الرئيسية » الآثار والتنقيبات » القشلة التراثية في كركوك …

القشلة التراثية في كركوك …

أصل اللفظة القشلة :-
(القشلة) كلمة تركية محرفة من (قيشلاق) بمعنى(المشتى) أي المكان الذي يستفاد من مائه وكلأه في موسم الشتاء وكانت الدولة تخصص مثل هذه الأماكن المتواجدة في القرية أو المحلة للساكنين فيها لقاء رسم يسمى في الإصطلاح العثماني(قيشلاقية)… ثم حرف إصطلاح(القيشلاق) إلى القشلة، وأطلق عليه الثكنة العسكرية.
بناية القشلة:-
تقع هذه القشلة المسماة(عزيزية قيشله سي) والتي تمثل قيمة معمارية نادرة في العالم ونريده في العراق، بجوار السراي القديم المسمى(مجيدية سراي) .
تقع هذه البناية في مركز مدينة كركوك الحالي على القطعة المرقمة 19 ومقاطعة 66 صاري كهية عند ملتقى ستة شوارع حيوية تبلغ مساحتها الكلية خمسة دوانم وخمسة أولكات تتكون بناية القشلة من ثلاث وسبعين غرفة أضيفت لها غرفتان في الطابق العلوي عند الواجهة الأمامية وفوق الباب الرئيسي المطل على الشارع.
وهناك غرف متداخلة مع بعضها البعض بما يتجاوز عددها جميعا الثمانين، بالإضافة إلى تسع قاعات كبيرة وسبعة أماكن ومحلات خاصة كانت مخفية عن الأنظار. وبذلك يقرب عدد غرف القشلة من مائة غرفة …

وتشتمل هذه القشلة على فناء واسع كان في وسطه حوض شيد عليه جامع في سنة 1912 بتبرعات الأهلين كما جاء في جريدة(حوادث) الكركوكية الصادرة بالعدد المؤرخ في 9 حزيران 1328 الرومية، ولا يشاهد في الوقت الحالي أثر لهذا الجامع الذي أزيل عن الوجود بعد الحرب العالمية الأولى حسب رواية المعمرين .
وللقشلة ثلاثة أبواب ؛ أحدهما هو الباب الرئيسي المطل على الشارع العام من جهة الجنوب ، وأما الآخران فيقعان على الجانب الغربي من البناية ، وهذه الابواب أشتهرت بأسماء(بياره قبوسي) بمعنى باب المشاة ، و(سواري قبوسي) بمعنى باب الخيالة و(أرقة قبو) أي الباب الخلفي … وكان جناح الخيالة يشغل في حينه حيزا كبيرا من ثكنه. وقد تم فصل هذا الجزء من بناية القشلة وخصص لأغراض أخرى .
وذكر لي بعض الأشخاص أن هذه القشلة كانت تحتوي على نفق كبير يمتد إلى محلة(شاطرلو) حيث تقع فيها دار قائد الفرقة . فكان القائد عند ذهابه إلى القشلة وإيابه يمر من هذا النفق ممتطيا دابته . ولم أقتنع بصحة هذه الرواية الضعيفة ولعلها جاءت محرفة عن رواية مشهورة تتناقلها الألسن في كركوك حول وجود نفق طويل تحت(سراء القلعة) القديم في مجلة(زندان) بجوار(يدي قيزلر) يمتد إلى مسافة بضعة كيلومترات خارج القلعة من جهة الشرق ، وكانوا يستفيدون منه لترقب حركات العدو ومدى تقربه من المدينة .. وغير ذلك من الأمور . ولا زال هذا السراي قائما بطوابقه الخمسة . ويسكنه في الوقت الحالي مالكوه الشرعيون وجاءت تسمية المحلة بأسم السجن(زندان) الموجود في هذا السراي .
شكل أبنيتها والمواد المستخدمة فيها :-
إن غرف القشلة مبنية بالجص والحجارة . وسقوفها مشيدة على شكل عقارات تستند على أقواس مربوطة بالجدران . وهذه الأقواس التي تسمى محليا بـ(كحر) كانت تعمل من مادة الجص المخلوط بالماء ، حيث تصب على شكل قوالب نصف هلالية موضوعة على الأرض، وتمرر فيها عيدان صغيرة من القصب .
ثم تترك عدة ساعات من الزمن لتصبح صلدة شبيهة بالكونكريت المسلح شكلا. وبعد ذلك ترفع من الأرض وتركب على الجدران بشكل هلال كامل أي نصف دائرة. ثم يشيد ما بين الأقواس من جوانبها بالجص والحجارة وهذه الأقواس أكثر ما تستعمل في البناء الداخلي كالطاق والإيوان وسقوف الغرف الكبيرة الطويلة نسبيا والتي تسمى محليا بالـ(دور) وكانت تضع أحيانا من المرمر المنقوش لتزيين واجهات الأبواب والشبابيك وغيرها وأما أساس بناية القشلة ، فعلى ما نظن وحسبما كنا نشاهده من أعمال في إنشاء أسس الدور السكنية قبل تعمم إستعمال السمنت في الثلاثينيات ، فإنه مبني بالنوره والصخر الأحمر الذي يقاوم الرطوبة .
وكانت مادة النوره عبارة عن الأحجار الكلسية المحروقة والمخلفة في أكوار الكوازين .
تاريخ بنائها :-
يعود تاريخ بناء هذه القشلة إلى عهد السلطان عبد العزيز خان العثماني ، حيث تم إنشاؤها في سنة 1281ه مقابل السنة 1863 الميلادية كما يستبان ذلك من الشعر التركي المنقوش على قطعة من المرمر المنصوب على الباب الرئيسي للبناية .
وقد جاء البيت الأخير من هذا الشعر متضمنا تاريخ عام البناء بالحساب الأبجدي كما يأتي نظيف يوسف طبى تاريخ تأمن سويلدى يعقوب سثاه دولَي أسلامة لايق أولدى بو قشلة بمعنى قال يعقوب في تاريخ هذه القشلة بحساب المجال التام أسوة بـ(يوسف نظيف) ، إنها صارت تليق بحيث دولة المسلمين .
والظاهر أن شاعرا آخر أسمه يوسف نظيف كان قد كتب شعرا تاريخيا لها ولعل الشاعر(يعقوب) يتلاعب بالألفاظ في بيته فيشبه صفاء شعره ونقاوته بصفوة(يوسف بن يعقوب) عليه السلام .
وهذا الشعر التاريخي عبارة عن ستة أبيات نقشت على باب القشلة بشكل يصعب معرفة تسلسلها الأصلي على المبتدئين في الأدب .
وقد خط هذا الشعر على المرمر في حسبة خطاط ماهر يدعى(مولى توفيق) .
وتم تأسيس هذه القشلة بعد عشر سنوات من تاريخ إنشاء السراء الملاصق لها والذي بني في سنة 1270 هجري -1853 الميلادي وهدم في شهر مايس عام 1971 لقد تم إخلاء هذه القشلة في سنة 1985 وسلمت إلى دائرة الآثار والتراث التابعة لوزارة الثقافة والإعلام التي كانت قد أعتبرتها في سنة 1971 بناية تاريخية يجب الحفاظ عليها .
ومنذ إستلام البناية من قبل دائرة الآثار والتراث خالية من الشواغل شكلت هيئة لصيانتها وترميمها . وقد باشرت هذه الهيئة أعمالها منذ نهاية سنة 1986 تمهيدا لإعادة القشلة إلى حالتها الأصلية .
المصادر :- -مجلة الأخاء العدد 194 ، آب- أيلول 1988
– دراسة بعنوان القشلة التراثية في كركوك ، عطاء ترزى باش
– مجلة سومر ، الجزء الاول والثاني ، المجلد الرابع والأربعون 1985-1986 دراسة بعنوان قشلة كركوك والثكنة ، خالد سويد ظاهر.
shafaaq