخاب الخليفة بعده لم تكن تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاقتصادية بمقدار ما خضعت لطبيعة العلاقات بين عمر وعليّ C من ناحية وبين عمر وعثمان من ناحية أخرى، وهكذا تغير مجرى التاريخ وفقاً لهذه العلاقات.

ثانياً: وفيما عدا ذلك فإن الماركسية أخطأت حينما اعتبرت العامل الاقتصادي هو الأساس الواقعي للتركيب الطبقي في المجتمع؛ وإن ملكية وسائل الإنتاج هي التي فصلت المجتمع إلى طبقة مالكة، وطبقة غير مالكة.

إن التاريخ يشهد على أن هذه الحقيقة ليست صحيحة على الدوام أي إنها ليست حقيقة مطلقة.

فملكية وسائل الإنتاج دعت حقاً إلى تصنيف طبقي، لكن ليست الملكية دائماً هي الأساس في التصنيف، فقد لوحظ أن الطبقية وجدت في التاريخ قائمة على أسس أخرى غير الملكية.

بل كثيراً ما حدث في التاريخ أن الملكية كانت نتيجة الوضع الطبقي وليس العكس. ففي المجتمع الروماني مثلاً كانت طبقة الأشراف هي الطبقة ذات الامتياز، بينما كانت طبقة العامة تقف في الرتبة الثانية في الوقت الذي نلاحظ أن رجال الأعمال لم يكونوا أقل من الأشراف في ثرواتهم المادية، ومع ذلك فإن التقسيم الاجتماعي الطبقي القائم يومذاك لم يسمح بتصنيفهم إلاّ في الطبقة الثانية.

ومعنى ذلك أن الملكية لم تكن هي الأساس الواقعي للطبقية.

وقد نلاحظ مثل ذلك المجتمع الإسلامي حينما افترق إلى طبقة العرب وطبقة الموالي حيث كان الحكام الأمويون والعباسيون يعمدون إلى وضع الطبقة الأولى على رأس السلّم.

فإن هذا التقسيم لم يكن قائماً على أساس اقتصادي، بدليل أن القضية انقلبت بالعكس تماماً حينما أصبح الموالي هم المقرّبون للحكام العباسيين فيما بعد. وأمثال ذلك كثير في التاريخ الأمر الذي يؤكد لنا خطأ الماركسية في تفسيرها الطبقي.

ثالثاً: ومن ناحية ثالثة فإن الماركسية تنسى دور العامل الأخلاقي في الوقت الذي تعتقد أن أخلاقية المنفعة هي التي تحول التناقض الطبقي إلى صراع طبقي، ولولا هذه الأخلاقية فقد كان بالإمكان أن تبقى الأيادي المالكة والأيادي العاملة بلا صراع، بل كان بالإمكان تحويل التفاوت في مستوى المعيشة تبعاً للملكية إلى مصدر للاحسان، والإنفاق، حينما تسود أخلاقية المودة، وإيثار المصالح العامة على المصالح الشخصية كما هو في مسعى الفكر الديني.

بل إن هذه الأخلاقية التي يرسخها الدين في شخصية أبناء المجتمع نفسها تدعو إلى الحدّ من التفاوت الطبقي، ومنع التطرف فيه.

إن الجانب الأخلاقي في المسألة هو الذي يقف وراء الصراع ويدفع نحوه، ولكن الماركسية إذ تدرك ذلك بوضوح تفسّر الجانب الأخلاقي نفسه على أساس اقتصادي، فالتفاوت الطبقي هو الذي يولد أخلاقية المنفعة، والملكية هي التي تولد حب الذات، أما في مجتمع تزول فيه الطبقية، والملكية، فإنه لا يوجد هناك _ حسب الماركسيّة _ ما يدفع إلى النفعية والذاتية في نفس الإنسان.

لكن من حقنا أن نتساءل هنا: كم كانت الماركسية موفقة في هذا التفسير؟ وهل أن وسائل الإنتاج، وملكية هذه الوسائل هي التي تفرض على الإنسان أخلاقية لا تتيح له فرصة الخلاص منها؟

إن أقل ما نستطيع أن نقوله هنا هو أن الماركسية لم تستطع البرهنة على هذه الدعوى العريضة؛ إنها مقولة غير مبرهنة لا نظرياً ولا تاريخياً.

وإذا أردنا أن لا نبتعد في النقاش، فإن تاريخ التجربة الإسلاميّة في القديم والحديث برهن على بطلان تلك المقولة.

إن أخلاقية الإيثار، والإنفاق في سبيل الله التي عاشها الإنسان المسلم في صدر الإسلام والتي عادت من جديد في التجربة الإسلاميّة الحديثة في ايران هي التي عملت على تغيير الوضع الاقتصادي وتطويره، وليس العكس. فقد كانت الملكية ووسائل الإنتاج وعلاقات التوزيع هي نفسها في العهد الجاهلي، بينما تغيرت أخلاقية الإنسان في ظل الإسلام.

وهذا معناه أن الأخلاق ليست دائماً صنيعة وسائل الإنتاج، وملكيتها، وإن كانت قد تتأثر قليلاً أو كثيراً.

ومثل هذا بالضبط ما برهنت عليه التجربة الإسلاميّة الجديدة في إيران حيث عملت الأخلاقية الدينية على الإطاحة بالنظام الرأسمالي لا لكي يتحول إلى نظام اشتراكي، وإنما لكي يرجع إلى نظام الإسلام العادل الذي بشر به الرسول الأكرم 9.

يبقى لنا مع الماركسية الأسئلة التالية:

هل يعتبر الصراع السياسي حتمياً؟

ما هو أثر التقدم الصناعي في الصراع السياسي؟

وهل يصح افتراض أن لكل الأمم، ولكل الأدوار التاريخية اقتصاد سياسي واحد؟

هذا ما سنتركه إلى حين الحديث عن النظرية الإسلاميّة إن شاء الله تعالى.

2 – الصراع السياسي في ضوء النظرية الغربية:
لقد تذبذب الغربيون في تفسير الصراع السياسي بين النظريات الواحدية والنظريات التعددية.

وبالتأكيد فإن نظرية فرويد في العامل النفسي قد كسبت قيمة كبيرة لدى علماء الغرب إلاّ أننا لا نستطيع اعتبارها هي الاتجاه السائد أو المقبول لدى كل أو أكثر علماء الغرب.

ومن قبل فرويد كانت النظرية العرقية التي تفسر الصراع السياسي على أساس الفرق في العروق بين الناس، فهناك عروق دنيا يجب بطبعها أن تكون محكومة، وهناك عروق عليا يجب بطبعها أن تكون حاكمة.

ولكن هذه النظرية لم تعد تتمتع بقيمة علمية في عصرنا الحاضر.

ولعلَّ فيما عدا هاتين النظريتين فإن النظرية التعددية هي السائدة، بمعنى أن الغربيين يعتبرون للصراع السياسي أكثر من عامل بما في ذلك العامل البيولوجي، والعامل النفسي.

النظرية الغربية تعترف بالعوامل الثقافية، والسكانية (كثافة السكان) زيادة على العوامل الحضارية، والاقتصادية، والاجتماعية.

وليس من همنا فعلاً تصنيف النظرية الغربية إلى واحدية أو تعددية.

إن ما يهمنا هو التعرف على الحقيقة التالية:

إنه رغم اعتراف الغربيين بعوامل إنسانية إلى جنب العوامل الطبيعية في الصراع السياسي، فإنهم يرجعون ظاهرة الصراع السياسي إلى عامل أبعد من ذلك، هو ظاهرة عدم التكافؤ بين حاجات البشر، وبين ما تقدمه الطبيعة من ثروات، هذه الظاهرة التي يصطلح عليها بـ (ظاهرة العوز) أو النقص.

إن كل الفوارق النفسية، والبيولوجية، والحضارية، وكل الدواعي الاقتصادية، والاجتماعية، والجغرافية لم تكن كافية لإيجاد الصراع السياسي لولا أن الطبيعة لا توفر للإنسان كل ما يحتاجه، بل إن أكثر تلك العوامل هي انعكاس ونتاج مباشر أو غير مباشر لهذا الفقر في الطبيعة. ولو أن الطبيعة استجابت لكل نداءات الإنسان، ووفرت له كل احتياجاته الأولية والثانوية لم يعد هناك ما يدعو للصراع.

كتب (موريس دوفرجيه) وهو من أبرز علماء الاجتماع المعاصرين:

(لقد عدّ التفاوت بين حاجات الأفراد والخيرات المتوفرة في جميع الأزمات عاملاً أساسياً في النزاعات الاجتماعية والسياسية.

بشر مفرطون في الكثرة يتنازعون خيرات مفرطة في القلة…).([10])

(إن كل إنسان في المجتمع الذي تقل خيراته عن حاجات أفراده يحاول أن يحصل لنفسه على أكبر قسط من الامتياز على غيره والسلطة وسيلة ناجحة للظفر بذلك…).([11])

وهذا هو ما عبر عنه (بارسونز) بالقول:

(نظراً لحقيقة مبدئية هي أن الموضوعات اجتماعية وغير اجتماعية التي هي مفيدة من حيث استخدامها أو ثمينة في ذاتها نادرة بالنسبة لما يكفي إشباع الاحتياجات الكامنة عند كل عامل، تنشأ مشكلة الحصص أو الأنصبة).([12])

والإيمان بهذه الظاهرة (ظاهرة العوز) هو الذي دعا مالتوس وعلماء آخرين إلى الإيمان بضرورة تحديد النسل:

(من حيث إن السكان يتزايدون تزايداً طبيعياً بنسبة هندسية، على حين أن المواد الغذائية تتزايد تزايداً طبيعياً بنسبة حسابية….

… ولا بدَّ أن تصير الإنسانية إلى مجاعة ما لم تحدد عدد المواليد بالإرادة).([13])

هذا هو جوهر النظرية الغربية:

وقبل البدء بتقييمها نشير إلى عدة ملاحظات.

ملاحظات عامة:
1 _ تنتمي النظرية الغربية إلى (نظريات العامل الطبيعي) في مقابل (نظريات العامل الإنساني).

فقد رأينا كيف يفسر الغربيون الصراع السياسي على أساس من نقص الطبيعة وظاهرة العوز فيها دون أن تكون لإرادة الإنسان دخل فيها.

نعم قد يكون بمقدور الإنسان تلافي قسطٍ من المشكلة عن طريق تحديد النسل, والتطور الصناعي والزراعي, وتكثيف عمليات الاستثمار, إلاّ أنّ المشكلة تبقى مشكلة الطبيعة لا مشكلة الإنسان.

فالإرادة الإنسانية هي التابع وليست هي الأصل في المشكلة.

2 _ وفي ضوء النظرية الغربية فإن الصراع السياسي يبقى حتمياً ما دامت الطبيعة لا تجود على هذا الإنسان إلاّ بأقل من حاجاته.

إذن، فإلى أن تصل الإنسانية إلى مجتمع الوفرة السعيد فإن الصراع السياسي أمر لا مفرّ منه.

كتب (أوستن رني) في ذلك:

(وكما أن التنازع بين الأفراد وجه لا مفر منه في حياة البشر, فإن التاريخ السياسي وجه لا مفر منه في نطاق المجتمع البشري).([14])

وقد سبق أن النظرية الماركسية هي الأخرى تؤمن بحتمية الصراع إلى أن تصل البشرية إلى المجتمع الشيوعي العالمي الموحّد.

مناقشة النظرية الغربية:
هل صحيح أن الطبيعة تعوز عن سدّ حاجات الإنسان؟

وهل صحيح أن ظاهرة العوز _ على افتراض وجودها _ هي السبب في هذا الموضوع؟

نحن نختلف تماماً مع ادعاء عوز الطبيعة, وعدم تكافؤها مع عدد السكان.

فما تزال الثروات الطبيعية غير مستثمرة ولا مستغلة.

وما تزال القدرة الإنتاجية في الطبيعة أكبر مما استثمره الإنسان بالفعل.

والقرآن الكريم يؤكد قدرة النعم الطبيعية على سدّ حاجات الإنسان في ظروف الاستثمار الجيد، والتوزيع العادل:

]اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَْرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَْنْهارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ * وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الإِْنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ[.([15])

إن الإنسان ظلوم في طريقة التوزيع، حيث تنعم شعوب في ترف مفرط على حساب شعوب أخرى تبحث عن لقمة العيش.

وحيث يموت مئات الآلاف سنوياً من الجوع من شعوب العالَم الثالث، في الوقت الذي تُلقى ملايين من أطنان الحنطة في المحيطات من أجل أن لا يتضرر الاقتصاد الأوربي والأمريكي.

وهو ظلوم في إنفاق المليارات الطائلة في الحروب، وفي تدمير ثروات الطبيعية نفسها.

والإنسان كفّار حين ينسى الدوافع الحقيقية للصراع ويتهم الطبيعة بالنقص.

على أننا لو اعترفنا بظاهرة العوز في الطبيعة، فإننا لا نقبل أن تكون على الدوام هي السبب في الصراع السياسي.

فقد شهد تاريخ الإنسانية صراعات عديدة لم تكن على أساس التنافس في الثروات، بل كانت هناك عوامل نفسية أو شخصية، وحتّى عوامل دينية وإيديولوجية تقف وراء الصراع.

3 – الصراع السياسي في ضوء النظرية الإسلاميّة:
حسب النظرية الإسلاميّة تتضافر على الصراع السياسي عدة عوامل، اقتصادية وغيرها، إلاّ أنها جميعاً لا تستقل بالتأثير، ولا يمكن لوحدها _ إذا أغفلنا الجانب النفسي في الإنسان _ أن تولد الصراع، والخلاف، والشقاق.

إن الصراع يمتد بجذوره إلى أعمق من هذه العوامل، وإلى شيء أكثر أساسية منها وقد نستطيع استخلاص عاملين وراء الصراع السياسي من وجهة نظر إسلاميّة:

1 _ تزاحم الدوافع الفطرية:
إن المحتوى الداخلي للإنسان هو القاعدة التي تنطلق منها شرارة الصراع، والمحتوى الداخلي للإنسان هو الحلقة التي يتعين على جميع العوامل الطبيعية أن تمر بها، ومن خلالها تستطيع أن توجَّه الصراع.

إنها بمثابة أوراق الترشيح التي إذا استطاعت العوامل السابقة أن تنفذ من خلال مساماتها وجد الصراع وإلاّ لا يكون هناك صراع.

وفي داخل الإنسان دوافع فطرية غريزية عديدة، هذه الدوافع هي التي تسيره بهذا الاتجاه أو بذاك، في شؤونه الصغيرة والكبيرة.

إن هذا البناء الذاتي هو المسؤول عن كل خطوة، وكل موقف، وكل ظاهرة إنسانية.

قال الله تعالى لدى الحديث عن الضالين:

]قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ[.([16])

ومثل ذلك قوله تعالى:

]أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ[.([17])

وقوله تعالى:

]وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ[.([18])

إننا قد نستكشف من هذه الآيات الدلالة على أن عملية الطغيان والعدوان في كل صورها لم تكن ناشئة من عوامل خارج الذات الإنسانية بل هي دائماً خاضعة في فعليتها لواقع الانحراف الذاتي عند هذا الإنسان ]وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ[.

هذه الدوافع الفطرية تتصارع وتتزاحم في توجيه الإنسان هذه الوجهة أو تلك، ويقوى بعضها على بعض، فينتج التعدي، والتجاوز والفجور، ولو أن الإنسان استطاع أن يعرف لهذه الدوافع الفطرية حدودها، ويعطيها حقها الطبيعي دون تجاوز، لما كان هناك أيّ عدوان وأيّ انحراف؛ لكن الإنسان يبدأ انحرافه وعدوانه من داخل نفسه وبفعل ومساعدة مؤثرات خارجيّة ثمّ ينعكس على الآخرين.

إن الصراع بين الإنسان والإنسان هو انعكاس عن الصراع الذاتي في الإنسان، وهذا الصراع الذاتي في الإنسان يتأثر في مرحلة لاحقة بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية وغيرها ويعمل على توظيفها.

إنه صراع قائم في التركيبة الذاتية للإنسان.([19])

قال تعالى في تفسير حالة الكفر والجحود:

]إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ[.([20])

فالقضية إذن هي قضية (ما في الصدور) القادرة على توجيه العوامل الخارجية والتصرف فيها وتجنيدها لخدمة هذا الاتجاه أو ذاك.

وهكذا دائماً تكون النفس هي المنطلق الحقيقي للصراع، وما العوامل المادية إلاّ مثيرات ومحركات غير مستقلة بل هي قابلة للإخضاع والتوجيه.

ولقد كتب أستاذنا الشهيد الصدر:

(الإسلام لا يعتقد… أن المشكلة مشكلة الطبيعة، وقلّة مواردها، لأنه يرى أن الطبيعة قادرة على ضمان كل حاجات الحياة التي يؤدي عدم إشباعها إلى مشكلة حقيقية في حياة الإنسان).

(كما لا يرى الإسلام أيضاً أن المشكلة هي التناقض بين شكل الإنتاج وعلاقات التوزيع كما تقره الماركسية، وإنما المشكلة قبل كل شيء مشكلة الإنسان نفسه لا الطبيعة ولا أشكال الإنتاج).([21])

]وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ[.([22])

* * *

ولا ينبغي لدى التأكيد على المحتوى الداخلي للإنسان إغفال العوامل المادية ودورها في إحداث الصراع السياسي وديمومته.

إن جوهر النظرية الإسلاميّة يتلخص لا في أفكار تلك العوامل، إنما في اعتبارها عوامل تحريك غير مستقلة.

فليس علينا لاكتشاف عوامل الصراع أن نبحث في الاقتصاد قبل كل شيء، أو في النسبة بين عدد السكان وبين حدود المكان، أو في قلّة موارد الطبيعة وعدم كفايتها.

إنما علينا أن نبحث قبل كل شيء في المحتوى الداخلي للإنسان، وفي الأخلاقية التي يتعامل بها هذا الإنسان.

وذلك هو البغي المعبَّر عنه في القرآن الكريم في قوله تعالى:

]فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ[.([23])

وقوله تعالى:

]وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ[.([24])

وتأكيداً لهذا المعنى، ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق C أنه قال:

«أصول الكفر ثلاثة: الحرص والاستكبار والحسد. فأما الحرص فآدم حين نُهي عن الشجرة حمله الحرص على أن يأكل منها؛ وأما الاستكبار فإبليس حين اُمر بالسجود فأبى؛ وأما الحسد فابنا آدم حين قتل أحدهما صاحبه حسداً».([25])

ورغم أن هذا النص لا يتحدّث عن الصراع السياسي إلاّ أنه يكفي للتأكيد على الموقع الأساس للمحتوى الداخلي للإنسان في إحداث أكبر انحراف عن الحق، وعدوان على الحقيقة من خلال الكفر الذي يقف بطبيعته وراء قمة الصراعات السياسية التي شهدتها البشرية.

2 _ الجهل:
وإذا كان تزاحم الدوافع الفطرية في ذات الإنسان هو العامل الأساس في الصراع، فإن جهل الإنسان هو العنصر المكمل لعامل الصراع.

إن جهل الإنسان بحدود ذاته، وعجزه عن حل الصراع بين دوافعه الفطرية، وهكذا جهله بحدود الآخرين معه في الوسط الاجتماعي، وعجزه عن حل التزاحم الواقع بينهم، كل هذا له دوره في ديمومة الصراع.

فالمحتوى الداخلي للإنسان من جانب، وفقدان المنهج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي من جانب آخر _ يعني جهل الإنسان _ هما السر وراء الصراع السياسي بكل أشكاله.

ويمكن أن تكون الآية الشريفة الآتية ناظرة إلى هذين العاملين (التزاحم الفطري) و(الجهل).

قال تعالى:

]إِنَّا عَرَضْنَا الأَْمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالأَْرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الإِْنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً[.([26])

الظلم في التنسيق بين دوافعه الذاتية، والجهل باُطروحة التعايش الاجتماعي الصحيح مع الآخرين.

وعلى هذا ندرك أن الصراع السياسي ليس ناشئاً من التناقض بين قوى الإنتاج وطريقة توزيع الإنتاج، ولا ناشئاً من فقر الطبيعة، فلو كان الإنسان ملتزماً بالمنهج العادل لحياته الاجتماعية _ وهو المنهج الإلهي _ لكان قد أغلق باب الصراع السياسي إلى الأبد.

]وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأََسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً…[.([27])

والتي قد تعني وصول المجتمع الإنساني إلى حالة السعادة والغنى حينما يكون ملتزماً بمنهج الشريعة الإلهيّة.

ملاحظات عامة:
وفي ختام عرضنا للنظرية الإسلاميّة علينا أن نشير إلى الملاحظات التالية:

1 _ لقد سبق أن صنفنا النظرية الماركسية والنظرية الغربية في عداد نظريات العامل الطبيعي، من حيث إنها تجاوزت إرادة الإنسان وأعادت المشكلة إلى عوامل طبيعية فقط.

أما النظرية الإسلاميّة فلما سجلت لإرادة الإنسان دورها الأساسي في الصراع فهي إذن من صنف نظريات العامل الإنساني.

2 _ هل تؤمن النظرية الإسلاميّة بحتمية الصراع السياسي كما لاحظناه في النظرية الماركسية، والنظرية الغربية؟

ربما تكون النظرية الإسلاميّة أقرب إلى النفي على خلاف الماركسية، والنظرية الغربية.

إن الطبقة، ومن ثم الصراع الطبقي، ليس فرضاً على الإنسان، ولا هو أثر طبيعي لتطور وسائل الإنتاج وتناقضها مع طرق التوزيع السابقة.

كما أن الطبيعة لا تجر الإنسان إلى دوامة الصراعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كما تصوّره الغربيون، فالإنسان هو القادر على استثمار الطبيعة بالشكل الذي يغطي كل حاجاته الأوّلية والثانوية.

إن الاستخدام غير الصحيح للحريّة وتكذيب الإنسان بدعوات الأنبياء هي التي مزقت أوصال الوحدة الإنسانية وكان بحاجة إلى عشرات القرون وآلاف الأنبياء والمصلحين حتّى يعي حقيقة حاجته إلى المرشد الإلهي والتشريع الإلهي معاً.

وكان الصراع يمثل ضرورة مرحليّة _ وليست مطلقة _ حتّى تكتمل عملية الاختبار البشري الحر لمختلف الاتجاهات والطرق.

]قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَْرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ[.([28])

ولقد كان في مستطاع الإنسان أن يتغلب على مشاكله السياسية والاجتماعية لو أصغى إلى دعوات الأنبياء.

]وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ[.([29])

إن الصراع السياسي _ وليس الخلاف السياسي _ هو حالة غير صحيّة يعيشها المجتمع الإنساني ومن هنا يجب العمل على التخلص منها وليس العمل على ترسيخها وتعميقها كما دعت إلى ذلك الماركسيّة والغربيّة معاً، ومن هنا كانت جهود الأنبياء المصلحين باتجاه استئصال أسباب الصراع السياسي وتكوين المجتمع الوحدوي العالمي.

ويحسن بهذا الصدد أن نقرأ نصاً للعلامة الطباطبائي حيث يتحدّث عن وجهة النظر الإسلاميّة حول ذات الإنسان واعتبار الصراع البشري، والضلال عن الحق هو عملية طارئة على الإنسان وليست ضرورة، يقول:

(يظهر من الأخبار أن الله سبحانه خلق الإنسان على دين الفطرة أي أنه لو خلي وطبعه أذعن بالحق واعترف به، ثمّ إنه لو وقع في مجرى معتدل في الحياة رسخت في نفسه صفات وملكات حسنة كالعدل والإنصاف ونحوهما وتمايل إلى الحق كما اعترف في نفسه بإجماله.

وإن وقع في مجرى الهوى والشهوات ومباغضة الحق رسخت في نفسه ملكة العصبية الجاهلية والعناد والطغيان وهو المراد بالنكتة السوداء وزالت عنه صفة الإنصاف والميل إلى الحق…).([30]) .