الرئيسية » مقالات » الفلسفة البراغماتية..ملامح تربوية ام خزعبلات روزخونية

الفلسفة البراغماتية..ملامح تربوية ام خزعبلات روزخونية

تحيي لنا بعض الدراسات في عراق ما بعد التاسع من نيسان(ومنها مقالة طريق الشعب العدد 165 ليوم22/4/2008 حول الملامح التربوية للفلسفة البراغماتية)،بجهل او بتعمد لغاية في نفس يعقوب،تحيي الخصائص الرجعية للفلسفة الوضعية،وان التربية هي الحياة وليس اعدادا لها،وهي توكيد للمبدأ المثالي الذاتي(التعليم بالعمل)وفق الفيلسوف جون ديوي(1859- 1952)او تفسير الحركة بتعقب نتائجها العملية الخاصة وفق الفيلسوف وليام جيمس.نعم،الاصطلاح مشتق من الكلمة الاغريقية براغما التي تعني العمل والتي اشتقت منها كلماتنا براكتس و براكتيكال،وقد ادخلت للمرة الاولى في الفلسفة من قبل جارلس بيرس عام 1870 في مقالته “كيف نجعل افكارنا واضحة”.ان الفرق بين البراغماتية والاشكال الاخرى من المثالية الذاتية هو تافه وعديم الاهمية لأنها مقتنعة ان مشكلة العالم اليوم هي كيفية انجاز خطواته بالربحية الممكنة على طريقة التجارة الواقعة تحت ضغط شديد وعبر التوفيق بين وجهات النظر الدينية والعلمية،ولبيان صحة الآراء الغيبية!
استهدف الاستاذ ابراهيم كبة في ترجمته كتاب البروفيسور موريس كورنفورث”البراغماتية والفلسفة العلمية”الصادر في 1960 توضيح ان البراغماتية وعموم الفلسفة الوضعية تنكر صراحة اية قيم واخلاق انسانية تستند الى العقل والعلم.وان التأكيد البائس للعالم الرأسمالي على قيم المشروع الحر والمنافسة في سبيل اقصى الارباح،القيم المتسترة بستار الحضارة الغربية هي انعكاس للانهيار الاخلاقي التام بسبب الازمات البنيوية المستمرة..ولا تستطيع البراغماتية الا قبول الاخلاق الرأسمالية على علاتها ووحشيتها وقسوتها واستبدادها.في البراغماتية لم يعد المهم ان تكون النظرية او تلك موافقة للحقيقة بل ان تكون نافعة او ضارة بالرأسمال،مناسبة او غير مناسبة،ترضى عنها الشرطة ام لا ترضى.بدلا عن البحوث المجردة ظهرت المماحكات المأجورة،وبدلا عن التحقيقات العلمية ظهر الضمير الشرير والغرض الاعمى للدفاع عن النظام القائم!.وتدعو البراغماتية الى وضع الفلسفة في خدمة الانتاج والاستهلاك!!.
البراغماتية اداة لأشد الظلاميين والرجعيين تطرفا للتشهير بالحجج العلمية،وهي تتنكر للتنشئة الاجتماعية كونها الاسمنت المسلح الذي يربط مختلف مكونات النسق الاجتماعي ببعضها البعض،من خلال اعادة انتاج منظومة القيم والمعاني والمعايير الاجتماعية،وترسيخها في النفوس.التربية تعبير عن التنشئة الاجتماعية للفتوة والشبيبة واشاعة قيم تهذيب التفكير ورسم انماط سلوكيات التوازن الاجتماعي لمزيد من التفاعل البناء بين المواطن ومضمون التنمية،وان الاصول الاجتماعية للتربية تستمد من المعتقدات السائدة من قيم ومثل عليا واعراف موروثة ومن التفاعل الحضاري وضرورات التقدم الاجتماعي،وتستهدف اشاعة السلام الاجتماعي والتآلف والاستقلالية الشخصية وزرع الثقة في النفس لأكتساب الخبرات الاجتماعية نحو النمو المضطرد السليم والتنمية المستدامة،فالثقافة دون وعاء تربوي وموجهات تربوية مضمون راكد وقيم لا معنى لها،وتبقى التربية دون مشروع ثقافي مفهوم فارغ!البراغماتية والفلسفة العلمية على طرفي نقيض،لأن البراغماتية منهج روزخوني سفسطائي يبرر الاخلاق الرأسمالية على علاتها وينشر الخرافات والعقائد الجامدة المناهضة للعلم.
اسهمت القوى الديمقراطية العراقية،وفي المقدمة اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية،بدعم ورعاية العمل التربوي بعد ثورة 14 تموز 1958 المجيدة،وهي تدرك اهمية اعادة النظر في نظم ومناهج التعليم وطرائق التدريس بما يتفق وتأمين مستلزمات التقدم التقني والمادي وارساء القاعدة التعليمية المتطورة،وتشجيع الابتكار والبحث العلمي،وربط العملية التعليمية بعملية التنمية الشاملة في البلاد،وضع الخطط الضرورية لاستكمال عملية مكافحة الأمية وضمان مجانية التعليم والزاميت،ازالة آثار سياسية التبعيث في مناهج المنظومة التربوية – التعليمية وادراج مادة حقوق الانسان في المناهج التربوية،صيانة حرمة الجامعات والمعاهد واستقلالها بما يعيد السمعة العلمية والاكاديمية للجامعة العراقية،ربط التعليم بحاجات البلاد وامكانياتها وآفاق تطورها.يدرك اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية اهمية تحرير الشبيبة والطلبة من آثار المفاهيم الفاشية الشوفينية وضيق الأفق القومي والطائفية،ونشر الوعي الوطني وروح المواطنة والقيم الانسانية والتقاليد الديمقراطية والثقافة التقدمية والتآخي بين القوميات والوحدة الوطنية في صفوفهم،واهمية وضع الخطط التي تستهدف مكافحة البطالة في اوساط الشبيبة وخلق الفرص والمشاريع الاستثمارية لاستيعابهم.ان عودة الشباب الى مقاعدهم الدراسية في المدارس مهمة وطنية،خاصة بعد تلك السنين العجاف من سيطرة الفكر الشوفيني والعنيف والشمولي الاسود الذي ساق البلاد وابنائه الى الهلاك في سوح المعارك واقبية سجون ومعتقلات النظام العفنة.لقد تآكلت المراكز الأكاديمية والتدريسية بعد ان اسهم الاتحاد الوطني لطلبة العراق(المنظمة الطلابية السلطوية التي تاسست بايعاز من المخابرات الاميركية عام 1961)في تحويل اللجان الطلابية في الكليات والمعاهد والمدارس الى اوكار للدعارة المخابراتية.وبذل النظام العراقي السابق الجهد لتأطير السايكولوجية الطلابية بالقيم الزائفة للركوع امام الطاغية(بابا صدام)وخدمة مآرب الاسياد في النزعة الحربية،وغرس فيهم عقدة الذنب جراء استخدام الأسلحة الفتاكة لا لتهديد جيران العراق فحسب بل ضد الشعب العراقي والشعب الكردي،وليبقوا في هذا الشرك القاتل في سبيل تثبيت مواقعهم كشرذمة في معسكر اعداء الشعب.واسهم جهابذة الثقافة القومية البعثية ومع تفاقم دور الدولة الكلانية العراقية في قمع الشعب والابتلاع التدريجي لحقوق الانسان والمنظمات الاجتماعية والنقابية العراقية.
جلبت براغماتية البعث الكوارث والمآسي الى الشعب العراقي،والمعضلة الاكبر انه مثلما اتسمت به الصدامية بجدارة من عقلية تبريرية متعصبة ومنغلقة،فان النخب السياسية الحاكمة اليوم لم تتعض من حنقبازيات العهد البائد وسياساته التي تبرر دوغمائية البعث وبراغماتيته بعد ان تعددت عناوينه الاقتصادية التهريجية.وتهدف البراغماتية الروزخونية ومشاريع الجهاد(احتراف القتل)الى مالا نهاية الى تحديد النسل الديمقراطي وتدعو الى التكاثر الطائفي في العراق وهي تعمل على تأسيس عراق منقسم طائفيا بدلا من عراق موحد ديمقراطيا.وفي جميع الاحوال تعتمد سياسات الاحتلال والشركات الغربية على التخاريف الاجتماعية – الطبقات الاجتماعية الصديقة حاملة هذه العقلية على اساس ايجاد وحدة في المصالح بين هذه الطبقات والمحتل،وتسخير الحثالات الطبقية الرثة لخدمتها وفرض ديمقراطيتها بقوة السلاح والارهاب والقمع!..
تعني براغماتية الطائفية السياسية في بلادنا متاجرة الأرستقراطيات القديمة والجديدة بالقيم الأجتماعية والأخلاقية عبر العلائق مع المصالح الأميركية والغربية والشركات متعددة الجنسية ونظام ولاية الفقيه الاستبدادي،الألاعيب التجارية والسوق السوداء والغش بأنواعه والفساد والإفساد،المتاجرة بالتاريخ السياسي النضالي،…الخ.لقد توسعت أرباح هؤلاء على حساب افقار الآخرين ونبذ غير القادرين على الصمود وزجهم في سوق العمل وبسبب انعدام الرقابة الحكومية وهشاشة المؤسساتية المدنية،والفساد وعدم النزاهة،وهضم حقوق الآخرين،وتغليب الولاءات دون الوطنية والمصالح الشخصية الضيقة.وتتمتع هذه النخب بالأمتيازات،وبالعزلة النخبوية معا!هكذا يخفق الاداء الحكومي الهزيل للائتلاف الموحد في ايجاد الحلول الصحيحة لأزمات البلاد ويمارسون لعبة التبريرات لترويض مشاعر المواطنين واضاعة الوقت.
يقف العالم اليوم على مفترق مدرستين لا ثالث لهما:البراغماتية النفعية الذرائعية التي ترى الحياة وفق مبدأ ادارة الازمات توفيقيا ونفعيا،والمدرسة العلمانية الجدلية لايجاد الحلول المثلى والممكنة للازمات(OPTIMUMIZATION)بدلا من ادارتها فقط.ويمثل الصراع بين المدرستين المرحلة الانتقالية العابرة لعالمنا وعصرنا التي قد تطول وتقصر تبعا للمتغيرات الداخلية والخارجية والارادات.نأمل من طريق الشعب الغراء تلافي الوقوع في هذه الهفوات لانها منذ صدورها لاول مرة كانت صوت الشعب العراقي ولسان حال الفكر العلمي والتقدمي والديمقراطي في البلاد،ولأن البراغماتية لا تحرر الثقافة من قيود الفكر الواحد والرأي الواحد،ومن الجمود والانغلاق وكل سمات الفكر الشمولي،ولا تضمن عدم تسييس المؤسسات الثقافية للدولة او تسخيرها لمصالح حزبية او مذهبية باسم الاخلاق النفعية.
المصادر:
موريس كورنفورث/البراغماتية والفلسفة العلمية.
سلام كبة/ البراغماتية والمنهج الطائفي السياسي في العراق.
سلام كبة/الحركة الطلابية العراقية،تاريخ حافل ومهمات نضالية.
سلام كبة/العمل الطلابي المهني ركيزة من ركائز العمل التربوي.