الرئيسية » مقالات » نتائج المؤتمر السابع للجمعية العمومية للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في القاهرة 23

نتائج المؤتمر السابع للجمعية العمومية للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في القاهرة 23

أشرت في الحلقة الأولى إلى أن المؤتمر السابع للجمعية العمومية للمنظمة العربية لحقوق الإنسان , الذي عقد في القاهرة خلال الفترة 18-19/4/2008 والذي شارك فيه 51 عضواً يمثلون 21 منظمة موزعة على الدول العربية ودول أوروبية إضافة إلى عضوين مثَّلا الشبكة العراقية لحقوق الإنسان كمراقبين , قد كرم على هامش المؤتمر عدداً كبيراً من الرواد الأوائل ومن مؤسسي المنظمة.
وفي أجواء من الود والتعاون بدأت جلسات المؤتمر السابع التي تميزت بالحيوية والمسئولية والجدية العالية في مناقشة التقرير المقدم من مجلس الأمناء وكذلك التقرير المالي وتقارير الفروع. وكانت الرغبة والحاجة ماسة إلى مزيد من الحوار والنقاشات المفيدة لعمل المنظمة والفروع ونشطاء حقوق الإنسان. إلا أن الوقت المخصص للمناقشات كان محدوداً , مما حرم الوفود من تقديم تقارير مفصلة عن نشاطاتهم من جهة , ومناقشة تلك التقارير من جهة ثانية. وقد تركز النقاش على تقرير مجلس الأمناء. ومع ذلك فقد كان الوقت محدوداً , إذ لم يتجاوز حق كل متحدث عن ثلاث دقائق فقط ولمرة واحدة.
ابتدأ المؤتمر بكلمة قصيرة ولكنها مهمة للسيد رئيس المنظمة الدكتور أمين مكي مدني مشيراً على اهمية هذا المؤتمر بعد مرور بع قرن على تأسيس المنظمة وما أنجزته خلال هذا العمر وما يفترض أن تنجزه لاحقاً والمصاعب التي واجهت المنظمة , وكذا الأهداف النبيلة والكبيرة التي تسعى إلى تحقيقها في الدول العربية.
وبعد انتخاب رئاسة جديدة لمؤتمر الجمعية العمومية والتي كلف بها الأخ الدكتور محمد عبد الملك المتوكل من اليمن , استعرض الأمين العام السابق للمنظمة الأستاذ محمد فائق تقرير مجلس الأمناء بشكل مكثف مشيراً إلى حالة حقوق الإنسان في عدد صغير من الدول التي تواجه مشكلات معقدة , كما في حالة كل من العراق وفلسطين ولبنان والسودان (دار فور على نحو خاص) والصومال. ولكن التقرير تجنب الإشارة إلى المشكلات التي تواجه كل من سوريا ومصر واليمن وليبيا , على سبيل المثال لا الحصر , في مجال التجاوز المتنوع والفظ على حقوق الإنسان والهيمنة الحزبية الضيقة على السلطة ومسار ووجهة التطور فيها. وقد كان هذا سبباً في انتقاد العديد من المؤتمرين لهذا النقص البارز في التقرير. كما تجاوز التقرير الإشارة الواضحة إلى التدخل الإقليمي الفظ لكل من إيران وسوريا في الشأن العراقي واللبناني والفلسطيني ومخاطر ذلك على أوضاع هذه البلدان وإشاعة الأجواء الطائفية أو الفوضى فيها , في حين ركز بصواب على جانب التدخل الدولي , وخاصة الأمريكي في هذه المنطقة الحساسة من العالم. لا شك في أن التقرير السنوي الذي يصدر عن المنظمة يكون تفصيلياً ويمر بوضوح على جميع الدول العربية مشيراً فيه إلى التجاوزات التي تقع على حقوق الإنسان فيها , وهي تقارير مهمة يفترض الإطلاع عليها ونشرها على نطاق واسع لأهميتها وتضمنها الكثير من المعلومات القيمة والصحيحة.
وقد أشرت في ملاحظاتي حول تقرير مجلس الأمناء إلى عدد من النقاط المهمة التي وجدت ضرورة الإشارة إليها , سواء تلك التي تمس التقرير بشكل عام أم تلك التي تمس الحالة العراقية. لم يكن هناك من العراقيات والعراقيين من يرغب في أن تقع الحرب التي جرت ضد النظام العراقي , إذ كان الدكتاتور صدام حسين السبب الرئيسي في دفع الأمور إلى نهاياته الكارثية وإعطاء الذريعة الكافية للتدخل وما نشأ عنه من أوضاع مأساوية. كما لم يكن هناك من يريد الاحتلال حقاً , ولا بد لنا من العمل من أجل إنهاء الاحتلال , ولكن السؤال المشروع هو: كيف يفترض أن نعمل من أجل ذلك؟ إن الطريقة الجارية حالياً واستخدام السلاح والإرهاب لن يساهم في إخراج القوات الأجنبية بل يبقيها أطول فترة ممكنة , وبالتالي لا بد من استخدام أساليب سلمية لتحقيق هذا الهدف , إضافة إلى إمكانية وضرورة زيادة دور الأمم المتحدة لتحل محل القوات الأمريكية أو الأجنبية عموماً. كما أشرت في ملاحظاتي بوضوح إلى أن من الصحيح إدانة الأحزاب السياسية الإسلامية التي كونت مليشيات مسلحة طائفية ساهمت وتساهم في الفوضى والقتل والخراب في العراق وضرورة العمل من أجل إنهاء الوجود العسكري المسلح للمليشيات , ولكن من غير الصحيح بأي حال السكوت عن , ونسيان أن , الأحزاب الإسلامية السياسية السنية كانت مشاركة وحاضنة لقوى القاعدة الإرهابية في العراق , وهي التي اعترفت بذلك , إذ أن مثل هذا العرض الذي ورد في التقرير يساهم في توجيه اتهام اتخاذ المنظمة موقفاً طائفياً , ويفترض أن لا يكون كذلك , علماً بأن منظمات حقوق الإنسان لا يمكن أن تكون من حيث المبدأ طائفية. إن أسلوب عرض الوضع في العراق يحتاج إلى تعديل وتحسين , إذ أن الضحايا التي سقطت في العراق كانت ولا تزال كبيرة جداً , ويستوجب الأمر مشاركة الدول العربية في دعم الجهد لإنهاء الإرهاب وسيل الدماء ويفترض أن ندين التحالف السوري الإيراني الموجه ضد العراق وضد استقرار وأمن وسيادة لبنان ووحدة منظمة التحرير التي تعاني من مصاعب حالياً بسبب الأوضاع الجارية في غزة ودعم إيران للانقلاب المسلح فيها.غزة.
لقد برز في المؤتمر نقص جوهري هو قلة عدد النساء المشاركات فيه , إذ لم يزد عددهن عن عدد أصابع اليد الواحدة , وهو تعبير عن عدم وصول المنظمات الفرعية إلى الناس الحقيقيين الذين يحتاجون إلى المزيد من النشاط للدفاع عن حقوق الإنسان , ومنها بشكل خاص حقوق المرأة. كما أن المنظمة لا تزال نخبوية تقتصر على مجموعة من المثقفين وليست حركة شعبية نضالية من أجل حقوق الإنسان. ولكن وبعد مرور ربع قرن على تأسيسها , فنحن بحاجة إلى تغيير جاد في الأساليب والأدوات والعلاقات والخطاب الحقوقي والدمج الفعال بين مبادئ حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية التي تمس المجتمعات في الدول العربية وخاصة تلك الفئات الاجتماعية التي تعاني من التجاوز على حقوق الإنسان , كأفراد وكجماعات , وصياغتها بالطريقة التي تساهم في التفاف الجماهير الواسعة وراء النضال من أجل حقوق الإنسان , حقوق جميع الناس.
لم يعالج التقرير مشكلات القوميات الأخرى في الدول العربية , مما تطلب الإشارة إليه من جانبي ومن جانب السيد الصادق المهدي ,الذي أشار إلى نسياننا نحن العرب مشكلات القوميات الأخرى. وقد كان موضع إشارتي إلى عدم الحديث عن حقوق القوميات الأخرى في الدول العربية , ومنها حقوق الكُرد أو الأمازيغ أو شعب جنوب السودان ودار فور …الخ. كما انتقدت النقص البارز في التقرير حول عدم إدانة التمييز الديني والمذهبي الجاري واضطرار الكثير من أتباع الديانات والمذاهب الأخرى إلى الهجرة من أوطانهم إلى الخارج , كما في حالة المسيحيين والصابئة والإيزيدية في العراق أو في مصر في حالة الأقباط. إن هذه الجماعات القومية والدينية بحاجة إلى رعاية ودفاع المنظمة عنهم.
لقد تضمن التقرير معلومات مهمة عن العلاقات المتوسعة للمنظمة العربية لحقوق الإنسان على الصعيدين الإقليمي والدولي في مجال منظمات المجتمع المدني والتي هي بحاجة إلى مزيد من التنشيط والتوسع والملموسية في مضامين تلك العلاقات واتجاها تطورها. إن حاجة مجتمعاتنا إلى تضامن الشعوب الأخرى معنا من أجل حقوق الإنسان والديمقراطية تستوجب تضامننا الكامل مع بقية شعوب العالم من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان فيها أيضاً.
وتطرق التقرير والنقاشات التي جرت إلى المشكلات التي تواجه كل الدول العربية بسبب تفاقم أجواء التطرف الديني والطائفي والإرهاب والتسلح الذي يفترض أن يوضع له حد في الدول العربية , كما لا بد من الانتباه على سباق التسلح الجاري في المنطقة ومحاولات إيران على التسلح النووي وضرورة جعل منطقة الشرق الأوسط منزوعة السلاح النووي وجميع أسلحة الدمار والفتك الشاملين.
طرحت منظمات حقوق الإنسان العضوة القادمة من الدول الأوروبية على مؤتمر الجمعية العمومية أهمية دعم نشاط هذه المنظمات من خلال عقد مؤتمر مشترك لها لوضع استراتيجية مشتركة تناقش فيه مشكلاتها وأساليب وأدوات عملها وأسس دفاعها عن المهاجرين والمهجرين من الدول العربية إلى الدول الغربية والمتزايد عددهم باستمرار. هذا ما طرحه السيد الدكتور حامد فضل الله مشيراً إلى أهمية التوعية الثقافية والحقوقية لهذه الجماعات السكانية القادمة من الدول العربية ومؤكداً ضرورة بذل الجهد لاحتضانها ودعم جهودها للاندماج العقلاني في المجتمعات الجديدة مع قردتها في الاحتفاظ على هويتها الثقافية والقومية.
أما البلاغ الختامي الصادر عن الجمعية العمومية فقد تضمن مجموعة من النقاط المهمة التي نشير إلى أهمها فيما يلي , كما جاءت في نص البلاغ الذي أخذ ببعض ما أشير إليه في النقاشات أيضاً:
“… استنكرت الجمعية استمرار ظاهرات التعذيب والمعاملة القاسية في مراكز الاحتجاز وإساءة استخدام السلطة في غالبية البلدان العربية والتي تفضي في بعض الأحيان إلى وفيات. وشددت على رفضها لاستمرار العمل بقوانين وحالة الطوارئ الرسمية والواقعية في العديد من البلدان العربية ، واستحداث قوانين لمكافحة الإرهاب تنتهك الضمانات القانونية والأساسية لحقوق الإنسان ، كما شددت على ضرورة إنهاء ظاهرات القضاء الاستثنائي وإحالة المدنيين إلى القضاء العسكري.
وعلى صعيد الحريات العامة ، نددت الجمعية العمومية بالقيود المفروضة على حريات الرأي والتعبير والاعتقاد والتجمع السلمي ، والقيود على الحق في الترخيص والتنظيم الحزبي والنقابي ، ومصادرة الحق في المشاركة في إدارة الشئون العامة.
وناقشت الجمعية تدهور استجابة الحكومات لالتزاماتها في مجال تلبية وتفعيل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ، لاسيما في ضوء استفحال أزمة الغلاء والغذاء العالمية.
وأعادت التأكيد على ضرورة احترام التعددية الثقافية في البلدان العربية ، وعلى الحق في الاعتراف بالهوية الثقافية واللغوية وبالحقوق الكاملة في المواطنة والمساواة لضمان الوحدة في إطار التنوع.
وتبنت الجمعية استراتيجية عمل في المرحلة القادمة تقوم على تعزيز الاهتمام بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية جنباً إلى جنب مع الحقوق المدنية والسياسية ، وأطلقت حواراً حول رؤية استراتيجية لتفاعل المنظمة مع المتغيرات الإقليمية والدولية ، وبدأت بندوة عقدت على هامش الاجتماع ، وتواصل خلال الفترة المقبلة توسيع نطاق الحوار مع كافة الدوائر المعنية بحقوق الإنسان في الوطن العربي.
وفي ختام أعمالها ، أجرت الجمعية انتخابات تشكيل مجلس أمنائها ، والتي أسفرت عن تجديد في مقاعده بنسبة 30 بالمائة من الأعضاء العشرين ، كما أجرى مجلس الأمناء الجديد انتخاباته الداخلية ، وشكل لجنته التنفيذية وجدد ثقته في الدكتور أمين مكي مدني رئيساً لمجلس الأمناء والدكتورة سهام الفريح نائباً للرئيس ، وانتخب الأستاذ محسن عوض أميناً عاماً للمنظمة والأستاذ محمد الهسكوري أميناً للصندوق والأستاذ راجي الصوراني والدكتورة سبيكة النجار والأستاذ بوجمعه غشير لعضوية اللجنة التنفيذية، كما جددت اللجنة التنفيذية ثقتها في السفير إبراهيم علام مديراً تنفيذياً للمنظمة لدورة جديدة”. كما انتخب السد الدكتور حامد فضل الله ممثل منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان في الدول العربية / ألمانيا عضوا في مجلس الأمناء للدورة الجديدة.
لا شك في أن المنظمة العربية لحقوق الإنسان قد واجهت مصاعب كبيرة في عملها , وهي لا تزال تواجه مثل هذه المصاعب حتى في بلد المقر , مصر. إلا أن أمينها العام السابق الأستاذ محمد فائق , وهو من الشخصيات القومية العربية الناصرية , الذي قضى عشر سنوات من عمره في سجون مصر في عهد أنور السادات وتعرض إلى اعتقال احترازي فيما بعد أيضاً , والذي رفض إطلاق سراحه من السجن بعد مرور خمس سنوات على حبسه , شريطة أن يعتذر عن مشاركته في تآمر على نظام السادات الذي لم يعرف هو بوجود أي تآمر ولم ي شارك في أي تآمر , لعب دوراً مهماً في تجنب الصعوبات وإيجاد حلول لها وتجاوزها , واستمر بالعمل بدأب وذهنية متفتحة ودبلوماسية عالية. ولا بد لي أن أشير إلى سعيه المستمر للوصول إلى نقاط التقاء عند معالجة القضايا المعلقة , فهو عنصر توحيد وليس تفكيكي. وأود هنا أن أشير إلى مسألتين في تجربتي الشخصية معه حول قضايا عامة حين كنت رئيساً للمنظمة في ألمانيا. فقد حضر الأستاذ محمد فائق المؤتمر التأسيسي للمنظمة في برلين وطرحنا اسماً جديدا لمنظمتنا هو :منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان في الدول العربية / ألمانيا (أومراس) بدلاً من اسم “المنظمة العربية لحقوق الإنسان/ألمانيا, بسبب قناعتنا بوجود قوميات أخرى في الدول العربية مثل الشعب الكُردي في العراق وسوريا أو الأمازيغ في الدول المغاربية أو شعب جنوب السودان ودار فور ..الخ , إذ لهؤلاء الحق في الدخول في المنظمة إن اخترنا الاسم الرسمي وهو الدول العربية وليس البلدان العربية ولا المنظمة العربية. وقد وافق الأمين العام للمنظمة على هذه التسمية متفهماً أسبابها.
والحالة الثانية برزت حين قمت بتوجيه رسالة إلى الأمين العام الأستاذ محمد فائق أشير فيها إلى خطأ وضرر الإصرار على اتهام الكُرد في العراق بالتمرد والحديث في تقارير المنظمة السنوية ونشراتها الإخبارية عن حالة حقوق الإنسان عن “المتمردين الأكراد” في شمال العراق , إذ أنهم ليسوا بمتمردين بل هم مناضلون أشداء من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان والديمقراطية أولاً , ولأن ذكر كلمة المتمردين الأكراد كانت تعني إعطاء الذريعة للدكتاتورية في العراق بتوجيه ضربات ضد الشعب الكردي والمناضلين الكُرد في كُردستان العراق , وبالتالي تساهم المنظمة , شاءت أم أبت , بالإساءة للمناضلين بدلاً من دعم نضالهم. وقد التقيت مع الأمين العام وشرحت له وجهة نظري هذه بتفصيل أكبر. ونتج عن ذلك أن التقارير اللاحقة قد تخلت عن استخدام كلمة المتمردين الأكراد , كما كانت ترد كلمة كُردستان في التقارير أيضاً. ولدَّي الثقة بأن الأستاذ محمد فائق قد لعب دوراً أساسياً في تغيير هذا الموقف الموقف.
لقد تميزت علاقتنا بالإيجابية والفهم المتبادل رغم وجود اختلاف في وجهات النظر إزاء بعض المسائل السياسية في العالم العربي , إذ كانت تجمعنا مسألة مركزية هي حقوق الإنسان في الدول العربية.

23/4/2008 كاظم حبيب