الرئيسية » مقالات » صراحة الأستاذ مسعود البارزاني بشأن الدولة الكردية

صراحة الأستاذ مسعود البارزاني بشأن الدولة الكردية

في معرض قراءتي لكتاب الأستاذ مسعود البارزاني الموسوم ” البارزاني والحركة التحررية الكردية ” قرأت في هذا الكتاب الصراحة في الموقف قلما نجد مثله لبعده عن المناورات السياسية والدبلوماسية المتسمة في احيان كثيرة بالغموض وعدم الكشف عن حقيقة النوايا بصراحة وبشكل مباشر .
من المعروف ان قيادة الثورة الكردية تعاونت مع الأنقلابيين في 8 شباط 1963 ولكن مع هذا يطرح الأستاذ مسعود البارزاني رأيه الشخصي المغاير لهذا التوجه بكل صراحة ( مسعود البارزاني : البارزاني والحركة التحررية الكردية ج3 ص 82 ) يقول :
رغم ان عبد الكريم قاسم شن حربه الظالمة على الشعب الكردي بكل ما جرته من مآس وويلات عليه وعلى الشعب العربي أيضاً ، فإني أقولها هنا ان مقتله لم يخلف في نفسي أي شعور بالأرتياح والسرور . وقناعتي هي انه رغم سوء عمله معنا فإنه أسمى وأعلى كثيراً من أولئك الذين قاموا بالأنقلاب في شباط .
وفي الوقت الحاضر يعبر عن رأيه بصراحة حول الجدل الدائر عن استقلال كردستان ، ويتحدث بلغة المواطن الكردي عن طروحات الدولة الكردية واستقلال كردستان .
في معرض رده في رسالة جوابية على موقع الكتروني ، وهي منشورة على موقع كردستان نت :
ان البارزاني كأي مواطن كردي يأمل ان يرى كردستان مستقلة وهذا حق طبيعي للقومية الكردية ،ولكنه يضيف ان الظروف غير مواتية في الوقت الراهن لأعلان الدولة الكردية ويقول نحن نحاول وبالطرق السلمية وبعيداً عن العنف تحقيق استقلال كردستان .
وسؤال يطرح نفسه : اين تقف كردستان اليوم من ذلك الهدف ؟
السيد مسعود البارزاني يقول نحقق ذلك بالطرق السلمية وبعيداً عن العنف ، وهذا طريق مشروع لا غبار عليه . ولكي نعود الى اصل المشكلة الكردية برمتها والتي ابتدأت خيوطها بالتشابك والتعقيد منذ معركة جالديران سنة 1514 والتي اقرّ فيها تقسيم منطقة كردستان ، وبعد اندحار الأمبراطورية العثمانية واستقلال العراق أمست القضية الكردية تدور في فلك المصالح لايران وتركيا والعراق فكردستان المتآخمة لهذه الدول باتت من المناطق الساخنة منذ عقود على المشهد السياسي للشرق الأوسط .
لا مراء في ان الشعب الكردي له قضية عادلة وحركته هي حركة تحرر وطني ، وله من الحقوق ما للشعوب الأخرى في المنطقة والعالم ويأتي في المقدمة حق تقرير المصير ، لكن بعد تعذر وصعوبة بل واستحالة الحلول العسكرية ، اصبح من الحكمة التوجه للحلول الديمقراطية السلمية والأستفادة من تجارب الشعوب في هذا المجال .
نحاول تقريب الفكرة بالأشارة الى تجربة دولة كندا الأتحادية الديمقراطية ، في هذه الدولة تشكل كوبيك اكبر مقاطعاتها إذ تبلغ مساحتها اكثر من مليون ونصف المليون كيلومتر مربع وتأتي في المرتبة الثانية بين الولايات الكندية من حيث عدد السكان . وعلى نطاق التنوع العرقي تميزت مقاطعة كويبك بنزوعها الى الأنفصال عن كندا بدعوى فروقاتها الأثنية ولغتها الفرنسية في حين ان لغة كندا هي انكليزية كما هو معروف . وهذه المقاطعة في دعوتها للأنفصال عن كندا لم تلجأ الى السلاح والعمل العسكري ، ولا الدولة الكندية قامت بقمع الفكرة إن كان عسكرياً او سياسياً ، إنما كان هنالك استفتاء عام يخير شعب هذه المقاطعة ، وحصل استفتاء حر للتصويت حول الأنفصال وكان ذلك سنة 1980 وحصيلة الأستفتاء كانت رجحان كفة الميزان لصالح البقاء مع الأتحاد الكندي الديمقراطي ، وإذا لم تخونني الذاكرة فإن الأتحاديين فازوا على الأنفصاليين بأغبية ضئيلة . وبقيت كوبيك تشكل إحدى مقاطعات دولة كندا الأتحادية الديمقراطية .
من كوبيك ننتقل الى كردستان سنصادف مشكلة جيوسياسية اقليمية بين العراق وأيران وتركيا ، فإن كانت هناك اشكالية بين كندا وإحدى مقاطعاتها ، فهنا في كردستان تتراءى امامنا قضية تمتد تداعياتها اقليمياً ودولياً .
وسط هذا هذا المشهد يقترح الأستاذ مسعود البارزاني الطريق السلمي لبلوغ الهدف المنشود في تحقيق الدولة الكردية . إنه طريق سليم ومفهوم منطقي للأنتقال من الثورة الى الدولة وغالباً ما تشوب هذه المرحلة مخاض عسير ، إنها مرحلة تاريخية حاسمة للخروج من مراهقة الثورة المندفعة الى رشاد الدولة في بلوغ سن الرشد العقلاني . لقد نجحت القيادة الكردية في درء الخطر الناجم عن تدخل القوات التركية والأيرانية في اقليم كردستان ، وكان الخطر يكمن في جعل الأقليم ساحة صراع عسكري ، لكن القيادة الكردية افلحت في إقناع الدول المجاورة والمجتمع الدولي ، إن استقرار اقاليم كردستان ينصب في مصلحة الجميع ، فالأستقرار الذي يشهده الأقليم يعود بفائدة اقتصادية للدول المتآخمة إن كان في النشاط التجاري او توظيف واستثمار الرساميل العربية والأجنبية .
القيادة الكردية مؤمنة بأن تأسيس دولة ينبغي ان يكون على ركيزة من الأستقرارالسياسي ، ومن الصعوبة بمكان ان نطبق الديمقراطية في دولة هشة تتقاذفها الصراعات ، وهكذا ركز على مبدأ الأستنقرار الأجتماعي والسياسي قبل أي اهتمامات أخرى ، والجيران إن عاجلاً او آجلاً سيعترفون بما يشاهدون امامهم على ارض الواقع ، وسيأتي اليوم الذي سيتحقق حلم الشعب في كردستان في دولته الكردية ليكون للشعب الكردي وجود بين الموجودين .
حبيب تومي / اوسلو