الرئيسية » التاريخ » ما حقيقة الدور البريطاني في تخريب علاقة داود باشا مع الكورد

ما حقيقة الدور البريطاني في تخريب علاقة داود باشا مع الكورد

لعب القناصل البريطانيون الذين عملوا في بغداد دوراً خطيراً في تعكير صفو العلاقات بين ولاة بغداد والكورد، ولاسيما داود باشا والي بغداد الذي قام باصلاحات عديدة خلال مدة حكمه وولايته، وهو المملوك الذي احبه الجميع وتعاونوا معه حتى وصل الى سدة الحكم، فقد وجدت بريطانيا الباب واسعا ومفتوحا امامها للتدخل في امور كوردستان لحماية مصالحها في ايران والدولة العثمانية من جانب، ودرءاً للخطر الروسي ولكسب ود الكورد الى جانب بريطانيا من جانب آخر..
ولذا اخذت المشكلة الكوردية نصيبا وافراً من سياسية داود باشا الذي جاهد ما وسعه للعمل على ايجاد حل لهذه القضية في اطار العراق الواحد الموحد، ومركزه بغداد عاصمة الولاية.
وكشفت اطروحة الدكتوراه للباحث عدنان محمد قاسم الموسومة ” داود باشا واصلاحاته في العراق” عن ذلك الدور الذي كان يحاول وضع العصي في عجلات العلاقة بين داود باشا والكورد، ودق اسفين بينهم ولعل ابرز صور ذلك الخلاف بين داود والكورد، هو العلاقة مع الاسرة البابانية التي اسستها شخصية كوردية وهي الفقيه احمد الذي ينسب اليه تاسيس (وجاق بابان). فقد تفوقت تلك الاسرة على جيرانها ولمع نجمها حين منحت السلطات سنة (1080هـ/ 1760م) سنجق قرة جولان (السليمانية في ما بعد) الى احد احفاد فقيه احمد.
واخذت الاسرة البابانية بعد تأمين الجانب الايراني- تتوسع على حساب الامارات المجاورة مثل (الصورانية والبهدينانية) حتى اصبحت تسيطر على راوندوز وكفري وحرير وقزلجة واربيل.
وامتد نفوذها الى كركوك وزنكباد والدربند الغربي، اذ كانت الحدود بين باشوية بغداد وسنجق السليمانية مبنية بخط من الحجارة.
وامتدت حدودها حتى ديالى، مما دفع الباشا داود الى ان يستعين بالقوة لتحجيمها.. وقد لعب القنصل البريطاني (ريتش) دوراً كبيراً في تحريض البابانيين للانشقاق على داود باشا.
سياسة داود باشا مع الامارات الاخرى..
والقت الاطروحة الاضواء على علاقة الوالي داود باشا مع الامارات والاسر الكوردية الاخرى، حيث كانت سلطة الوالي ازاء تلك الامارات الكوردية وكذلك الاسر الكوردية الحاكمة في المناطق العربية مثل اسرة ال الجليلي وغيرها، تلتقي في نقطة مشتركة هي اخضاعها الى ولاية بغداد المركزية. ولذلك كان داود في سياسته المتنافرة ازاء الامارات الكوردية شبيهة الى حد كبير بسياسة الباب العالي ازاء باشوياته في ضرب باشوية باخرى… فهو ايضا كان يحرض على سبيل المثال (محمد باشا الراوندوزي) على مقاتلة “محمود باشا” الباباني.. مما جعل الثقة تنفقد بين محمود باشا وداود باشا الامارة الصورانية
وقد اشارت الاطروحة الى الامارة الصورانية في اربيل وهي امارة كوردية نشأت ما بين الزابين، وتوالي منها امراء منهم (شاه علي بك).
واستمر حكمهم حتى ايام سليمان القانوني وقد انقرض حكمهم فيما بعد وبقي منهم الضعفاء بعد ان كانوا ملوك الكورد.
اذ ضعفت في عهد سليمان القانوني يسبب توليته عليها حاكما يزيديا ولم تنتعش الا على يد محمد باشا الراوندوزي (ميركور) او (كورباشا) في عهد داود باشا في وقت كانت فيه الامارة البابانية تتدهور بسرعة.
العشائر الكوردية
لقد ادت العشائر الكوردية ادوارا مهمة في تاريخ كوردستان العراق، ولذلك عندما جاء السلطان سليم الى كوردستان ابقى تلك العصبيات الحاكمة على حالها، ولكن في اطار التبعية للسلطان العثماني.
وكان الامراء الكورد على وجه العموم يقدرون موقع بلادهم الجبلية الصعبة الممرات بين بلاد السلطان وبلاد الشاه ولذلك كانوا يستفيدون من ذلك في حالات الخطر والتهديد من كلا الجهتين..
من اين ينحدر الكورد
وتشير الاطروحة الى ان الكورد تنحدر من اصل قديم كان يتكلم الاندواوربية وقد جاءوا الى كوردستان من اسيا عبر ايران، وسكنوا المناطق الجبلية، وقد قسم العراق الى عصبيات متعددة، اعترفت السلطات العثمانية بها، واشهر تلك العصبيات الامارة البهدينانية، والتي بدأ حكمها سنة (740هـ/1329م) وابقاها السلطان سليم على امارتها سنة (1514) ومركزها العمادية التي تقع في اقصى شمال العراق، وهي اقرب الى الموصل منها الى بغداد وكانت منذ البداية تابعة لبغداد.
حب الكورد للتعليم والعلم
ويبدو ان الكورد كانوا من الشعوب – في تلك الحقبة- التي اولت التعليم اهمية كبيرة فقد بلغ عدد المدارس في بلاد الكورد رقما كبيراً بل كانت في حينها مدرسة في كل قرية كوردية، وعرف عن الكورد حكما وشعبا حبهم وحماستهم للمدارس والعلماء. وكانت السليمانية على راس مدن كوردستان حيث انتشار المدارس، ولاتقل مدن كركوك والموصل في هذا المضمار.
ولم يكن منهج الدراسة في مدارس كوردستان يختلف كثيرا عنه في مدارس بغداد والبصرة في تلك المدة ، الامر الذي سهل على الطلبة في العراق بالتقارب الثقافي المشترك وتبادل النتاجات والاراء.
وتنوه الاطروحة الى ان جهود داود باشا لم تذهب سدى في ذلك الميدان فقد تمخض عهده عن ظهور اعلام نابغين كانوا بالاساس خريجي المدارس التي تاسست باشرافه ولم يقتصر داود باشا على العلماء العرب، بل كان يتلقى الدروس والعلم على يد العلماء الكورد، وهو بذلك ضرب مثلا رائعا للحاكم الذي يقبل على تلقي العلم من العلماء، وفي الوقت ذاته كان يفيد الناس من علمه ودراساته ومما يلفت النظر في عهد هذا الوالي، ان هناك اهتماما كبيرا من الكورد مع باقي اخوتهم من العلماء بالعلوم والمدارس، والذي كان له دوره في تخريج العدد الكبير من رجال العلم والفكر والادب الذين عاصروا حكم داود باشا.
Taakhi