الرئيسية » مقالات » الإعلام العربي ..تأملات منفلتة

الإعلام العربي ..تأملات منفلتة

في تقديري “لئن كان هناك من عامل حقيقي أسهم في إذلال الإنسان العربي وساعد على استبخاسه فهو عامل”الإعلام “أي تلك الصورة النمطية التي تتهافت الفضائيات العربية في أطهارها وإدمانها ممثلة في مشاهد مرتجفة لأناس مخلوعين , وجحافل بشرية كالحة, شاحبة,غاطسة ومرتدة مظلمة الخيال والأفق . غير أن وقفة تأملية عميقة في تلك المشاهد واللقطات تفصح عن أبشع صفقة تجارية، وعملية مسخ ممنهجة للذات ، واسترخاص بئيس لكرامتها ومتاجرة دنيئة لفصيل محدد من النوع البشري”العربي بالتحديد” يمارسها إعلامه في حقه.
وإذا كان اللافت في مثل هذه العروض الفضائية السخية من البؤس قدرتها الفائقة على خلق الإثارة ، ولفت الانتباه لواقع اليم ، وبأسلوب يخاطب قلب الشرق الأوسط الكبير , إلا أن الأغرب واسوا ما في الأمر، اقصد الوجه الآخر للعملة ، أن لتلك المشاهد أيضا الدور الأكبر في تصدير ثقافة التسطيح و البؤس والخواء والتخلف.

إن المتأمل في الترسانة الفكرية لفقه النوازل لن يفاجأ بالكم الهائل من الأحاديث الدينية المستمدة من التصور الإسلامي لكيفية تدبير النازلة , ولا بد أن حق كافة شعوب الأرض في الحياة بسلام يشكل أساس التصور البشري , بل التصور الإنساني كله.
حق الإنسان أي إنسان ، بغض النظر عن دينه او لغته او جنسه ، في الأمن والسلامة الجسدية زمن الشدة ، على الأموال والممتلكات، حقه في الكرامة والمساواة في توزيع الثروات ورفع الاستغلال الفردي والجماعي، ونبذ التمييز بكل أشكاله وبوقف الظلم والعدوان ، وقعت “برفع الواو” في شانها عدة اتفاقيات وعهود دولية , بحكم أن الدين قاسم مشترك بين شعوب الأرض . حق لا يقبل المساومة او الجدل.
لكن , وحال المواطن العربي في فلسطين “غزة” أو العراق, والمسلم في أفغانستان…مدعوان إلى السقوط يوميا ضحية الاقتتال الأخوي تارة، أو الهمجية البربرية الغربية”أمريكا والتحالف” إسرائيل.تارة أخرى .
وبطبيعة الحال فان هذه المأساة تتفاقم حيت يتم تسويق صور القتل والدمار والتنكيل، ويتم توظيفها توظيفا سيئا يخدم مصالح الغرب، كما يظهر سيطرته على هؤلاء البدو السذج, مستسيغا احدث وسائل الدمار مستبيحا أقصى ما وصلت إليه آلة الحقد والعنصرية. ولا شك مثل هذه الصور والأمثلة كثيرة جدا تعمل بطريقة أو أخرى في الراهن السياسي والاجتماعي العربي . فمن جهة ، تعري هشاشة أنظمة الحكم بهذه الأقطار ، فضلا عن كونها تعبر بوضوح عن الانتقاص واستبخاس الإنسان المزدوج “داخل +خارج” الذي يعانيه الفرد على امتداد الوطن العربي .
المشهد نفسه يتكرر حين تتفوق جرافة السلطة بلد عربي ، باسم القانون هذه المرة ، وتحت حمايته في الإجهاز على سكن عبارة عن” براكة” بحي صفيحي عمره أطول من الديمقراطية في البلد, وتسويتها بالأرض, دافعة بدلك أسرة من 9 أفراد إلى التشرد والضياع, ولا يكون رد الفعل سوى العويل والصراخ والنحيب, والدعاء .
“دعيتهم لله”… الله يجازيهم”… ياربي, خرج فيهم البرهان, ” إلى غير ذالك من الصلوات التي تحجب الحقيقة ، كما تبرئ المسؤولين الحقيقيين من مسؤولياتهم في الكارثة, وتحميهم من المتابعة و العقاب . لان الحي الصفيحي شيد أمام أنظارهم وبواسطتهم مقابل عمولة مادية زمن الانتخابات .

وإذا كان العدو الصهيوني يبرر نسف منازل الاستشهاديين بالانتماء للإرهاب وتبني الفدائيين عقيدة الجهاد من اجل الحق في الحياة والأرض, كيف يبرر قائد مقاطعة حضرية بمدينة مغربية سلوكه المريب قطعا، والمبني على رشاوى مقابل السماح بتشييد مباني فوضوية , وإتاوات مقابل التغاضي في التوسع الهامشي للمدن .
إنها مشاهد مألوفة في جزء من الوطن العربي تقع خارج أية تغطية إعلامية, وإذا ما قدر لصحفي تواجد بالصدفة, فان احتمال تكسير آلة التصوير واعتقاله لمدة أمر وارد جدا.فضلا عن احتقاره من قبل عناصر مساعدة في البطش وسافرة في التنكيل من رجال السلطة وأعوانهم من شيوخ ومقدمين وعملاء.


“إذا أصابت الزلازل والعواصف والأعاصير أمريكا فالأمر عذاب الله” وإذا أصابت بلدا مسلما فذاك إنذار من الله, وادا أصابت المغرب فهو امتحان من الله, فمتى يكون فرصة لسجن المسؤولين والمقصرين وناهبي المال العام؟
فماذا لو ضرب إعصار كاترينا بعض مناطقنا, واتى زلزال يدغدغ الدرجة السابعة على سلم ريشتر, لمن ياترى يوجه المواطن اللوم عند تجريف مساحات من أحياءه السكنية الفوضوية ,المشيدة في الظلام , وأمام أنظار أعوان وقواد السلطة وعيونها التي لا تنام, للأرصاد الجوية التي تستنسخ الحالات الرصدية على مدار الأسبوع ,أم للقائد وزبانيته من الوسطاء والسماسرة الدين تفاقمت المجتمعات العشوائية في دوائر نفوذهم, وسطوا على أجمل البقع, وساعدوا عبر الارتشاء والعمالة على توسيع غيتوهات خالية من كل فنية أو جمالية,عمرانية, أم لشركات التامين الغارقة في شفط تعويضات الهالكين من اليتامى والمحجورين وأبناء السبيل؟ لا هذا ولا ذاك , سيقولون بكل تأكيد, وستحرك السلطة رأسها بالإيجاب ” حكمة الله,” يفعل في ملكه ما يشاء, وتنتهي المسالة.
عزيز باكوش