الرئيسية » مقالات » الذكرى الثالثة والتسعون على إبادة الأرمن والآثوريين

الذكرى الثالثة والتسعون على إبادة الأرمن والآثوريين

عاش الأرمن إلى جانب شعوب المنطقة من الكرد والآثوريين وأقوام أخرى في البقاع التي تعرف الآن بالأناضول الشرقية منذ آلاف السنين، إلى جانب الأغريق الذين عاشوا في المنطقة الغربية من الأناضول. وعاشت هذه الأقوام لقرون موغلة في القدم إلى أن بدأت موجة الهجرة المغولية لقبائل الأوغوز إلى الشرق الأوسط ، حيث أقاموا أول إمارة عسكرية لهم في بتيينا شمال الأناضول، وأمام جزيرة القرم في عام 1237 ميلادية. وتمكنت هذه الإمارة العسكرية من إزاحة السلاجقة في عام 1300 ميلادية من كل مناطق الأناضول، ثم احتلوا كل مملكة بيزنطة في عام 1361. واستطاعت هذه القبائل توسيع نفوذها في البلقان وتشكيل ما عرف بقوات الإنكشارية التي تحددت مهمتها في توسيع مناطق نفوذها وتتريك الشعوب المقهورة وفرض سيطرة القبائل التركمانية على البقاع التي تمت السيطرة عليها. وانتهى الأمر بهؤلاء إلى احكام السيطرة على كل مناطق بيزنطة بعد أن احتل محمد الفاتح (1451-1481) القسطنطينية في سنة 1453، كي ينهي بذلك أي أثر للوجود البيزنطي في المنطقة.
واعتمدت الدولة الجديدة سياسة التطهير العرقي كنهج ثابت في سياستها رغم التحولات التي رافقت وجودها، ورغم تحولها في القرن العشرين إلى جمهورية بعد ثورة “تركيا الفتاة” التي أطاحت بالدولة العثمانية بقيادة “الاتحاد والترقي”. وهكذا تحولت أقوام وشعوب بكاملها، وبين ليلة وضحاها، من التي أصبحت تحت سيطرة السلاطنة العثمانيين إلى أتراك، حيث نسوا لغتهم وثقافتهم وتاريخهم بقوة السلاح وبينهم الأغريقي والبلغاري والأرمني والكوردي والعربي والصربي، ضمن توجه لبناء دولة عرقية نقية. ولم تسلم بالطبع منطقة أناضول الشرقية ذات الغالبية الأرمنية من هذا المصير. ففي عام 1875، قامت الدولة العثمانية بحملة تطهير هذه المنطقة من الأرمن، حيث تم سفك دم 20 ألف أرمني، وهي المجزرة الأولى ضدهم. ولم تتردد الدولة العثمانية بالاستفادة من أقوام مظلومة في شن هذه الأبادة العرقية، مستغلة مشاعر دينية وقومية. فقد جندت الدولة العثمانية بعض العشائر الكردية ضمن فصائل للفرسان سميت آنذاك بـ”حميديه سوارى آلايلارى” لتنفيذ هذه المهمة. وأعقب ذلك المجزرة التي ارتكبها السلطان عبد الحميد في أعوام 1894-1896 والتي راح ضحيتها 150 ألف أرمني. لقد استبشر الأرمن بثورة تركيا الفتاة في عام 1909 وانهيار السلطنة العثمانية. إلا أن هذه الفرحة لم تدم، إذ سرعان ما قامت السلطة الجديدة بارتكاب مجزرة في مدينة أضنة راح ضحيتها 20 ألف أرمني.
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، اشتدت حملة التطهير العرقي لتشمل الآثوريين إلى جانب الأرمن. فقد استغلت السلطة الجديدة ظروف الحرب ووقوع الأرمن



الأرمن والآثوريين في أيام الهجرة العصيبة في عام 1915
التي تذكرنا بالهجرة الجماعية للأكراد العراقيين أثناء الإنتفاضة في عام 1991

بين فكي الأتراك والروس، وانحياز فريق منهم إلى جانب القوات الروسية في هذه الحرب كي تقوم بارتكاب المجزرة المعروفة في 24 نيسان عام 1915 ضد الأرمن ثم الآثوريين. ففي ذلك اليوم أقدمت السلطات التركية على اعتقال 600 من وجوه الأرمن ومثقفيهم في اسطنبول وأمرت بإعدامهم جميعاً. ثم قامت بإعدام كل المجندين الأرمن والآثوريين في الجيش التركي، إلى جانب تهجير المدنيين منهم إلى إيران وسوريا والعراق ولبنان. وشمل التهجير كل المدن التركية وطال حتى ساكنيها من الكرد أيضاً حتى عام 1923، عام تأسيس الجمهورية التركية. ولم يأت ارتكاب هذه الجرائم من فراغ، بل جاءت نتيجة لتهيئة فكرية وديماغوغية قومية متطرفة وغلو عرقي طغى على الشارع السياسي التركي، حيث قمع التفكير العقلاني الإنساني التقدمي التركي وحتى الآن. فقد جرت لاحقاً عملية وحشية حيث شُدّ جميع قادة الحزب الشيوعي التركي وربطت بهم ثقالات وتم رميهم جميعاً من علو صخرة تطل على خليج البوسفور. كما تم إسقاط الجنسية عن شاعر تركيا الكبير ناظم حكمت، وأودع السجون تباعاً كل رموز التنوير الأتراك ومنهم الكاتب الكبير عزيز نسين وآخرين. إن ما حدث هو مشابه لما جرى عندنا في الدول العربية حيث أخذت الطبعة التركية للغلو تصبغ بصبغة الغلو العرقي العربي. كما يشبه هذا بما يجري في حاضرنا من ترويج الغلو الديني المذهبي الذي يستخدم كوسيلة لمحو واستئصال الآخرين واقصائهم.
إن هذا التطهير العرقي الذي جرى في تركية غيّر كلياً من التركيب الديموغرافي لمواطني الجمهورية التركية، وأفقدها الغنى الثقافي والمعرفي للقوميات الأخرى. فقد تم إبادة أكثر من 2 مليون نسمة من الأرمن من القاطنين في أناضول الشرقية وتفريغها من سكانها. ولم يعد يسكن هذه البقاع أي أحد حتى السنوات الأخيرة. وطمرت هذه الموجة المشينة خلال السنوات الثمانين كل أثر للأرمن والآشوريين في هذه المناطق، ومن ضمنها تدمير كل المباني والآثار الثقافية وتغيير أسماء تلك البقاع، ناهيك عن دمار آثار فنية وأدبية وكنوز لا تقدر بثمن إلى جانب قتل رموز الأبداع لدى هذا الشعب المعروف بنتاجاته الإبداعية.



صورة من صور الإبادة الجماعية للأرمن والآثوريين في تركيا

إن الدولة التركية الحالية والقوميون المتطرفون فيها يعترفون بما جرى من قتل للأرمن في تلك الفترة، إلا أنهم لايعتبرون ذلك ضرباً من الإبادة الجماعية، بل هي جزءاً من الصراعات السياسية الداخلية والإقليمية، على شاكلة ما يتذرع به القوميون المتطرفون عندنا في العراق بنفس الأسباب لتبرير حملة الإبادة ضد الأكراد في حلبجة وعملية الأنفال، ولذا لايقدمون أي اعتذار ولا ندم على ما فعله أسلافهم. ولكن هذا الموقف لحكام تركيا المتعاقبين يتناقض حتى مع ما حكمت به المحاكم التركية نفسها في تلك الفترة. فيشير عالم الاجتماع التركي تانر آكجام، في معرض دراسته لتلك الأحداث وبالاستناد إلى الوثائق الرسمية التي عرضت على المحكمة العسكرية التركية الخاصة بتلك الأحداث في سنوات 1919- 1922، إلى أن اللجنة المركزية “للاتحاد والترقي” التي كانت تترأس الحكومة العثمانية قد اتخذت قراراً بإبادة الأرمن، وإن كل من اسماعيل أنور باشا ومحمد طلعت باشا وأحمد جمال باشا، وجميعهم كانوا أعضاء في مجلس الوزراء آنذاك، قد أُعتبروا مذنبين وحكم عليهم غيابياً بالإعدام.
وعلى الرغم من الفظائع التي ارتكبت ومازالت ترتكب على طريق الإبادة الجماعية العرقية أو الدينية في مختلف أنحاء العالم، إلا أن المجتمع الدولي والمنظمات الدولية مازالت عاجزة ومترددة في ردع وإدانة مرتكبيها. ويعود ذلك أما إلى أن العديد من الدول ضالعة سابقاً أو حتى الآن في هذا النهج، أو إلى أن “الإعلان العالمي لتفادي الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها” الصادر في عام 1948 مازال يحوي ثغرات تستغل كي يجري التردد في معاقبة من يتورط بهذه الجرائم أو التستر عليها.
لقد كان تأسيس “المحكمة الجنائية الدولية” في عام 2002 خطوة إلى الأمام لردع من يرتكب مثل هذه الجرائم. وقد وافق على قرار تأسيس المحمكة 105 من أصل 192 من مجموع الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة. وعارض تشكيل المحكمة كل من الولايات المتحدة، التي تخشى إثارة مشكلة الإبادة الجماعية للهنود الحمر، وإيران التي تخشى إثارة قمعها للمجاميع الأثنية والدينية والمذهبية، وإسرائيل التي تخشى أدانة سطوها على فلسطين وتشريد الشعب الفلسطيني، والعراق (في عهد صدام حسين) الذي كان يخشى من إثارة الإبادة العرقية والمذهبية الجماعية، والصين التي تخشى إثارة قمعها للمجاميع الأثنية في البلاد ومشكلة التبت، وروسيا التي هي الأخرى لاتريد إثارة مشاكل المجاميع القومية في البلاد، وتركية الغارقة في سوابق الإبادة العرقية، وسورية التي تضطهد الكرد في بلادها. كل هذه الدول تتشبث بذرائع السيادة الوطنية على أراضيها من أجل التغطية على خروقات فضة في السابق أو الآن لحقوق المجاميع الأثنية والدينية في بلدانها.
إن هذا التملص من الحساب يتطلب تطوير مضامين “الإعلان العالمي لتفادي الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها”، إضافة إلى تطوير وصلاحيات المحكمة الجنائية الدولية كي تشمل جميع أنواع الإبادة العرقية والمذهبية والسياسية أيضاً. فالإعلان العالمي يحدد الجرائم المرتكبة ضد المجاميع القومية والعرقية والدينية على الأسس التالية:
– قتل أعضاء هذه المجاميع
– توجيه صدمة أو أذى جسمي بهؤلاء الأعضاء
– فرض شروط على حياة هؤلاء ما قد يؤدي إلى إبادتهم كلياً أو إلحاق الأذى بهم جزئياً
– فرض شروط لمنع أي زيادة في نفوس هذه المجاميع
– نقل الأطفال لتربيتهم في أحضان مجاميع عرقية أخرى
وإذا ما جرى اعتماد هذه المعايير فقط، فستكون الحكومة العثمانية بمنأى عن الإدانة، لأنها ستدّعي إنها قامت أو تقوم بذلك لدوافع سياسية بحتة وليست بدوافع الإبادة العرقية للأرمن كعرق. كما لا يمكن ضمن هذا التعريف أن تتم مساءلة سوهارتو والحكومة الأندنوسية عن جرائم قتل أرتكبت بحق مئات الآلاف من أعضاء الحزب الشيوعي الأندنوسي أثر انقلاب عام 1965 باعتبار أن ذلك يرجع إلى أسباب سياسية. كما لا يمكن مساءلة حزب البعث وحرسه القومي عن أعمال القتل الجماعي التي طالت الآلاف من الشيوعيين العراقيين في انقلاب شباط عام 1963، ولا عن مأساة حلبجة والأنفال التي طالت الكورد العراقيين، والتي أدعت الحكومة إنها نفذتها لأسباب تتعلق بالحرب العراقية الإيرانية، ولا المذابح التي أرتكبت من قبل حكومة البعث في انتفاضة آذار عام 1991. كما يصبح من غير الممكن على هذا الأساس مساءلة من أرتكب جرائم الإبادة التي طالت عشرات الآلاف من شيوعيين وغير شيوعيين لدوافع سياسية في الاتحاد السوفييتي في أثناء حكم جوزيف ستالين.
وكما يشير المؤرخ في جرائم الإبادة الجماعية ليو كوپر إلى أن الدول تحتفظ بحقها بممارسة الابادة الجماعية، ولا تستطيع هيئة الأمم المتحدة أن تفعل شيئاً أزاء هذه الممارسات. فلم تستطع هذه الهيئة الدولية وقف عملية الأنفال التي نفذها حكم البعث في العراق ضد الأكراد في عام 1988، ولا القتل الجماعي والتطهير العرقي في البوسنه والهرسك في 1992-1995، وفي رواندا في عام 1994 وفي السودان في دارفور.
كما يشير المؤرخ في شؤون الإبادة الجماعية مارك لوين إلى أن تكوين الدولة والأمة العثمانية حول منطقة الأناضول الشرقية ومناطق أخرى من البلاد في أعوام 1878-1923 إلى ميدان للتطهير العرقي راح ضحيتها الأرمن والآشوريين والكرد واليونانيين والعرب.
إن هؤلاء الحكام المتطرفون من أنصار التطهير العرقي لايدركون أن الأقوام والقوميات وثقافاتها وتقاليدها هي حصيلة عملية تاريخية طويلة الأمد ولها جذورها في وجدان الناس بحيث يصبح من العسير على الغلو القومي والديني والتطرف القائم على شحن شعارات النقاء العرقي أن يزيل ويمحي من وجدان هذه المجاميع البشرية أصالتهم وثقافاتهم وتقاليدهم.

29/نيسان/2008