الرئيسية » مقالات » الذئاب الرمادية و إستغفال الشرطة الالمانية

الذئاب الرمادية و إستغفال الشرطة الالمانية

قبل بضعة أيام، تظاهر قرابة 4000 کوردي في برلين وهم يطالبون بإطلاق سراح الزعيم الکوردي عبدالله اوجلان، التظاهرة کانت مرخصة و تحت حماية الشرطة کما هو العرف السائد هنا في المانيا، هذه التظاهرة التي جرت بشکل طبيعي و من دون أية مشاکل، فجأة إنقلبت الى ساحة تصادم و مواجهات بين الشرطة الالمانية و المتظاهرين و تم إعتقال قرابة 86 من المتظاهرين على خلفية تلك المواجهات. لکن الامر الذي أدى الى حدوث “إنعطافة”إستثنائية في سياق سير المتظاهرة کانت تتجلى في تسرب مجموعات محددة من”الذئاب الرمادية”الترکية التابعة للمخابرات الترکية بين صفوف المتظاهرين الکورد و قيامهم برشق الشرطة الالمانية بالقناني الزجاجية و الحجارة وهو الامر الذي أدى بالمتظاهرين الى التصادم مع هؤلاء”المتطفلين” مما قلب الوضع رأسا على عقب و سلب الهدوء و الامن من التظاهرة.
صحيفة”ديفيلت”الالمانية أشارت من جانبها الى هذه التظاهرة و قالت بأن عناصر من القوميين الاتراك المعروفين بالذئاب الرمادية هم الذين قاموا بالتأثير على التظاهرة السلمية للکورد و دفعوا بالاوضاع الى التوتر، لکننا يجب أن نشير هنا الى أمر آخر حري على الشرطة الالمانية المعروفة بنزاهتها و حياديتها من الانتباه إليه و عدم المزيد من الانسياق خلفه وهو يتجلى في تصرفات الافراد من الشرطة الالمانية من ذوي الاصل الترکي الذين ساهموا مع”الذئاب الرمادية”في الهجوم على المتظاهرين الکورد و هو ما أشار إليه بيان حزب العمال الکوردستاني الموجه للشرطة الالمانية بهذا الصدد و أن المسؤولين الالمان سوف يأخذون هذا الامر على محمل الجد سيما و إنه يأخذ بعدا تدرك الشرطة الالمانية خطورته على مصداقيتها مستقبلا.
الذئاب الرمادية، التي طالما کانت الورقة الاحتياطية التي تلعبها المخابرات الترکية مع مؤيدي حزب العمال الکوردستاني، تمکنوا من التمويه و ممارسة مختلف ألاعيب الزيف و الکذب لا مع الشرطة الالمانية فحسب وإنما حتى مع أولئك الالمان المتعاطفين مع القضية الکوردية في ترکيا، إذ طلما سعت هذه الذئاب”المخابراتية”الى تشويه النشاطات السلمية لمؤيدي حزب العمال الکوردستاني و خلق مشاهد تدل على معان و أبعاد سياسية و فکرية بعيدة کل البعد عن أناس يناضلون من أجل قضية شعب مغلوب على أمره ضد نظام سياسي يرتکز على مقومات عنصرية مستمدة أساسا من الدولة العثمانية التي أذاقت شعوب المنطقة الامرين من جراء سياساتها التعسفية الظالمة. والامر الذي دفع بالمخابرات الترکية لزج”ذئابها الرمادية”في تلك التظاهرة، هو ذلك الشعور بالخيبة و الاحباط اللذين تملك ساسة و جنرالات أنقرة بعد تلك الهزيمة التي لحقت بهم على أيدي مقاتلي حزب العمال الکوردستاني في جبل قنديل والتي أجبرتهم على الفرار و بلع کل ذلك التهديد و الوعيد بالويل و الثبور الذي وصل الى حد حتى إنهم کانوا من فرط تماديهم يتحدثون و بکل صلافة عن وجود قائمة مطلوبين تضم فيما تضم أسماء زعماء کورد بارزين في إقليم کوردستان العراق وکأنهم يوحون بلعبة شبيهة بتلك التي قام بها الامريکان و أسقطوا خلالها صدام و نظامه، لکن، علم احفاد”آل عثمان”بأنهم مجرد ضفدعة قامت بنفخ نفسها و تصورت إنها بحجم الثور الامريکي!!
ان التعنت الترکي القائم أساسا على مبدأ رفض الاعتراف بحقوق الشعب الکوردي و السعي لرسم السياسة الترکية الرسمية وفق هذا السياق، بات أمرا مثيرا للشفقة أکثر من التفهم على الصعيد الدولي، لأن العقلية السياسية المتحجرة التي ينظر من خلالها ساسة و جنرالات ترکيا للقضية الکوردية قد أکل عليه الدهر و شرب وإنهم بإصرارهم على الاستمرار في هکذا سياسة لن يحصدوا من ورائها شيئا مجديا لمستقبل ترکيا السياسي و الاقتصادي.
الذئاب الرمادية الترکية وإن تمکنت في برلين من إفشال تلك التظاهرة و قلب الطاولة على رأس خصومها إلا أن المخابرات الترکية يجب أن تعلم جيدا أنها بإصرارها على التمادي في هکذا لعبة تستغفل خلالها واحدة من أبرع و أمهر و أقدر أجهزة الشرطة في اوربا، فإنها تسير في طريق غير آمن و خاطئ تماما وأن الشرطة الالمانية المعروفة بنفسها الطويل و صبرها الغريب من نوعه، لن تدع ذئابا و لا”ثعالب”ترکية تسرح و تمرح کما تشاء على ارض تخضع لسلطة قوانين صارمة لا تعرف المساومة أو المجاملة وسوف تنبأها الايام بما لم يدر في خلدها يوما!