الرئيسية » مقالات » مناقشة وتأمل في رؤية الامين العام للحزب الشيوعي العراقي وشعار لا للحرب لا للدكتاتورية

مناقشة وتأمل في رؤية الامين العام للحزب الشيوعي العراقي وشعار لا للحرب لا للدكتاتورية

الحوار المتمدن – العدد: 2260 – 2008 / 4 / 23
في حواره مع( المدى) قدم السيد حميد مجيد موسى الأمين العام للحزب الشيوعي العراقي والعضو في البرلمان العراقي تصورات ورؤى مختلفة عن تفاصيل العملية السياسية الجارية في بلادنا، وعندما توقف أمام السنة الخامسة لسقوط الدكتاتورية، أعاد التذكير بموقف حزبه الرافض والمعترض على أسلوب تغيير النظام بواسطة الحرب بوصفه خطأً ومصراً على صحة وواقعية الشعار الذي رفعه الحزب انذاك لا الحرب… لا للدكتاتورية
ومعتبراً أن ألأسلوب الأنجع لإسقاط النظام انذاك …( هوالاعتماد على قوى الشعب وتحالف الشعب مع الجيش وبتشكيل وحدة وطنية وبدعم تضامن عالمي وفقاً ميثاق الأمم المتحدة هو الأفضل لإسقاط الدكتاتورية وإقامة البديل الديمقراطي ولذلك لم نكن مع الحرب ووثائقنا صريحة بهذا الصدد… الخ كما اعتبر مرور 74 على تأسيس الحزب الشيوعي العراقي هو خلاصة غنية بالتجارب والعبر والتضحيات واظهر أهمية التقييم والنقد الحريص لاستخلاص كل ماينفع شعبنا من دروس وخلاصات….من هذا الباب وجدت في هذا الحوار شهادة على العصر تحمل دلالة المراجعة بقيمتها التاريخية كما تمناها الأمين العام للحزب الشيوعي السيد حميد موسى لاسيما الموقف التاريخي للحزب من عملية إسقاط النظام وهذا هوالجزء الأهم الذي أردت مناقشته من حوار الأمين العام مع جريدة المدى إذن هي لحظة الحقيقة ولحظة المكاشفة ولحظة الصدق والأمانة وأنت تخاطب جيلا أربكته ولوعته رواية التاريخ المتناقضة ولوكان الأمر متعلقاً بوجهة نظر حول موضوع لم تتبين معالمه لهان الأمر واعتبرنا حوار الأمين العام مع المدى مجرد تصريح صحفي على الماشي لكن القضية تتعلق بموضوع خطير لم ينته الجدل حول فهمه بطريقة صحيحة لوجود اكثر من طرف يريد خلط الأوراق بطريقة سيئة جداً وبالذات حول اسلوب تغيير النظام وإسقاطه بواسطة الحرب التي قادتها أمريكا … انطلاقاً من كل ماتقدم أقول أن شعار لا الحرب … لا الدكتاتورية…. التي تصر على صحته وصوابه قيادة الحزب على لسان أمينها العام يعني في الواقع تفسيراً واحداً لاغير.. هو لا .. لاسقاط نظام البعث صدام بواسطة القوة العسكرية لكن دون تقديم بديل واقعي مقنع لإنهاء الدكتاتورية، وهذا مايجعل من مضمون وقيمة هذا الشعار مجرد مزايدة سياسية للتملص من استحقاقات المسؤولية والزاميتها في منعطف تاريخي مفتوح على كل الاحتمالات وكخط رجعة إذا ما سارت الأوضاع بأتجاه غير محسوب كما يرى السيد حميد موسى احتداماتها الآن في المشهد العراقي، وهذه ليست حذاقة سياسية واستشراف واعي، بقدر ماهو انعكاس وتعبير عن تخلف وإخفاق سياسي يتوارى خلف موقف انتهازي غير صادق في منعطف مصيري كالذي مرت وتمر به بلادنا الان، وفي الوقت نفسه هو رسالة الى العراقيين فحواها أن ماجرى من كوارث ودماء وخراب بعد التاسع من نيسان 2003 هو بسبب الحرب التي أطاحت بنظام صدام أي اسلوب التغيير الذي جلب الإرهاب والتدخلات والاحتلال… وهي قراءة مشتركة مع قوى مختلفة حجتها أن الحرب التي أسقطت صدام كانت غزواً وعدواناً واحتلالاً ودماراً، وتحت هذه العناوين والحجج ارتكبت المجازر ودمرت البلاد وهذا مايجعل من توظيف فكرة التغيير الداخلي عبر (تحالف الشعب والجيش) كما كررها الأمين العام وأصر على صوابها تملك بعداً داعماً لتسويق الأفكار والأعمال التي تبرر للذين يمارسون الإرهاب ضد الشعب العراقي باسم (المقاومة) لاسيما وإنها تصدر من قائد حزب وطني عريق بتاريخه وإخلاصه للوطن بالطبع لااستثي وأتجاوز الغايات والأهداف الأخرى التي شكلت بمجملها حجر الزاوية في منطوق الإرهابيين وحججهم الذين جعلوا من موضوع الغزو والاحتلال منطلقاً لمحاربة الوضع الجديد أي كانوا يعترضون على اسلوب التغيير الذي قادته أمريكا للإطاحة بنظام صدام حسين.. من زاوية أخرى يثير موضوع الحوار مع المدى في هذا الظرف الاستثنائي أهمية وقيمة اللغة السياسية وقدرة التعبير وحساسيته في بناء الرؤية الحصيفة وإطلاقها عبر وسائل الإعلام كمسؤولية سياسية وأخلاقية وكيفية توقيتهاً في الزمان والمكان المناسبين كجدارة سياسية وحس وطني مسؤول .. وهذا مااريد مناقشته تفصيلاً وتفنيداً… وأقول أن فكرة إسقاط نظام صدام الدكتاتوري كانت تحظى بقبول أغلبية العراقيين وبضمنهم حتى البعثيين ودول الجوار، فصدام ونظامه شكل عقبة ومعضلة أمام امن واستقرار المنطقة بسبب المستقبل السياسي المجهول للعراق كدولة ووطن بعد أن أصبحت البلاد تعيش عزلة مدمرة وأزمة مركبة وهي محاصرة بقرارات مجلس الآمن وتفرض عليها شبه وصاية من خلال البند السابع لميثاق الأمم المتحدة… لكن أسلوب وطريقة إزالة هذا النظام الشرس كانت معضلة أمام الجميع فالبعثيون يريدون تغييراً سلساً يتم وفقاً لرؤيتهم وهنالك قطاعات كبيرة من الشعب العراقي لا تريد تغييراً في المعادلة التاريخية القائمة على ركيزة مذهبية معروفة والعديد من الدول الإقليمية يود رؤية تغيير غير حاد في بنية النظام لا يؤثر على التوازن الدقيق في البلد والمنطقة، والأكراد لايراهنون على تغيير جذري داخلي هم طرف فيه ويفضلون الحلول الوسطية التي تؤمن حقوقهم كقومية كردية في المقام الأول حتى وان كان النظام ألبعثي يقدمها ، والقوى الاسلامية تريد اقتلاع النظام من أساسه والقوى الأخرى في المعادلة العراقية تسعى نحو ذات الهدف لكن بطريقة حذرة ومدروسة، أن كل ذلك يشير الى استحالة بناء موقف عراقي موحد يحدد الطريقة التي بموجبها يجري إسقاط النظام.لايخامرني أدنى شك أن الشيوعيين العراقيين كانوا يريدون إسقاط نظام البعث ألصدامي كلاً وجزءاَ، لكن رؤية قيادتهم تلاشت عقلانيتها في خضم تصورات طوباوية حول هذا الهدف العصي وهي في نهاية الأمر كانت ضرباً من التنجيم السياسي، وان البديل الذي قدموه لإسقاط النظام اعتمادا على الشعب الذي سيتحالف مع الجيشً أي جيش هذا الذي يستطيعون إقناعه بإقامة تحالف مع الشعب بالله هل هذا كلام مستند الى مقتضيات العقل والمنطق..! أم إنها فكرة خيالية مفككة اوحت بها لحظة الشرود والعجز السياسي..؟ فالتغيير بواسطة القوى، العراقية وان بدا مقبول كسيناريو افتراضي خيالي سيعني في الواقع الحرب الأهلية بكل مآسيها وتفاصيلها وستتحول عناوينها السياسية الى مرتكزات لأجندة إقليمية ودولية وستكون حربا بمنطوق أيدلوجي وعقائدي، وان استعرت فلا يعرف احد نهايتها ولكن المهزوم سيكون العراق وشعبه، والمنتصر هو الخراب والتقسيم… السيناريو الأخر أن يقوم الشعب بانتفاضة من خلال عصيان مدني وإضرابات وتمرد عسكري، هل كان الوضع ناضجاً لانبثاق مثل هذه التمردات والانتفاضات، وهل عجز السلطة سيصل الى الحد الذي يواجه مثل هذه التحديات وهو خائر القوى، بكل أسف لا.. إذ لم تنشأ مؤشرات بعد 1991 تشير الى مثل هذه التوقعات وإذا استثنينا إقليم كردستان العراق الذي بقى في منأى عن سيطرة وتحكم سلطة صدام لأسباب دولية فلا توجد إمكانية مماثلة في أية بقعة عراقية أخرى، اما المعارضة المتجمعة في كردستان فقد كانت لاتشكل تحدياً ذا وزن يهدد النظام، وشكل عام 1996 نهاية مأساوية للمعارضة العراقية بعد استعانة البارزاني بقوات صدام لاسترجاع مدينة اربيل من قبضة خصمه اللدود انذاك جلال الطالباني وبذلك انتهى عملياً أي مشروع محتمل لمعارضة عراقية تسعى لإسقاط النظام من خلال عمل مسلح انطلاقاً من إقليم كردستان…. في النطاق العالمي يوجد انقسام دولي وعربي حاد حول الكيفية التي يجري التعامل بها مع النظام وهنالك تردد واعتراض على توجه الولايات المتحدة لإزالة نظام صدام عسكرياً وهذا يدل على مدى الصعوبات والتعقيدات التي ستجابهها المعارضة العراقية في إقناع الرأي العام بفكرة إسقاط النظام ان توفرت الظروف لتحرك محتمل حينذاك، ان التفكير بإسقاط النظام الدكتاتوري خارج نطاق القوة المسلحة هو نمط من التفكير الساذج والبسيط والأكثر سذاجة عندما تتبناه المعارضة العراقية أو تسعى لتحقيقه اعتماداً على ذاتها والسبب يعود لاختلال تناسب القوى بين المعارضة والنظام وأسباب متشابكة ومركبة أخرى، من الناحية الواقعية لايوجد سبيل عملي لإسقاط النظام بعمل وطني ولا توجد وسيلة فعالة غير الحرب لاسقاط النظام وأية وسيلة أخرى ستكون عقيمة وبلا جدوى وستعني مزيداً من المعاناة والآلام والتضحيات والضياع، في كل الأحوال لاتوجد أمام القوى العراقية سلة من الخيارات لتأخذ منها ماتشتهي وتترك مالا تريد فالتجارب برهنت أن نظاماً بشراسة وقمع نظام صدام لايمكن اسقاطه الا بمشروع نوعي غير تقليدي والخيار الداخلي مستبعد الى آجال غير معلومة… لقد كان خيار الحرب اكثر الحلول كلفة وأكثرها مأساوية وابهاماً، ولا يوجد موقف خلاف ذلك سوى تأجيل عملية إسقاط النظام أو استبدالها برؤية تقوم على التفاوض مع النظام إذا كان ذلك ممكنا وكلها خياراتً غامضة ومشكوك بفعاليتها وتتيح للنظام المزيد من المناورة وفرصة كبيرة للبقاء والاستمرار، إذن كان خيار الحرب الذي تبنته أمريكا لاسقاط نظام صدام الدكتاتوري هو الأصدق والأكثر عملية وواقعية لوجود إمكانية فعلية لتحقيقه من قبل دولة جبارة ومتمكنة كأمريكا ،اما البدائل الأخرى فلا يوجد سبب واحد لتصديقها أو المراهنة عليها، إذن ماهي الأسس والبراهين الذي استند عليها السيد حميد موسى قائد الحزب الشيوعي وإصراره العجيب على شعار لا الحرب… لاللدكتاتورية…. بوصفه شعاراً واقعياً يحتفظ بصحته وان خيار الحرب لاسقاط صدام كان خاطئاً وان تحالف الشعب مع الجيش هو القادر على إقامة البديل الديمقراطي رغم آن الحزب يشارك في العملية السياسية الجارية وهو موقف صحيح وعقلاني… لكن مع ذلك فأن ازدواجية الموقف والتفكير وعدم الخروج من دائرة الثوابت والمقدسات وعدم توسيع الرؤية الفكرية والسياسية والسلوك الانتهازي وغيرها هي وراء هذا التخبط وهذه التصريحات الخفيفة في جريدة (المدى) لقد تغير العالم وتغيرت المفاهيم وبدا جلياً أن مفاهيم وثوابت ومسلمات مثل الكرامة الوطنية والسيادة،ومحاربة الرأسمالية وكل مافي سلة المفاهيم الثورية من مقدسات ومسلمات، هي في الحقيقة قيم متحركة، ومتغيرة، في عالم تحكمه المصالح وهذا قطعاً لايعني القبول بالظلم والتعدي والتجبر، وهذه المصالح هي التي تجعل ألد الأعداء يتصافحون في محطة تلاقي المصالح وما جرى ويجري في العراق حالياً هو ايجازوتعبير عن هذه المصالح وفي النهاية هو إدراك حيوي لقيمة التفاهم وجدارة عقلية متوازنة لطرق الحل… ومثلاً هذا المحتل الأمريكي لاتريد اغلب القوى السياسية العراقية خروجه من العراق حالياً رغم انه في نظرها محتل وغازي وينتقص من سيادة البلد واستقلالها لماذا هذا الموقف…! لايوجد تفسير لهذه الإرادة والرغبة سوى وجود مصلحة في بقائه من قبل قوى لايشك احد في وطنيتها ونزاهتها إذن أين هي المفاهيم الثورية والوطنية، التي هي في تعارض جذري مع هذه السياسة،والأمر ينطبق تماماً على فكرة تأييد وقبول الدور القيادي السياسي والعسكري الذي اضطلعت به أمريكا في إسقاط النظام الدكتاتوري، وكان خياراً واقعياً وعملياً لمن يريد الخلاص من صدام مهما كان الثمن وإذا ماتمسك الجميع بخيار وطني ثوري نظيف ينجزه تحالف (الجيش والشعب) لإقامة بديل ديمقراطي بلا أدنى شك عندي سيكون مشروعاً فاشلاً وكاذباً وطوباوياً لأنه ببساطة غير موجوداً الا في أذهان السياسيين السطحيين السذج الذين يسخرون من شعوبهم ويستغفلونها ، اما الحديث عن النتائج الكارثية والتداعيات المدمرة التي أعقبت سقوط صدام البعث بسب الحرب فهذه كلفة التغيير الباهظة والاجتهاد مفتوح لرفضها أو لقبولها وتبريرها، لكن فكرة إسقاط الدكتاتورية دون الحرب أو أن يتولى العراقيون مهمة إسقاط النظام الدكتاتوري بجهد وطني داخلي فهذا لايمكن القبول به الافي نطاق الترهات السياسية وخزعبلاتها السقيمة… أن الشهادة الحقيقية على العصرهي أن تشهد على نفسك بصدق قبل شهادة الآخرين عليك……

طلال شاكر كاتب وسياسي عراقي