الرئيسية » مقالات » بمناسبة الأول من أيار : الطبقة العاملة والمعارضة السورية غياب أم تغييب

بمناسبة الأول من أيار : الطبقة العاملة والمعارضة السورية غياب أم تغييب

تشكل الطبقة العاملة والفئات الكادحة من عمال زراعيين والشغيلة المياومة في أطراف وضواحي المدن والمراكز الحضرية ومجموعات المتعلمين ذات الجذور الريفية الباحثة عن العمل النسبة الأعلى بشريا وحضورا في مجتمعاتنا الشرق أوسطية ومن بينها بلادنا سوريا والأكثر مصلحة في حصول التغيير الديموقراطي والخلاص من الاستبداد والاضطهاد الطبقي والتمييز الاجتماعي وتحقيق المساواة والعدالة واذا كانت دوافع الأنظمة المتعاقبة في قهرها وتهميشها أو تدجين نشطائها واضحة لكونها رأس الحربة في عملية التغيير لما لها من ثقل اجتماعي وتوزع جغرافي كثيف على مستوى البلاد وبما تخبىء من طاقات ثورية وتاريخ كفاحي حافل بالثورات والانتفاضات على المستوى الكوني ودور مميز في معارك الاستقلال الوطني ومواجهة الاستعمار وصيانة السيادة والاستقلال وتحقيق المكاسب والانجازات في نضالها المطلبي طوال تاريخ سوريا الحديث فان من غير المفهوم انكفاء دور الطبقة العاملة وسائر الكادحين بمجهوداتهم الجسدية والذهنية في العملية السياسية الراهنة وخاصة ضمن حركات المعارضة الوطنية الباحثة عن التغيير مما حرمها من أهم شروط انتصارها على الصعيد الوطني .
ابان مرحلة الحرب الباردة وخلال حقبة نهوض حركة التحرر الوطني دأبت الأحزاب والحركات السياسية السورية على رفع شعارات تمجد الطبقة العاملة وتتبارى في الاشادة بدورها والسير على خطاها بل بقيادتها زاعمة تمثيل مصالحها والعمل من أجل تكريس دولة العمال والفلاحين المستقبلية على غرار ماتم في دول المعسكر الاشتراكي السابق قبل الانهيار والتي كانت تقودها أنظمة من المفترض أنها عمالية تجسيدا لنظرية دكتاتورية البروليتاريا المثيرة للجدل في حين أنها سقطت بمعول العمال بالذات عبر المظاهرات والاعتصامات والمواجهات الهادفة الى الحرية المفقودة والديموقراطية المغدورة كما الثورة الاشتراكية التي تبخرت برامجها الواعدة وانحسرت مهامها الطموحة بعد تسلم السلطة وظهر أن الطبقة العاملة البائسة في تلك البلدان لم تكن حاكمة بالمعنى الفعلي للكلمة بل أن النخب البيروقراطية الحزبية المؤدلجة كانت تحكم باسمها تحت يافطات النقابات المتعددة الأسماء والمسميات والتي تحولت بدورها الى مؤسسات فوقية تفصلها مسافات شاسعة عن القواعد العمالية ومصالحها الطبقية والاجتماعية وأهدافها السياسية التي تعبر عادة عن مصالح ومطامح الأغلبية الساحقة من الطبقات الشعبية على الصعد الوطنية والقومية والأممية .
في تلك المرحلة ركبت الأنظمة البورجوازية ” الوطنية !” الحاكمة في سورية ومصر والعراق والجزائر واليمن الجنوبي وليبيا والسودان موجة التغني بالطبقة العاملة لاستمالتها وضمان ولائها عبر استيعاب الأحزاب الشيوعية في هذه البلدان بواسطة العصا والجزرة من خلال جرها الى التحالفات والجبهات الشكلية بعد أن ضمنت موافقتها على الرضوخ لشرعية الأحزاب الحاكمة وتفردها في اقامة وقيادة المنظمات باسم النقابات العمالية والمهنية والتنظيمات ” الشعبية !” التي كان بعضها شبه عسكرية ومن صلب أهدافها الحفاظ على الأنظمة ” التقدمية !” ومن الملفت أن تلك التشكيلات كانت تتصدرها قيادات قطرية في حالة البعثين السوري والعراقي الحاكمين وأعضاء المكاتب السياسية واللجان المركزية للأحزاب الحاكمة في حالات أخرى أما من شذ عن المتبع من مناضلي وقادة الطبقة العاملة الحقيقيين فمصيره الموت كما حصل مع النقابي الكبير عبد الخالق محجوب في السودان وشهدي عطية في مصر والقائد العمالي اللبناني البارز فرج الله الحلو وكما حصل أيضا وفي حالة أخرى مغايرة مع رئيس عمال العراق البعثي محمد عايش الذي يقال أنه تصور أن يكون نقابيا حتى في الحدود الدنيا أو السجن والتشرد كما حصل مع خالد الجندي البعثي الماركسي السوري الذي اتهم بالانحياز الى صفوف العمال هذا اضافة الى تصفية الآلاف من المناضلين النقابيين من شيوعيين وغيرهم وبينهم نقابييون سورييون أو من يعبرون عن مصالح العمال حرموا حتى من لقمة العيش الكريم الذين لم يخونوا طبقتهم ولم يستسلموا للاغراءات والخوف .
ان ما آلت اليه حالة الطبقة العاملة السورية ونقاباتها ومنظماتها من انقسام وجمود وتقهقر لاتختلف كثيرا عن الحالة العامة للحركة الوطنية السياسية في البلاد التي تعاني القمع والاكراه والتجاهل منذ عقود في ظل أنظمة الاستبداد وتحديدا منذ انقلاب البعث وتسلطه على مقدرات البلاد ومصير العباد ولم تنفرد غالبية النخب العمالية وكوادر النقابات العريقة بالاستسلام أمام سطوة واغراءات السلطة الاستبدادية الحاكمة بل سبقتها الى ذلك قيادات القوى السياسية المحسوبة على اليسار وعلى رأسها الشيوعييون والحركة الديموقراطية التي فقدت استقلاليتها مبكرا وخرجت من صفوف الشعب وجماهير الكادحين لتنخرط صاغرة الى جبهة النظام دون أية مشاركة فعلية في السلطة والقرار كشاهد زور ليس الا بعد أن عجزت رغم كل محاولاتها ومنذ عقود عن تقديم التبريرات المنطقية والحجج الفكرية والسياسية في انتقالها المشين هذا الذي أفقدها ثقة الشعب وولاء مناصريها ووضعها في مأزق لايحسد عليه مازالت آثارها التدميرية تتفاقم وتنعكس على دورها وحجمها التنظيمي الهش وصدقيتها المفقودة حتى الآن .
في المشهد السوري الراهن وما يتميز به من بداية حراك مجتمعي مضاد لنهج نظام الاستبداد الذي وصل الى الطريق المسدود داخليا وعربيا ودوليا ومن بوادر نهوض واعد لتيارات ديموقراطية معارضة تحاول جاهدة صياغة مشروعها الوطني للتغيير رغم كل الصعاب تبرز بالحاح مهمة البحث عن دور الطبقة العاملة السورية بكل فئاتها بما فيها مثقفوها وسائر الكادحين من عمال زراعيين ومحرومين في عملية التغيير والتي تشكل أكثر من الثلثين في النسيج الوطني العام من النساء والرجال والشباب وتتواجد في كل المناطق والمواقع الانتاجية والاقتصادية والحياتية والخدماتية وفي مختلف القطاعات والادارات وهي كما ذكرنا في مقدمة المتضررين من نظام الاستبداد ومن صلب مصالحها تغيير الوضع اليوم قبل الغد آخذين بعين الاعتبار حقيقة نجاح النظام في تحييد هذه الطبقة وابعادها عن الهموم السياسية نتيجة الافقار والاهمال والتجاهل واشغالها بالوضع المعيشي من جهة أخرى فان أبناء هذه الطبقة باتوا حذرين من العمل الحزبي في السلطة والموالاة والمعارضة بعد التجارب المريرة التي مروا بها لذلك لن يكون الأمر سهلا بجذبهم مجددا الى مراكز النشاط السياسي المعارض وزج طاقاتهم الهائلة في مجرى العملية التغييرية الا بتحقيق جملة من الشروط ومن أهمها توفر البرنامج السياسي ضمن مشروع وطني متكامل واضح وشفاف يأخذ مصالح الكادحين بعين الاعتبار وصيغة لدستور علماني عصري حديث لسوريا المستقبل يلبي الطموح الشعبي ويعكس واقع التعددية القومية والثقافية للمجتمع السوري بما في ذلك ضمان حقوق الشعب الكردي القومية المشروعة وتحالف جبهوي معارض موحد لايستبعد منه أي طرف وطني صادق بمعزل عن رموز التيارات الدينية والمذهبية الأصولية المفرقة للصف الوطني أو الذين تلوثت أياديهم بممارسات جرمية واقتصادية بحق السوريين ويحاولون الآن التسلل الى صفوف المعارضة في غفلة عن الزمن ودون ممارسة النقد الذاتي والاعتراف بالخطايا .
علينا قول الحقيقة وبكل صراحة حتى لو كانت مرة وهدفنا في ذلك اعادة البناء السليم للانطلاق نحو التغييرأن كل ما ترمز اليه المعارضة الراهنة حتى الآن في الداخل والخارج من برامج واجندات وقيادات وممارسات واعلام لاتطمئن الطبقة العاملة السورية فحسب بل تزيدها نفورا من كل الدعوات المعارضة وتثير في نفوسها الخوف والقلق من ماض مرير ومستقبل أشد سوداوية وتدفعها الى العزلة أكثر ولاشك ان هناك سبل لتبديل هذا الواقع المؤلم خاصة وأن المعارضة الوطنية بأمس الحاجة الى دعم الشعب صاحب قضية التغيير وانخراط الجماهير وقود التغيير السلمي في العملية السياسية ولنا من تجربة الجماهير الكردية المحرومة بتضحياتها ومبادراتها المتقدمة المثال الأقرب حديثا في هبة آذار عام 2004 في القامشلي وكوبانية وحلب وعفرين وزورافا وكذلك في نوروز العام الجاري في القامشلي حيث كان الشهداء والجرحى والضحايا من أبناء الطبقات والفئات العمالية الكادحة كما أن تمثيل الأغلبية الشعبية في مؤسسات المعارضة الوطنية يشكل الضمانة الحقيقية لديموقراطيتها التوافقية وجماعية قيادتها والمشاركة العادلة في صنع قرارها أولا وفي التوصل الى الدستور التوافقي والبرنامج الوطني المشترك المعبر عن مصالح ومطامح الأغلبية الساحقة من جميع الأطياف والتيارات والمجاميع دون استئثار هذا الطرف أو ذاك وهو مبعث اطمئنانها ثانيا وكذلك في مواصلة النضال من أجل تطبيقه دون تردد بما في ذلك استنهاض الهمم والتحضير للمواجهة السلمية الشاملة عبر أشكالها المتعددة من اضرابات واعتصامات وعصيان مدني وتحقيق التغيير المنشود في اطار الوحدة الوطنية وسلامة وحدة وسيادة واستقرار البلاد ثالثا .
ان أرفع تكريم للعمال السوريين في عيدهم العالمي هوالمراجعة النقدية الجادة من جانب الحركة الوطنية بتياراتها اليسارية والديموقراطية في تقصيرها تجاه فهم الطبقة العاملة والتفاعل معها وأسباب الابتعاد عنها والتواصل من جديد في خوض عملية فكرية وثقافية قد تقصر أو تطول لترميم ما هدم ومن أجل اعادة تعزيز دورالعمال التاريخي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي ومشاركتهم الفاعلة في عملية التغيير الديموقراطي وفي تقرير مصير البلاد ورفعة الوطن .