الرئيسية » مقالات » (تركيا) ….. الى أين؟ (14)

(تركيا) ….. الى أين؟ (14)

في صيف 2006، قمتُ بزيارة الى (تركيا) في رحلة مع إحدى شركات السفرات السياحية، قاصداً مدينة (آلانيا) الواقعة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط. هذه المدينة تابعة لمقاطعة (Antalya). في مدينة (آلانيا) التي بقيتُ فيها لمدة أسبوع، يعمل العامل في الحوانيت هناك لمدة 16 ساعة يومياً مقابل راتب شهري يبلغ حوالي 450 دولاراً. هذا يعني أنّ أجرة العامل في الساعة تبلغ أقل من دولار واحد، بينما في بلد مثل السويد، يبلغ معدل أجرة العامل في الساعة حوالى 14 دولاراً. في الدول الغربية، تمّ تحديد فترة العمل اليومي بثماني ساعات، فإذا قام العامل بإداء عمل إضافي، فأنه يتقاضى أجرة إضافية يتراوح مقدارها بين 50 و 100%. حفاظاً على صحة المواطنين و على الحياة الشخصية و الإجتماعية لهم، فأنّ الدول الغربية قامت بتشريع قوانين لتحديد و تنظيم ساعات العمل الإضافية لمواطنيها لمنع تعرضهم للإجهاد الذهني و الجسدي و تفادي النتائج السيئة التي يُسببها العمل لفترات طويلة على الحياة الشخصية و العائلية للسكان. عمال الفنادق يحصلون على أجر شهري أقل، حيث يتقاضى العامل حوالي 300 دولار في الشهر رغم عمله لساعات طويلة خلال النهار والليل.

نزلتُ في فندق يُشرف على شاطئ البحر هناك. كان يعمل فيه شابان يحملان إسمَين كورديينُ، كان إسم أحدهما (سَردار) و إسم الآخر (سالار). سألتهما فيما لو كانا كورديين، فأجابا بالنفي و أخبراني بأنهما من العنصر التركي. هذان الشابان أما كانا كورديين و بسبب الهيمنة التركية في(تركيا) و إنكسار الشخصية الكوردية نتيجة تبعية المواطن الكوردي للدول المحتلة لكوردستان و إفتقاده لهويته الكوردستانية و جهله بلغته و تأريخه و حضارة شعبه أو بسبب خوفه من السلطات التركية. من المحتمل أيضاً أنهما قد تمّ تتريكهما أو إستتركا و إنسلخا عن أمتهما الكوردية، أو قد يكونان تُركيان كما كانا يدّعيان، إلا أنهما يحملان إسمَينِ كورديين. طيلة الحقب التأريخية الطويلة يقوم محتلو كوردستان بسرقة المفردات الكوردية بِحُكم إحتلالهم لكوردستان و تحكّمهم بحياة الشعب الكوردستاني، فإستولوا على لغته و إغتصبوا تأريخه و تراثه و نهبوا خيراته و أذلّوا كرامته و بذلك يدّعي الأتراك بأنّ هذين الإسمين و آلاف غيرهما هي من المفردات التركية.

لا ينحصر نهب مُحتلّي كوردستان في اللغة و التراث و التأريخ فقط، و إنما الإنسان الكوردي نفسه قد تمت سرقته، فتحوّل بمرور الوقت الى إنسان عربي أو فارسي أو تركي و بذلك إنسلخ عن أمته و فقده الشعب الكوردي الى غير رجعة. كما أنّ المحتلين قد نجحوا الى فرض ثقافتهم و أفكارهم على الكثير من المواطنين الكورد، بِحُكم إحتلالهم لكوردستان و فرض ثقافتهم و أفكارهم السوداء على شريحة كبيرة من الشعب الكوردستاني. من نتائج هذا التأثير الإحتلالي، على سبيل المثال لا الحصر، نجد أنّ أعداداً كبيرة من الكورد الذين تمّ ترويضهم، يفتقدون الى الروح الكوردية و يتهربون من الفكر القومي الكوردي و يجهلون الأهمية القصوى للإحتفاظ بلغتهم و البحث عن التأريخ الكوردي العريق للعثور على الذات الكوردية و تأريخ الأمة الكوردية و ثقافتها و تراثها، لكي يتم التعرف على الهوية و الشخصية الكوردية الأصيلة و يستقل الكورد، كأمةٍ ذات شخصية متميزة، بعيدةً عن الآثار الإحتلالية التي يهدف منها المحتلون إذابة الأمة الكوردية و جعلها جزءً منهم أو على الأقل أن تصبح تابعة ذليلة لهم، للغتهم و ثقافتهم و فكرهم و تأريخهم. لتحقيق هذا الهدف، يحاول محتلو كوردستان إستغلال الدين الإسلامي و الأفكار اليسارية التي تُرسّخ هيمنة الشعوب المحتلة لكوردستان و تعمل على سيادتها على الشعب الكوردستاني و إيجاد المبررات الواهية و المُضللة لإستمرار هذه الشعوب في إحتلال كوردستان و إذلال شعبها و نهب خيراتها أو بإستخدام الإنتماء الآري للكورد و الفرس، كما في حالة الإحتلال الفارسي لجزء من كوردستان و هيمنة الثقافة و اللغة الفارسية في إيران و حرمان الشعب الكوردي من أبسط حقوقه السياسية و الإقتصادية و الثقافية. هل تعني الإخوة و القرابة أو الإنتماء الى دين واحد أو حمل فكر مشترك، سيادة العرب و الفرس و الأتراك و تحكّمهم بمصير الشعب الكوردستاني؟!! علينا أن نفضح الوسائل التي يلجأ لها محتلو كوردستان لإبقاء سيطرتهم على كوردستان و قهر إرادة الشعب الكوردستاني. على الكوردستانيين أن ينهضوا من غفوتهم و سباتهم و أن يستفيدوا من دروس التأريخ الذي تمتلأ صفحاته بوقائع إستغلال الشعب الكوردستاني من قِبل أعدائه، تارةً بإسم الإخوة الإسلامية و أخرى بإسم الإخوة الآرية و ثالثة بإسم الأخوة الأممية و من شروط كل هذه الأنواع من الإخوة الكاذبة هو أن يكون الشعب الكوردستاني عبداً مُطيعاً للشعوب التي تحتل بلاده و أن يبقى تابعاً ذليلاً لها، يُفدي بأرواح أبنائه و بناته من أجل المحافظة على الكيانات السياسية التي تستعبده و يُضحي الكورد بكلّ غالٍ و نفيس في سبيل المحافظة على الأغلال التي تُكبّل أياديهم و الإبقاء على أطواق المهانة التي تلتف حول أعناقهم و تخنقهم. إنها مأساة شعب يُدافع بعض من مواطنيه الضّالين عن محتليه و يحاولون تكريس عبودية هذا الشعب العريق!

من مشاهد السرقة و الإغتصاب للتراث و التأريخ الكوردي، يرى المرء أيضاً عروضاً موسيقية و غنائية و دبكات و أنواع عديدة من الرقص يتم تقديمها في المنتزهات العامة و في المقاهي و الحفلات، حيث يُقدّمها الأتراك للسوّاح على أنها من الفنون التركية، بينما في الواقع أنّ أغلبية هذه الألحان الموسيقية و جميع الرقصات الشعبية المعروضة هي كوردية خالصة. الأغاني المُقدمة هي باللغة التركية، إلا أن معظمها هي أغانٍ مسروقة من الأغاني الكوردية، حيث تمّت ترجمة النصوص الكوردية لتلك الأغاني الى التركية (للإطلاع على أسماء بعض الأغاني المسروقة من الكوردية من قِبل الأتراك، راجع كتاب الباحث التركي، إسماعيل بيشكجي المعنون “كُردستان مستعمرة دولية”، ترجمة زهير عبد الملك، دار APEC للطباعة و النشر، السويد، 1998، صفحة 257 – 261). كما أنّ أزياء الملابس المعروضة هي أزياء كوردية، يدّعي الأتراك بأنها تركية.

في الصباح الباكر لأحد الأيام التي قضيتُها في (تركيا)، خرجتُ مع أعداد من السيّاح السويديين و النرويجيين و الفنلندين في عدد من الباصات، قاصدين (Pamukkale) التي هي عبارة عن منطقة طبيعية خلّابة تتكوّن من جبال كلسية و تنتشر فيها حمامات معدنية. الإسم يعني (قلعة القطن). أخذت هذه المنطقة هذا الإسم لِكونها منطقة كلسية بيضاء، حيث أنها بيضاء كبياض القطن. هذا الإسم المُركب هو إسم كوردي، مؤلف من كلمة (Pamu) التي تعني بالكوردية (القطن) (الأتراك أضافوا الى نهاية الكلمة المذكورة حرف “الكاف”)، أما كلمة (kale) فهي تعني بالكوردية (القلعة). إستناداً الى المعجم اللغوي العربي، فأنّ كلمة “القلعة” تعني “المكان المنيع و الحصين”. من المرجح جداً أن تكون الكلمة كوردية متأتية من كلمة “كه ل” الكوردية التي تعني “منطقة مرتفعة أو جزء مقطوع من بناية لغرض مراقبة خارج البناية أو تسهيل المرور خلالها”. لا يخفى أنه في الزمن الغابر، كانت القلاع تُبنى في موقع مرتفع لتكون حصينة و لتُشرف على المنطقة و يتم عمل الشبابيك و الثقوب “Kel – كه ل” في القلعة لمراقبة المنطقة و إكتشاف الأعداء المهاجمين. كمثال على دلالة كلمة “كَل”، هناك المرقد المُقدس للكلكائيين “كَل داوود” الذي يقع قرب مدينة قصر شيرين و المبني على جبل مرتفع و كذك مدينة (كَلار) و (كَلات) التابعة لمدينة خانقين و قرية (كلات) في منكور التابعة لمدينة مهاباد و قرية (كلات) أيضاً في ناحية (ويران) التابعة لمدينة مهاباد. يستعمل الطبري كلمات “كَلا” و “قَلا” و “كَلاته” و “كلايَة” للدلالة على “القلعة”. كما أنّ العالم الإيراني (دهخدا) يذكر في كتابه (لغتنامه) (الجزء 12، صفحة 18438) بأنّ كلمة ال(قلعة) مُعربة من كلمة (كَلا). من هنا نرى أنّ المفردة الكوردية (كَلا) قد تمت إستعارتها من قِبل شعوب المنطقة، مثل العرب و الأتراك و حوّروها لتُلائم لغاتهم و نطقهم.

منطقة (Pamukkale) تقع في جنوب غرب (تركيا) و تقع فيها المدينة الأثرية القديمة (Hierapolis) و التي بناها الملك اليوناني (Eumenes) الثاني في النصف الأول من القرن الثالث قبل الميلاد. (Hierapolis) تعني باليونانية (المدينة المقدسة). كانت في الباص الذي كنتُ أستقله، مجموعة من المصطافين النرويجيين و الفنلنديين و السوييديين و يقودنا شخصان كورديان كمُرشدَين لنا. كان إسمهما (جنكيز) و (عبد الباقي) و الأخير كان جديداً في المهنة و مساعداً ل(جنكيز). (جنكيز) كان قد عاش في بريطانيا لمدة 17 عاماً و خريج كلية القانون و كان يتكلم الإنكليزية بطلاقة. خلال رحلتنا، كان (جنكيز) يشرح لنا عن التأريخ و المجتمع (التركي) و طقوسه و عاداته و يذكر لنا أسماء المناطق التي نمر بها و أسماء أشجارها و نباتاتها. رداً على حديثه عن التأريخ (التركي) القديم، أخبرتُه بأنّ التأريخ التركي في المنطقة لا يتجاوز 900 عاماً و أن المنطقة كانت موطن الكورد و الأرمن و اليونانيين قبل الغزوات التركية إليها. حين حديثه عن المجتمع (التركي)، إستفسرتُ منه عن المكّونات القومية في (تركيا)، فأجابني بأن هناك شعب واحد و لا فرق بين الأطياف (التركية). أجبته بأنّ أبسط دليل للتفرقة العنصرية في (تركيا) هو أنه و زميله (عبد الباقي) ينتميان الى الشعب الكوردي، بينما يتحدثان مع البعض باللغة التركية. ثمّ سألته عن عدد المدارس و الجامعات و محطات الإذاعة و التلفزة الكوردية في (تركيا). بدأت إمارات الإحراج و الإنزعاج بادية على وجهه و قال (مشكلة “جنوب شرق” تركيا هي مشكلة إقتصادية و بحل هذه المشكلة سوف لن تبقَ هناك أي مشكلة فيها). سألتُه عن سبب تسميته ل(كودستان) ب(جنوب شرق تركيا) و ثم أخبرته بأنّ المشكلة الكوردية هي مشكلة إحتلال أرض كوردستانية و العمل على تتريك الكورد و تعريضهم لأبشع أنواع الإلغاء و الإبادة و الإضطهاد و أنّ المشكلة هي سياسية و ثقافية و إقتصادية معاً و أنّ حل هذه القضية يكمن في تحرر الشعب الكوردستاني من نير الإحتلال و قيامه بتقرير مصيره بنفسه.

في طريقنا الى (Pamukkale)، أخذ يتحدث دليلنا (جنكيز) عن الحضارة التركية و المدينة التأريخية (Hierapolis) التي تمّ بناؤها على قمة “القصر الأبيض” و الذي يبلغ طوله 2700 متر و إرتفاعه 160 متر. أخبرته بأنّ اليونانيين قاموا ببناء هذه المدينة قبل أكثر من 2250 سنة و حينذاك لم يكن أيّ وجود للأتراك في المنطقة، حيث كانوا يعيشون في منغوليا على تخوم بلاد الصين. أضفتُ بأنّ الشعوب العريقة التي عاشت في هذه المنطقة، تمت إبادتها أو تهجيرها أو تتريكها أو يتم إنكار وجودها و محاولة إلغاء هويتها و ثقافتها و تأريخها.

بدأ بعد ذلك مُرشد رحلتنا، (جنكيز) بالحديث عن المآسي التي يعاني منها الشعب العراقي نتيجة (إحتلال) الولايات المتحدة الأمريكية للعراق و الأعداد الهائلة، من أطفال و كبار السن و مدنيين الذين هم ضحايا (الإحتلال). إستطرد في حديثه زاعماً بأنّ الأمريكان قاموا ب(غزو) العراق للإستحواذ على الموارد البترولية لهذ البلد. بدأتُ بمناقشته و شرحتُ له و للمصطافين الذين كانوا معنا في الباص، بأنّ حكم صدام حسين قام بقتل الملايين من العراقيين من خلال حروبه الخارجية مع كلٍ من إيران و الكويت و المجتمع الدولي و عن طريق حروبه الهمجية ضد الشعب الكوردي و الشيعي و ضد جميع معارضيه و بقيامه بإعدام مئات الآلاف من الشعب العراقي و بسبب المرض و الجوع الذي كان يعصف بهذا الشعب المغلوب على أمره. أخبرتهم كيف قام حزب البعث الفاشي بإستعمال السلاح الكيمياوي ضد الكورد في حلبجة و مناطق عديدة أخرى من كوردستان و دفنه لمائة و إثنين و ثمانين ألفاً من الأبرياء من الكورد وهم أحياء و إستخدامه للسلاح الكيماوي ضد الشيعة في وسط و جنوب العراق و قتله لمئات الآلاف من الشيعة و الكورد أثناء إنتفاضتهم في عام 1991. إستطردتُ في حديثي عن إستحواذ الحكومة العراقية البائدة على خيرات البلاد و تدميرها لمعالم الحياة في العراق. ثمّ قمتُ بالإشارة الى العمليات الإرهابية الجارية في العراق و أنّ مُنفذيها هم من بقايا رجال حزب البعث الذين يستمرون في إرهاب الشعب و قتله و زيادة تدمير البُنى التحتية التي دمروها أثناء حُكمم الأسوَد و تحالفهم مع عصابات القاعدة و الإرهابيين الوهابيين و بالتنسيق مع مخابرات الدول المجاورة للعراق التي ترتعد حكامها من إطلالة شمس الحرية و المبادئ الديمراطية في أرض الرافدين و بذلك يريدون إجهاضها وهي في المهد. أخترتُ (تركيا) كمثال للدول التي تتدخل في شئوون العراق و مساهمة مخابراتها في العمليات الإرهابية، و خاصةً في تلعفر و شنكال و الموصل و كركوك لإفشال التجربة العراقية الفتية و الوقوف بوجه الصحوة الكوردية و الشيعية و المحاولة لإعادة الكورد و الشيعة الى حياة العبودية و الذل من جديد و إرجاع عجلة الزمن الى الوراء. كما ذكرتُ ل(جنكيز) و الحاضرين الآخرين بأنّ (تركيا) عضوة في حلف الناتو و هناك قواعد عسكرية أمريكية على الأراضي (التركية) و لولا المساعدات الإقتصادية و السياسية و العسكرية السخية التي تُقدمها الولايات المتحدة الأمريكية ل(تركيا)، لَكانت (تركيا) تنهار ككيان سياسي منذ زمن بعيد.

دخلتُ الى محل بيع المجوهرات للإطلاع على ما فيه و التعرف على أنواع الموديلات المعروضة. حينما علِم صاحب المحل أنني من إقليم جنوب كوردستان و في محاولة منه للتقرب مني لتشجيعي على شراء شئ ما من محله، أخبرني بأن الصبي الذي كان يعمل عنده هو كوردي و الذي كان جالساً الى جانبه، إلاّ أنه أضاف بأن الكورد في إقليم شمال كوردستان هم قوم آخر يختلفون مع سكان الجنوب الكوردستاني و لهم لغة مختلفة. أجبته بأنّ أهل الشمال و الجنوب و الغرب و الشرق الكوردستاني ينتمون الى أمة واحدة و شعب واحد و الدليل على ذلك هو الحديث الذي سأبدأ به مع العامل الكوردي الذي يعمل معك. بدأنا، العامل و أنا نتحدث معاً بلغتنا الكوردية الجميلة. بعد ذلك قلتُ لصاحب المحل أنه يرى بعينيه كيف يفهم الكوردي الشمالي أخيه الجنوبي رغم الحدود المصطنعة التي رسمها محتلو كوردستان لعزل الكورد عن بعضهم و رغم محاولات تذويبهم في قومياتهم.

الشركة السياحية التي سافرتُ معها، نظمت زيارة للمصطافين لأحد المحلات الكبيرة لبيع السجاد التركي، لغرض الإستماع الى عرض تأريخ صناعة السجاد في (تركيا) و الأنواع التي يبيعها المحل المذكور. بعد وصولنا الى هناك، تجمّعنا في ساحة كبيرة في وسط المحل و كان عددنا يربو على مائتين شخص. في البداية رحّب بنا العاملون في المحل و قدموا لنا المشروبات الغازية و المعجنات. بعد ذلك إنبرى رجل في العقد الثالث من عمره و أخذ يشرح لنا عن تأريخ السجاد التركي و يعرض أنواع مختلفة من السجاد من حيث النوعية و الأحجام و الألوان و النقوش. أرجعَ محدّثنا تأريخ بدأ صناعة السجاد في (تركيا) الى قبل ثلاثة آلاف سنة و بدأ يقارن السجاد التركي مع السجاد الإيراني. بعد الإنتهاء من حديثه و إفساحه المجال للأسئلة، إستأذنتُ منه أن أقوم بالتعليق على كلامه حول تأريخ السجاد التركي، فأخبرته بأنّ الأتراك لم يكن لهم وجود في (تركيا) الحالية قبل ثلاثة آلاف سنة، و إنْ كان تأريخ صناعة السجاد قد بدأ منذ زمن قديم، فهذا يعني أنّ السكان الأصليين لهذه المنطقة، مثل الكورد و الآشوريين و اليونانيين، هم الذين إكتشفوا صناعة السجاد و قاموا بتطويرها.

تعيش في مدينة (آلانيا) أعداد كبيرة من الكورد، حيث يُقدر عددهم بحوالى ثلث السكان على أقل تقدير. لا يخفى أنّ هؤلاء إستقروا هناك بسبب التهجير القسري لهم من قِبل السلطات التركية أو بسبب الحالة المعاشية السيئة في كوردستان، حيث تهمل الحكومة التركية الإقليم الكوردستاني، فينتشر فيه الفقر و الجهل و البطالة، بالإضافة الى الدمار الذي يتعرض له نتيجة الحروب التركية العنصرية الوحشية. الإقليم الكوردستاني محروم من المشاريع الإنمائية و المصانع و المعامل و المدارس و المعاهد و الجامعات و الخدمات. بكل أسف أقول بأنّ هذه المجاميع السكانية الضخمة للكورد في المدن التركية تمّ إهمالها أو التقليل من الإهتمام بها من قِبل الأحزاب السياسية و المنظمات الإجتماعية و الثقافية الكوردستانية. إنّ هذه الملايين من الكورد الذين يعيشون في المدن التركية يجب الإهتمام بهم و تنظيمهم و توعيتهم للحيلولة دون إنسلاخهم عن أمتهم و ليكونوا في نفس الوقت قوة جبارة تفرض نفسها على النظام التركي و ليُشكّلوا ظهيراً حيوياً للأمة الكوردية و حركتها التحررية. لا أطيل الحديث في هذا الموضوع، حيث أنني سأتحدث عنه بشئ من التفصيل في إحدى الحلقات القادمة من هذه السلسة من المقالات.

مما تقدم نستطيع أن نتوصل الى أنّ السلطات التركية و خاصة الجهات الأمنية و المخابراتية تقوم بتدريب المُرشدين للمصطافين الأجانب للتأثير على المواطنين الغربيين و الدعاية للحكومة التركية. كما أنّ برنامجاً منظماً و ذا أبعاد سياسية يقف خلف مثل هذا التدريب. لا يخفى بأنّ هذا البرنامج له تأثير كبير على الرأي العام العالمي، و خاصة الرأي الأوروبي، حيث يزور (تركيا) الملايين من المصطافين سنوياً. من أهم أهداف هذه الخطة هو تجميل الوجه القبيح للسلطات التركية لدى الرأي العام الأوروبي و إظهار (تركيا) على أنها دولة ديمقراطية، تحترم حقوق الإنسان. كما أنه من ضمن التوجهات التركية لهذا البرنامج هي الإيحاء للأوروبيين بأن القضية الكوردستانية هي قضية إقتصادية بحتة، حيث يعاني الإقليم الكوردستاني من التخلف الإقتصادي و التنموي و البطالة و بِحل هذه المسائل ستنتهي القضية الكوردستانية. إذن يحاول الأتراك من إبعاد القضية الكوردستانية عن إطارها السياسي و كقضية شعب مجزأ و وطنه مُحتل. تهدف الحكومة التركية من وراء حملتها المبرمجة هذه أيضاً الى تحريض الأوروبيين ضد الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يعلم الأتراك الأهمية القصوى للرأي العام في البلدان الديمقراطية و مدى تأثيره على السياسات التي تنتهجها هذه الحكومات الديمقراطية. من هنا يحاول الأتراك خلق هوة كبيرة بين الأمريكيين و الأوربيين لحرمان الولايات المتحدة الأمريكية من الدعم و التعاون و التأييد لمشروعها الشرق الأوسطي و إفشال دمقرطة المنطقة التي في حالة نجاحها، تؤدي الى ظهور الدولة الكوردستانية و بروز الشيعة كقوة إقليمية جبارة تُفشل الأهداف العنصرية التركية.