الرئيسية » مقالات » كاكه حمه ويس والمجنون في لندن

كاكه حمه ويس والمجنون في لندن

 


ضحك كاكه حمه ويس عندما صادف شخصا غريبا عاقلا من العراق في لندن يطلب منه المساعدة في ان يكون مجنونا ، قلت له وهل انت عاقل حقا كي تطلب مني ان اساعدك كي تصبح مجنونا ومعوقا بالجنون ، فرد علي وهل تعلم ان حقوق المعوق المجنون في هذا البلد افضل من حقوق كل العلماء وكل العقلاء غير المعوقين في بلدي العراق ، وكيف اساعدك لكي تصبح مجنونا وما هو المطلوب مني ان افعله لك ، فقال اريد منك ان تكمل لي جميع هذه الحقول في استمارة المعوقين بحيث تتطابق مع مواصفات المجانين .

ضحك كاكه حمه ويس وقال له وكيف لي ان اعرف مواصفات المجانين فقال هذه عملية بسيطة انت اسالني السؤال المكتوب في هذه الاستمارة وعربه لي وانا سارد لك الجواب مثلما نفكر فيه نحن العراقيون في العراق العظيم وعند ذلك سيكون مطابقا لمواصفات المجانين في هذا البلد . قلت له هل بامكانك ان توضح لي اكثر ، فقال هذه جدا سهلة ، مثلا عندما تقدم اوراقك باعتبارك مواطن عراقي عاقل وغير مجنون ولست معوقا وبكامل قواك العقلية ، تقدم طلبا للحصول على الجواز العراقي من نوع G في السفارة العراقية في لندن وتستوفي كل الشروط وعندما يسلمونك وصل استلام المعاملة والملف ستنتظر ما بين ستة اشهر وسنة وعندما تمل من المراجعات وتلعن اليوم الذي اصبحت به مواطنا عراقيا وبعد ان تصاب بالاحباط والجنون وتصيبك الوساوس وياتيك الجن وتسمع الاصوات الغريبة التي تجبرك على الانتحار تضطر ان تسمع نصيحة اصدقائك الخبراء بان تدفع رشوة الف دولار واصلة الى بغداد ويرسلون لك جواز السفر بالبريد السريع الذي يسمونه DHL . بربك هل يوجد عاقل في اي دولة في العالم يحصل على جواز سفره بهذه الطريقة ، ضحك كاكه حمه ويس وقال له ، ولكن هذا ليس ذنبك وانت لست المجنون في هذه الحالة ، اعتقد ان السفارة العراقية والعاملين فيها هم المجانين والحكومة التي تدير شئونها هي المجنونة فرد علي وهل تعتقد ان السلطات في هذا البلد سيصدقون ان سفارتنا مجنونة وانا العاقل الوحيد .

قلت له وماذا عندك غير ذلك فقال انا مصاب بداء جنون الوطن وعظمائه ، قلت له وكيف عرفت انك مصاب بهذا الداء ومن هم العظماء الذين تأثرت بهم ، فقال العراق كله عظماء وفي بلدي ، كل من فيه يدعي العظمة حتى اصبحت كل عظام العظماء في مقابرنا الجماعية التي اصبحت هي الاخرى عظيمة بكبرها وطولها وعرضها حتى صارت تسمى المقابر الجماعية العظيمة وايضا عندنا حي اسمه الاعظمية وعندنا امام اسمه الامام الاعظم ويرقد في الاعظمية منذ اصبح عظيما في زمنه انذاك ، ضحك كاكه حمه ويس وقال له لم افهم قصدك هل لك ان توضح لي ما تريد ان تصل اليه من الكلام .

فقال لي هل انت عظيم وتحب العظماء فقلت له انا كاكه حمه ويس رجل بسيط ولست عظيما ولا شأن لي بالعظماء ، فقال لي والحسرة تأخذ لبه لقد جعلنا من ابي العباس السفاح في العصر العباسي عظيما لانه كان ياكل الغداء على جثث قتلاه وجعلنا من الحجاج المجرم عظيما وشاعرا فذا لانه كان يقتل من دون رحمة ، وجلعنا من ناظم كزار اعظم مدير أمن في العراق وكان اخر العظماء هو العظيم صدام حسين حيث من كثرة عظمته عمل له العقيد القذافي تمثالا في ليبيا بينما في العراق اكلته الكلاب السائبة وعملوا له قبرا وهميا لا يوجد فيه اي اثر لابن العوجة العظيم . هذا هو حال العظماء في عراقنا واليوم بدأت سلسلة العظماء تكمل بعضها البعض ، وما عليك الا ان تعرف كم عدد قتلى العظماء الجدد .

ضحك كاكه حمه ويس وقال له وهل تعرف ان العظمة هي بالوراثة ، يعني بعد كل عظيم سياتي عظيم مشابه له في القتل والرعونه ويصبح سيدا على شعبه وجلادا لهم في نفس الوقت ، ضحك صاحبنا هذه المرة وقال لي وهل تعتقد انك عاقل يا كاكه حمه ويس ، الم تسمع بالمثل الذي يقول العاقل بين المجانين مجنون ، ان الجنون افضل من العظمة وان المجنون افضل من الطاغية ولهذا قررت ان اصبح في هذا البلد مجنونا بعد ان كنت عاقلا في بلدي .

ضحك كاكه حمه ويس مرة اخرى وقال له وهل تعرف ماذا يقول المثل الشعبي العراقي عن المجنون ،المسودن علجه ترس حلقه اي ان المجنون لبانه ملئ فمه ، فما عليك اذا اردت ان تصبح مجنونا الا ان تذهب وتشتري علبه لبان وتمضخها باكملها من دون توقف حتى يعرف العالم انك مجنون .

تعجب صاحبي لمعرفتي بالامثال الشعبية العراقية ورد علي قائلا ولماذا اللبان والعلكة ، الا تعتقد معي ان البلد الذي يقتل من ابناءه يوميا بين عشرة ومئة شخص من الاطفال والنساء والمدنيين لم يبق فيه بشر عقلاء ولم يبق فيه للعقل قيمة ، ان الانسانية ماتت والمشاعر دمرت والخيرات نهبت والاشجار يبست والانهار جفت والاهوار هجرت والشعب العراقي كله في وادي والحكومة العظيمة كلها في وادي اخر .

ضحك كاكه حمة ويس وقال له شر البلية ما يضحك يا صديقي ، في بلادنا يا صديقي تقلبت احوالنا من سافل لأسفل ، وصار سكان الحضيض ينظرون لنا من عل ولم يبق عند الناس شئ من الحياء وجفت في عروقهم معاني الخجل ومثلما يقول الشاعر ان قادتنا اليوم هم من الطراز الامثل هم مثل مزعة ليس بها سوى رؤوس البصل

تألم كاكه حمه ويس لهذا الرجل الذي يفضل ان يكون مجنونا في بلد العقلاء بعد ان كان عاقلا في بلد صار يقوده المجانين وتألم لما وصل اليه حال العراق والعراقيين تحت امرة الطغاة الجدد والجهلة والمتخلفين ومما يؤسف له ان تلك الربوع قد خلت الا من التدليس والبهتان بعد ان كانت بلد الرشيد منارة العلم والعرفان صار يتحكم بها المهووسون بالجن والجان ، وصار في بلدي يبرر البغي حتى يوهموا الباغي بجدوى البغي والعدوان ، يعتقد الطغاة ان الجو قد صفا لهم فاصبحوا صعاليك وتسيدوا على ابناء شعبهم حتى صار دم الشعب وسفكه عليهم حلال

وقبل ان اودع صاحبي الغريب الذي يريد ان يصبح مجنونا في لندن بعد ان سدت بوجهه كل الابواب قلت له بعض ابيات من شعر المرحوم الدكتور زاهد محمد زهدي عن العراق حيث يقول فيها

كنز من الخير مدفون بتربتــــها … والناس جوعى وحق الشعب مهتضم
إرث من الفكر والتاريخ ابدعــه … جيل فجيل محـــــــــاه الظلم والظلم
هذا العراق سليل المجد صورته … في العالمــــين غدت شوهاء ترتسم
فوق المشانق احرار معلقـــــــة … وفي القصــــــــور بغايا حظها النعم
دارت عليك وللايام حكمتــــــها … تعطي وتمنـــــــــع او تعفــــو وتنتقم
يا للشـعار الذي رددته زمنــــــا … جئنا لنبقى الآ جئتــم لتنــــــهزمــــوا
وللهزيمة حكم ان فارســـــــهــا … لا بد يوما يواري ذكـــــــره العــــدم