الرئيسية » مقالات » رحلة الحكم في العراق.. العسل المر.. بلد يأكل حكامه ما بين قتل واغتيال وابعاد واعدام هل هو إنقلاب أو محاولة أغتيال تحولت الى انقلاب بسبب الفراغ

رحلة الحكم في العراق.. العسل المر.. بلد يأكل حكامه ما بين قتل واغتيال وابعاد واعدام هل هو إنقلاب أو محاولة أغتيال تحولت الى انقلاب بسبب الفراغ

السؤال المهم الذي ظل يشغل بال الكثيرين داخل العراق وخارجه، هو هل أن عبد الكريم قاسم قتل بعملية منظمة، أو أنه راح ضحية تغيير في السلطة؟ أي هل أن الهدف الاساس من الذي حدث في 8 شباط 1963 كان يتحدد بتصفية عبد الكريم قاسم شخصيا وإنهاء وجوده، أو أن ما حدث بما في ذلك (إعدام) عبد الكريم قاسم بحسب ما زعمه الانقلابيون، كان تحصيل حاصل لعملية انقلابية على السلطة التي كان يمثلها عبد الكريم قاسم والتي إنتهت بوجود سلطة يقودها حزب البعث وعدد من المغامرين.
الوقائع التي تكشفها تداعي الاحداث وحركتها باتجاه صيرورة الأوضاع تؤكد وفي ضوء شهادات مؤكدة لشهود تلك الحقبة التاريخية المهمة، أن عبد الكريم قاسم استهدف بعملية (اغتيال) تطورت فيما بعد الى (أنقلاب) وهو نفس سيناريو المحاولة الفاشلة التي أستهدفته في رأس القرية بشارع الرشيد، في بغداد عام 1959 من قبل مجموعة فؤاد الركابي التي لم تستطع لاسباب فنية من تطوير عملية الاغتيال الى (إنقلاب) وذلك لعدم تحرك الجناح العسكري .. بعد أن تأكد من نجاة عبد الكريم قاسم وإنتقال القوات المؤيدة له من وضع الدفاع الى الهجوم وتسلم زمام المبادرة والسيطرة على مراكز السيطرة والتحكم مع منظومة الاتصالات التابعة لوزارة الدفاع .. ثم تضارب القرارات والاجراءات على مستوى القيادة لحزب البعث والعناصر المحسوبة عليه.
ويقول المقدم قاسم الجنابي مرافق عبد الكريم قاسم، أن الاختلاف في وجهات النظر بين الضباط البعثيين حول قيادة فؤاد الركابي للمحاولة هو الذي حجم القضية رغم أنها حظيت بدعم خارجي واسع النطاق.
ويقول المرحوم محسن الربيعي مدير الاستخبارات العسكرية في زمن عبد الكريم قاسم أن خطة الانقلاب لاتتجاوز في الأهداف عن محاولة قتل عبد الكريم قاسم عن طريق القصف بالطائرات المحاصرة لمبنى وزارة الدفاع.. يتسم بنوع من البرود، فقد كانت المفاجأة هي أن كل القصف الجوي والرصاص المنطلق من القوة المطوقة، لم تأت بأجل عبد الكريم قاسم لذلك كان السؤال المحيّر .. ماذا نفعل به؟ مع لوم وتقريع لعبد السلام الذي قبل مبدأ التفاوض مع اعطائه – اي عبد الكريم – وعد وعهد شرف بالحفاظ على حياته وحياة من معه. من هنا صار لزاماً التحرك سريعاً لحسم الموقف بعد أن ظهرت بوادر تطور الخلاف بين الانقلابيين.
ويذكر طرف محايد لم يشأ ذكر اسمه الآن وكان يتولى منصبا أمنيا رفيعاً في الجيش ان مكالمة هاتفية بين علي صالح السعدي وحردان عبد الغفار التكريتي، من جهة واحدى السفارات التابعة لدولة عظمى، حسمت الموقف وجعلت وعود عبد السلام عارف هواء في شبك.
ويؤكد هذه المكالمة حميد خلخال عضو القيادة القطرية لحزب البعث السوري الاشتراكي ووزير العمل والشؤون الاجتماعية، في أول وزارة تشكلت بعد الاطاحة بعبد الكريم قاسم، حيث أشار الى أنه كان في غرفة ((الكونترول)) في الاذاعة عندما بدأ أحد رؤساء العرفاء يتساءل عن علي صالح السعدي وهو لايعرفه فسألته: ماذا تريد منه؟! قال: في التلفون يطلبونه، عندها رفعت السماعة وكان في الطرف الآخر شخص يتحدث بلهجة ((سورية أو لبنانية)) ويسأل عن (الرفيق) علي صالح السعدي، لحاجة ضرورية وملحة، وبذلك استأذنته لبضع دقائق، وبالفعل عثرت على (الرفيق) علي صالح السعدي، واصطحبته الى الهاتف وهنا طلب مني أن أبتعد قليلاً، وعندها أدركت اننا نسير في طريق أعوج.. ورغم ذلك بقيت في مكاني أستمع وكان بعض ماقاله: ((سيعدم .. انقل ذلك عني سيعدم)) ثم التفت اليّ وقال: أبعث أحدا يستدعي حردان، وعلى الفور طلبت من الجنود ان يستدعوا حردان وتحركت من مكاني بعد أن اتضحت لديّ صورة الموقف ومن أجل ان اتأكد من مصدر (التلفون) حاولت أن أظهر بمظهر العارف أمام حردان في لقاءات جمعتني به.. فقلت له.. قل لي بربك ما الذي فعله عبد الكريم قاسم بالانكليز، وبذلك لم يكن القائمين على هذه العملية قد راعوا مسألة التنسيق بين حركة القطعات على الارض وبين القصف الجوي، إذ بدأ القصف قبل أن تظهر القطعات العسكرية على الارض.. وهذا أمر غير مسموح به لو كانت الخطة تتجاوز قضية استهداف الزعيم عبد الكريم قاسم بالقتل.
والدليل الآخر كما يذكره أحمد فوزي في كتابه (عبد الكريم قاسم وساعاته الأخيرة) من خلال استعراضه للحظات الأخيرة من حياة عبد الكريم قاسم، حيث كان كل من وجد في دار الاذاعة في تلك اللحظات، كان لايرى أمامه سوى قضية قتل عبد الكريم قاسم.. وهذه اللحظات هي تلك اللحظات نفسها التي حسمت الموقف من الملك فيصل الثاني الذي نزل من القصر رافعاً يديه مستسلماً لم يجن ما يستحق عليه القتل، ومع ذلك قتل لانه كان قد تقرر قتله.
لقد سقط عبد الكريم ومن معه مضرجا بدمائه برصاصات أعدت لهذا الغرض وبعد أن تم ذلك، انتقل المنفذون الى حالة كان يمكن ان تؤدي الى نزاع وتصفيات بينهم لو لم يبادر البعض الى لملمة الخلافات وتهدئة النفوس المتوترة، وتوزيع الغنائم ، حيث بدى للعيان أن حزب البعث الاساسي أو الأصلي قد تمت تصفيته بعد أن اضيف لقيادته تحت واجهة ((المجلس الوطني لقيادة الثورة)) عدد كبير من الضباط الذين لم يكونوا قد إنتموا لحزب البعث بعد.,
ويقول يونس الطائي رئيس تحرير وصاحب أمتياز جريدة الثورة الصادرة في عهد عبد الكريم قاسم، أنه كلف من قبل عبد الكريم قاسم في الساعة السابعة مساء يوم 8 شباط باجراء محادثات مع الانقلابيين للتسليم، وقد لمس لمس اليد ان الانقلابيين لم يكونوا راغبين في استسلام عبد الكريم قاسم، بقدر ما كانوا يأملون قتله.. وينقل عن احد الضباط وهو الرائد ((الرئيس الأول داود عبد المجيد)).. انه قال له: ان المجلس الوطني لقيادة الثورة قرر أبادة عبد الكريم قاسم ومن معه، ويذكر انه نقل الى طاهر يحيى أن عبد الكريم قاسم طلب ان يجتمع بالانقلابيين لينقل لهم بعض الأسرار التي تتعلق بالحكومة وبالعلاقات مع دول اخرى. وعندما نقل ذلك طاهر يحيى رد عليه علي صالح السعدي وحردان التكريتي، وصالح مهدي عماش، أن مال لديه من اسرار لاتساوي حياته.
لذلك فقد كان استقبال الانقلابيين لعبد الكريم قاسم عندما سلم نفسه للقوات ليحملوا له كل هذه الكراهية.
فرد بسرعة.. انهم الانكليز هذه المرة ايضا
فقلت: ولكن هو لم يفعل اي شيء ضدهم؟
فقال: كيف تقول ذلك… وهو أمم النفط!!
قلت وقد ذهلتني المفاجأة: وكيف ذلك؟ قال وقد تقمص شخصية الفاهم والعارف ببواطن الامور .. اليس قانون رقم 80 الذي وقعه قبل تنفيذ حكم الاعدام به… تأميماً لقد أستولى على كل الأراضي التي كانت بحوزة الشركات العامة في العراق.. (وسلبها) حقوقها القانونية والاستثمارية في هذه الأراضي التي تشكل نسبة 98% من الاراضي التي كانت في حوزة الشركات.
وينقل قاسم الجنابي مرافق عبد الكريم قاسم، أن الزعيم عبد الكريم كرر أكثر من عشر مرات قبل أن يستسلم أن الانكليز يريدون رأسه، وأكد أن ذلك جاء على خلفية فشل المفاوضات مع شركات النفط والانتهاء من اعداد مشروع قانون رقم 80 الذي وقعه عبد الكريم قاسم في يوم 8 شباط 1963.
ويفسر عبد السلام عارف في لقاء صحفي له مع مجلة (روز اليوسف المصرية) فتح الحوار مع عبد الكريم قاسم عبر الهاتف وعبر الوسطاء أنه أراد بذلك تحقيق جملة اهداف منها:
أولاً: أشعار عبد الكريم قاسم بنهايته التي وصل اليها بيديه.
ثانياً: كسب الوقت الذي كان في ذلك الوقت يعمل لصالح (الثورة)
ثالثاً: تحطيم معنويات من فضل البقاء مع عبد الكريم قاسم من الضباط والجنود.
رابعاً: تحديد حرية القطعات المدافعة عن وزارة الدفاع في التعاطي مع القوات المحاصرة. وشل قدراتهم على القيام بهجوم معاكس بهدف الهروب.
وواضح أن ليس بين ما ذكره عبد السلام محمد عارف مسألة التفاوض والاستسلام مقابل الحفاظ على حياة عبد الكريم قاسم.
وهنا لابد من ان يتساءل المرء… ترى أما كان الاشرف لعبد الكريم قاسم أن يتلقى الموت كما فعل عبد الكريم الجده ووصفي طاهر في وزارة الدفاع على ان يتجرعه وفق تلك الطريقة المهينة؟
ويجيب عن هذا التساؤل الزعيم محسن الرفيعي مدير الاستخبارات العسكرية في زمن عبد الكريم قاسم قائلاً: لقد خرج عبد الكريم قاسم ومن معه من قاعة الشعب الملاصقة لمبنى وزارة الدفاع بعد مفاوضات انتهت بوعد شرف من قبل الانقلابيين بإن يحافظوا على حياته وحياة الآخرين.. ويستمعون الى الاسرار التي أوعدهم بالبوح بها مقابل السماح لمن معه بالخروج من العراق احياء، وعندما يصلون الى الملاذ الآمن في تركيا.. عندئذ يطلعهم على الاسرار التي احتفظ بها، غير أن المخابرة التي وصلت الى القياديين من السفارة البريطانية انهت الجدل الذي نشب بين الانقلابيين حول موضوع تنفيذ الوعد وسماع الأسرار.
وهنا لابد للمرء من أن يتساءل ترى هل هناك شك في أن القاتل
Taakhi