الرئيسية » مقالات » على هامش الجمعية العمومية للمنظمة العربية لحقوق الإنسان 33

على هامش الجمعية العمومية للمنظمة العربية لحقوق الإنسان 33

خلال أسبوعين تسنى لي الاستماع إلى محاضرتين عن أزمة دار فور في السودان , الأولى كانت للصحفي السوداني المعروف السيد حسن عبد الوهاب , التي قدمها في نادي الرافدين الثقافي العراقي ببرلين بالتعاون والتنسيق مع المنظمة السودانية الألمانية للثقافة والتنمية والديمقراطية , والمحاضرة الثانية كانت للإمام السيد الصادق الصديق عبد الرحمن المهدي , رئيس حزب الأمة القومي ورئيس وزراء السودان سابقاً , في القاهرة وعلى هامش المؤتمر السابع للجمعية العمومية للمنظمة العربية لحقوق الإنسان. كما استمعت إلى مداخلة مهمة أخرى قدمها السيد الصادق المهدي عن حقوق الإنسان. والسيد المهدي شخصية مساندة بقوة للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في جهودها لتكريس حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحقوق القوميات الأخرى في الدول العربية , وأملي أن يلعب دوره في معالجة قضية دار فور.
كان البون شاسعاً , وفق تقديري , بين المحاضرتين حول دار فور , سواء أكان ذلك ما يمس المضمون أم أسلوب وصياغة الأفكار. بدأ السيد المهدي محاضرته حول أزمة دار فور وسبل حلها بالإشارة الواضحة التي لا لبس فيها إلى أن المشكلة هي محلية أساساً وهي صناعة سودانية وناشئة عن تفاعل خمسة عوامل جوهرية , وهي:
1. غياب الاهتمام بالمنطقة وسكانها وتهميشها وغياب التنمية فيها وتراجع الخدمات العامة وتراكم كبير لمصاعب الحياة اليومية والتجاوز الخطير على حقوق الإنسان وحقوق الجماعات فيها.
2. تفاقم المشكلات القبلية بين الجماعات السكانية التي لم تجد الحل المناسب من جانب الحكومات المتعاقبة.
3. وجود جماعات مسلحة تمارس الإرهاب ضد سكان دار فور وتمارس القتل والسلب والنهب والاعتداء والاختطاف.
4. التنوع العرقي في هذه المنطقة , سواء أكانوا من العرب أم الأفارقة والتنوع القبلي للسكان , يضاف إلى ذلك سياسات الحكومات المتعاقبة في تجزئة هذه المنطقة وتقريمها بهدف إضعاف وتغيير البنية السكانية للمنطقة.
5. امتداد التماثل والتنوع القبلي في ما بين الدول المتجاورة وخاصة مع التشاد وما ينشأ عن ذلك من مشكلات وتصورات لدى الحكومة السودانية بأن الوضع في دار فور هو ناشئ عن تدخل الحكومة التشادية في شئون السودان. وكرد فعل تقوم الحكومة السودانية بالتدخل في الشأن التشادي ومحاولة زعزعة الحكم في التشاد , كما وقع أخيراً.
إن عجز الحكومة السودانية عن إيجاد حلول عملية وواقعية لهذه المشكلات وتنامي الفقر المدقع للسكان قد حول تلك المشكلات والتناقضات والصراعات إلى نزاعات سياسية مسلحة. وفي الوقت الذي كان في المنطقة حركتان أساسيتان هما العدل والمساواة وحركة تحرير السودان , نجد اليوم أكثر من عشرين منظمة وحركة وكتلة سياسية فيها, وهي بدورها تخلق أجندات مختلفة ومشكلات جديدة.
إن وجود هذه المشكلات وتفاقمها الكارثي والضحايا الكبيرة التي نتجت عنها تسببت بطبيعة الحال في إثارة الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي , إذ لم تعد دول وشعوب العالم منعزلة عن بعضها , بل متداخلة ومتشابكة , وبالتالي تسبب هذا الواقع بتحويل المسألة الداخلية إلى مشكلة دولية وصدور قرارات كثيرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي تحت البند السابع يطالب بحل المشكلة بسرعة كبيرة. وكانت الحكومة السودانية تراوح في مكانها في هذا الصدد.
من هنا يتبين لنا بوضوح أن مشكلة دار فور كانت بالأساس محلية وليست من جراء تدخل خارجي , ولكنها أصبحت دولية بسبب عدم حلها محلياً وتفاقمها وتحولها إلى كارثة حقيقية تمس منطقة بأكملها وتتسبب في مشكلات حدودية كثيرة ومعقدة وتقود إلى عواقب وخيمة.
هذا العرض الهادي والموضوعي والمتزن يختلف عن العرض الذي قدمه لنا الصحفي السوداني الأستاذ حسن عبد الوهاب الذي اعتبر المشكلة أساساً خارجية وتدخل إمبريالي أمريكي يريد تفتيت السودان ويحاول تضخيم المشكلة. ويعتقد بأن لا مشكلة هناك أسمها دار فور , إذ أن هذه القبائل كانت ولا زالت تعيش معاً وهناك في كل الدول توجد مشكلات قبلية ولا يوجد تدخل فيها. يبتعد هذا العرض تماماً , حسب رأيي الذي أوضحته للأستاذ حسن عبد الوهاب أثناء الندوة , عن واقع الحال في دار فور وعن الطبيعة السلبية لسياسة حكومة السودان. إذ أن إنكار وجود مشكلة لا يخفيها ولا يساعد على حلها , بل يزيدها تفاقماً وتوتراً وتتحول إلى ما نحن فيه اليوم في دار فور. ولهذا لا يجد السيد حسن عبد الوهاب من حل لهذه المشكلة سوى بالكف الخارجي عن التدخل في الشأن السوداني , وأن سكان المنطقة سيحلون مشكلاتهم في ما بينهم. في مقابل هذا الموقف يقدم لنا الأمام المهدي رؤية أخرى تماماً للحل المنشود في دار فور. فهو يؤكد في عرضه أن العرب غالباً ما ينكرون وجود قوميات أخرى وما ينجم عنها من مشكلات وضرورة حلها بدلاً من إنكار وجودها , كما في العراق أو المغرب أو السودان. ويرى السيد المهدي بأن الحل لمسألة دار فور يتم عبر المنهج التالي:
• لا يجوز اعتبار المشكلة خارجية , إذ أن ذلك يبعدنا عن الحل , بل هي مشكلة محلية جرى تدويلها بسبب الكوارث التي نشأت عنها , ويمكن للعالم أن يدفع باتجاه حلها.
• إعادة المناطق المقتطعة من الإقليم إليه وتوحيده , إذ أن السكان يرفضون هذا الاقتطاع , وهم على حق.
• الاعتراف بحقوق سكان الإقليم المشروعة و الأخذ بالاعتبار ضرورة توزيع السلطة والثروة في البلاد بما يساعد على الشعور بوجود مواطنة متساوية.
• الاهتمام بالمنطقة من حيث برامج التنمية والتطوير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ومكافحة الفقر المدقع والبؤس والأمية والمرض التي يعاني منها سكان الإقليم.
• سحب الأسلحة من تلك الجماعات المسلحة التي تمارس الاعتداء وإيقاف كل أشكال التجاوز على حقوق الإنسان.
******
ندوة حول الحركة العربية لحقوق الإنسان في واقع متغير
بعد انتهاء أعمال الجمعية العمومية عقدت ندوة حول الموضوع أعلاه حضرته جمهرة من المؤتمرين عرض فيها الأمين العام الجديد الأستاذ والكاتب المتميز محسن عوض رؤية مهمة عن حركة حقوق الإنسان وضعت في ورقة مكثفة وزعت على الحاضرين. فبعد أن استعرض المصاعب ولتغيرات التي طرأت على وضع المنظمة والحركة في الصراع مع السلطات الحاكمة ومع التغيرات الجارية على دور الدولة وعلى مهمات منظمات حقوق الإنسان و طرح مجموعة من الموضوعات للمناقشة باتجاهين قضايا موضوعية وأخرى ذاتية من بينها ما يمس عمل المنظمة وماليتها وسبل حماية المدافعين عن حقوق الإنسان ..الخ, أما الموضوعات العامة فكانت حول رسالة حقوق الإنسان والتفاعل مع الآليات الدولية والوطنية وحدود الإجماع وضوابط الاختلاف والتفاعل مع المكونات الداخلية والخارجية , كما صاغ في هذا الصدد مجموع من الأسئلة المهمة. وقد جرت مناقشات حيوية طرح فيها الكثير من الأخوة وجهات نظرهم حيث أدار الأخ الدكتور أمين مكي مدني , رئيس المنظمة هذه الندوة المهمة بروح ديمقراطية متميزة وتأكيد على أهمية إجراء التغييرات الضرورية في عمل ونشاط وآليات عمل المنظمة في الدورة الجديدة التي أنتخب لرئاسة مجلس الأمناء أيضاً.
ومن المفيد هنا أن أشير إلى أن المداخلة الموسعة التي قدمها السيد الصادق المهدي في هذه الندوة تميزت بالحيوية ووضوح الرؤية والموقف الجيد الذي أتمنى أن يكرسه حين يكون في السلطة أيضاً , إذ أننا نحن في هذه المنطقة نتباين في مواقفنا النظرية عن مواقفنا العملية حين نأتي إلى السلطة , والبون يكون شاسعاً بين النظرية والتطبيق. لقد بدأ السيد المهدي بالإشارة إلى حقيقة وجود تدهور في حالة حقوق الإنسان في العالم العربي وتنامي القهر والفقر والظلم مما تسبب في تفاقم ظاهرتين هما : التحرك الشعبي المناهض لهذا الوضع أولاً , وبروز العنف السياسي العشوائي باعتباره ردة فعل للممارسات ثانياً. وأكد في مجرى عرضه خمسة عوامل كانت ولا زالت السبب وراء ذلك , وهي : الاستبداد والظلم الاجتماعي والاستيطان والاحتلال والاستغلال. وجاء في عرضه إلى وجود أسلوبين لمواجهة الأوضاع الراهنة , وهما: أسلوب مرافعة مدنية ناعمة ضد تلك الأوضاع , وهو الذي تمارسه منظمات حقوق الإنسان والقوى السياسية المعتدلة , وأسلوب مرافعة خشنة , عنفية , وهو الذي تمارسه قوى الغلو. ورغم تنامي حجم وعدد التواقيع على المواثيق الدولية والإقليمية وقرارات ومبادئ حقوق الإنسان من جانب حكومات الدول العربية , فأن التجاوز على حقوق الإنسان آخذ بالتفاقم. وأكد بأن الهبوط الخشن , أي العنف , سيجد مقاومة أكبر من جانب الدول الكبرى ولا يحقق شيئاً للشعوب في الدول العربية , في حين أن الهبوط الناعم , أي ممارسة الأساليب السلمية في مواجهة المشكلات , سيمنع الدول الكبرى من ممارسة أساليب القوة والعنف , وسيساهم في الوصول إلى الأهداف المرجوة. ويرى بأن هناك تطلعاً في الولايات المتحدة إلى ممارسة سياسة جديدة فيها تغيير عن السياسات التي مورست حتى الآن إزاء قضايا العالم العربي , ومنها القضية الفلسطينية. وأكد أهمية السير على طريق دفع عملية التغيير لهذه السياسة من خلال سياسات الدول العربية , وبالتالي سيضعف اليمين الأمريكي والإسرائيلي , في حين أن الغلو الخشن (العنف) يعزز من تلك الاتجاهات اليمينية في الولايات المتحدة ويزيد من دعم السياسات الإسرائيلية في المنطقة وإزاء الشعب الفلسطيني.
لقد كان واضحاً حين أشار إلى أن القائم من أوضاع وسلطات في الدول العربية سيء , ولكن البديل أسوأ , ويقصد به الإسلام السياسي المتطرف والطائفية في الدول العربية. ولهذا لا بد من مواجهته وإفشال هذه المخططات.
واقترح أخيراً عقد مؤتمر مرجعي يبحث في الواقع القائم ويطرح استراتيجية جديدة في مجال النضال في سبيل احترام وممارسة حقوق الإنسان في الدول العربية. وقد طرح المتحدثون تأييدهم الواسع لهذا المقترح , كما أكد ذلك رئيس المنظمة وأمينها العام, على أن تعد ورقة عمل بهذا الصدد وتوزع ثم يتم عقد المؤتمر المطلوب لمناقشتها.
ومن المفيد أن أشير هنا إلى أن الأخبار قد نقلت إلينا عن احتمال توقيع اتفاق مشترك بين حزب المؤتمر الوطني الذي يرأسه عمر البشير وحزب الأمة القومي الذي يرأسه السيد الصادق المهدي , حول العمل المشترك بين الحزبين في السودان. وأود أن أشير هنا إلى ثلاث ملاحظات, وهي :
• لقد كان السيد المهدي أكثر من مرة في الحكم , إلا أنه لم يتعامل مع الأحداث بمثل الروحية التي طرح فيها أفكاره في الندوة الأخيرة عن دار فور وعن حقوق الإنسان , رغم أنه في العام 1986 قد استقبل المنظمة العربية لحقوق الإنسان في الخرطوم حين كان رئيساً للوزراء حيث عقدت مؤتمرها هناك في حين تعذر عقده في مصر.
• وخروجاً عن مألوفه وافق على قرار حل الحزب الشيوعي , ولكنه اعترف بهذا الخطأ بعد مرور عشر سنوات على صدوره. كما لم يدن قرار إعدام محمود محمد طه , رئيس الحزب الجمهوري في السودان وأربعة من رفاقه الجمهوريين وصادق عليه جعفر النميري ونفذ بهم في صباح يوم الجمعة المصادف 18 كانون الثاني / يناير 1985.
• إضافة إلى قوله المعروف حين وصل الترابي عبر الانقلاب العسكري إلى السلطة : عندكم السلطة وعندنا الشرعية ونستطيع أن نحكم معاً.
إن ما يهمني الآن هو أن الاتفاق الأخير مع الحزب الحاكم في السودان , المؤتمر الوطني يفترض أن لا يأتي على حساب بقية أطراف الحركة الوطنية السودانية التي ناضلت ضد الدكتاتورية والتسلط في السودان وفي سبيل معالجة القضايا السودانية بالطرق السلمية أولاً , وأن يمارس دوره في حل مشكلة دار فور وفق ما طرحه في محاضرته يوم 16/4/2008 في فندق هليوبوليس في القاهرة ثانياً , وأن يتم التوجه صوب الديمقراطية والحياة الدستورية وانتخابات عامة نزيهة في البلاد.
وفي هذا الندوة , وقبل مداخلة السيد الصادق المهدي , تسنى لي إبداء عدد من الملاحظات في ضوء مطالعة الأستاذ محسن عوض والورقة المكثفة المهمة التي قدمها لنا الأمين العام الجديد. وقد أكدت في ملاحظاتي على النقاط التالية:
• أهمية وضرورة الخروج من إطار النخبوية في حركة المنظمة باتجاه العمل الشعبي واسع النطاق , وهذا لا يعني أن تكون عضوية المنظمة شعبية واسعة , بل نشاط المنظمة شعبي واسع , وأن يكون الحليف للمنظمة هي القوى الاجتماعية التي تدافع المنظمة عن حقوقها المفقودة. إذ نحن بحاجة إلى حركة شعبية تساهم في التوعية والتثقيف بمبادئ حقوق الإنسان ومسألة وتأصيل مفهوم الحق الذي لا يكون من لطرف واحد بل حق الآخر أيضاً , ولا يكون بدون واجبات يمارسها الأفراد , كما أشارت على ذلك بوضوح السيدة الدكتورة سهام الفريح و نائبة الرئيس في تطرقها لمفهوم حقوق الإنسان.
• لا يمكن منع التدخل الخارجي ما دمنا عاجزين عن حل مشكلاتنا الداخلية , سواء أكانت قومية أم دينية أم مذهبية أم اقتصادية واجتماعية أم قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان. وحين تتم معالجة مشكلاتنا سيتوقف التدخل الخارجي من تلقاء ذاته.
• الأهمية القصوى لفهم مطالب القوميات الأخرى في الدول العربية وكذلك أتباع الديانات الأخرى ورفض الطائفية السياسية والدفاع عن مبدأ “الدين لله والوطن للجميع”.
• وأهمية عدم الخشية من التلاقح الثقافي مع الثقافات الأخرى في داخل البلد الواحد أو مع ثقافات الدول والشعوب الأخرى , إذ بها نستطيع أن نغتني ونعزز دور ومكانة وطاقة ثقافتنا العربية وثقافاتنا الأخرى المتنوعة. هناك أهمية كبيرة لرفض التمييز القومي والعرقي والديني والمذهبي في الدول العربية وعلينا أن ندعو للتفاهم والتفاعل والتبادل بين الثقافات الوطنية المتنوعة في البلد الواحد أو في المنطقة بأسرها.
• موضوع العولمة والخلط غير العقلاني بين العولمة كعملة موضوعية لا مرد لها من جهة , وبين سياسات العولمة الدولية , وخاصة سياسات الولايات المتحدة , وعواقبها وسبل التمييز الضروري بين الموضوعين لكي نلج العولمة ولكن برؤية واضحة , إذ لا سبيل للإبحار بعيداً عنها وعن تأثيراتها.
• أهمية الانتباه إلى دور المرأة وضرورته وضرورة الدفاع عن حقوقها وحرياتها مشاركتها
الفعلية المتساوية مع الرجل في جميع المجالات.
ولا شك في أن هذه المقالات غير كافية للتعبير عن المسائل التي عولجت في المؤتمر ووجهات النظر المهمة التي طرحت من أخوات وإخوة آخرين.
أتمنى أن يشارك آخرون في تبيان وجهات نظرهم في هذا لمؤتمر الذي يعد واحداً من أهم المؤتمرات التي عقدت وأكثرها وعياً بأهمية تغيير أساليب وأدوات وطرق العمل وخطاب حقوق الإنسان والمهمات الجديدة التي يطرحها العالم المتغير على شعوبنا في الدول العربية وعلى حركة حقوق الإنسان. لقد كان المؤتمر ناجحاً في فعالياته وفي النتائج التي توصل إليها , رغم استمرار وجود وجهات نظر متباينة في ما يخص بعض القضايا العربية التي يمكن أن تعالج عبر الزمن والعمل المشترك.

23/4/2008 كاظم حبيب