الرئيسية » شخصيات كوردية » مشاهير الكرد في التاريخ( الحلقة الثالثة والخمسون ) الموسيقي إبراهيم الموصلي

مشاهير الكرد في التاريخ( الحلقة الثالثة والخمسون ) الموسيقي إبراهيم الموصلي


كومة القش


البحث عن الأعلام الكرد أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش ضخمة.


ومنذ عقدين من الزمان بدأت البحث عن الأعلام الكرد في أكوام المعلومات الخاصة بتاريخ غربي آسيا، وكانت البداية مع (معجم الأعلام) لخير الدين الزِّركلي، وحينذاك لفت إبراهيم الموصلي انتباهي، ثم صرفت النظر عنه؛ إذ لم أجد في ترجمته ما يؤكد أنه كردي.


ومنذ سنة عدت ثانية إلى سيرة إبراهيم الموصلي في كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصبهاني، وإذا بي أمام معلومات جديدة، منها أن إبراهيم الموصلي كان يقال له (ابن الجُرْمُقانية) (الأغاني، 5/207)، وأن إبراهيم المهدي (أخو هارون الرشيد ومغنّ وموسيقي كبير) كان يطلق على إسحاق بن إبراهيم الموصلي لقب (جُرْمُقاني) في معرض الذم (الأغاني،5/289).


وكان عليّ أن أتتبّع اسم (جرمقاني) ترى ما حقيقته؟ فإذا بالأستاذ جرجيس فتح الله يذكر أن كركوك كانت مركزاً لإقليم عُرف في التراث السرياني باسم بيت گرماي Béth Garmé، و گرميك، أو باجرمي، وظل هذا الاسم قائماً بعد الفتح الإسلامي (كركوك، ص 38 – 39)، فبدا لي أن لاسم الجرامقة علاقة بمنطقة (باجرمى)، وهي منطقة ذات أغلبية كردية منذ العهد الحُورى على أقل تقدير، لكن مرة أخرى صرفت النظر عن سيرة إبراهيم؛ إذ علمت من بعض المصادر أن اسم الجرامقة كان يُطلق على الآشوريين أيضاً، كما كان يُطلق على بعض سكان الشام والجزيرة.


وفي رحلة البحث عن تاريخ الكرد اطّلعت على موقع (جلجامش) الإلكتروني، فوجدت فيه معلومات قيّمة حول الكرد الفيليين (اللُّور)، ولا سيما في الدراسات التي دارت حول هذا الموضوع، ومنها كتاب (الفيليون: أصالة وعراقة وآمال وهموم) للدكتور مهدي كاكائي. وكتاب (الكورد الفيليون بين الماضي والحاضر) للأستاذ أحمد ناصر الفيلي، وكتاب (الكورد الشيعة في العراق) للأستاذ سيّد حسين الحسني الزِّرْباطي، ودراسة حول مدينة (مَنْدَلي) للأستاذ محمد مندلاوي، وأوصلتني تلك المعلومات إلى ساحة جغرافية كردية مهمة كنت أجهل عنها كثيراً من الأمور.


وللمزيد من الاطلاع والتأكد راسلت الدكتور مهدي كاكائي، مستفسراً عن هوية السكان الأصليين لبعض المدن في غربي إيران وجنوبي العراق منها (صَيْمَرَة، مَيْسان، دَشْت مَيْسان، أَسَد آباد، هَمذان= همدان)، فأمدّني – مشكوراً- بملف حول الموضوع، مستعيناً بالأستاذ محمد مندلاوي، ومن خلال تلك القراءات اتضحت لي أبعاد الجغرافيا الحقيقية للكرد الفيليين قبل عهد الفتح الإسلامي وإلى العصر الحديث، وعلمت أنها جغرافيا تقع في جنوب غربي إيران، وتصل إلى منطقة خوزستان (الأهواز) وإقليم فارس ضمناً، وتقع في جنوب ووسط العراق، وتصل إلى شط العرب.


وتصادف أنه خلال البحث عن الكرد الفيليين (اللور) ومواطنهم تفضّل عليّ الصديق الأستاذ رسمي جلال (من سكّان كركوك أصلاً) ببعض الكتب للمطالعة، منها كتاب (مذكرات مأمون بك بن بيگه بك)، ولا تكمن قيمة هذا الكتاب في المعلومات الخاصة بجنوبي كردستان في العهد العثماني فقط، وإنما يشتمل أيضاً على معلومات جغرافية وتاريخية ثمينة، بفضل الهوامش القيّمة التي أضافها معرّبا الكتاب الأستاذ محمد جميل الروژبياني والأستاذ شكور مصطفى.


اهتداء بالجغرافيا


وبعد مقارنة ما جاء في تلك الدراسات بالمعلومات الجغرافية والتاريخية الواردة في كتب البلدان والفتوحات في التراث العربي الإسلامي، اتضحت لي أمور غاية في الأهمية، منها على سبيل المثال أن محافظة (العمارة) في جنوبي العراق هي منطقة (مَيْسان) موطن بعض قبائل الكرد الفيليين، وأنها سمّيت (المَذار) في كتب التراث الإسلامي، وأن مدينة (مَنْدَلي) كانت تسمّى (بَنْدَنِيجين)، وأن تاريخها عريق، وكانت إحدى مدن دولة (لوللو) أجداد الكرد اللور (الفيلي)، وأن (جَرْمقان) اسم لناحية قريبة من هَمَذان (همذان= آمدان)، كما أنه اسم لمدينة كركوك وللمناطق الحارة المتاخمة لها، واسم لقوم من الكرد سكنوا منطقة قرب مدينة الموصل، واسم لقوم من الكرد من سكان مدينة الحيرة قديماً.


واتضح أن (أَرَّجَان) مدينة كبيرة كثيرة الخيرات، تقع على حدود إقليمي فارس والأهواز (خوزستان)، وكان أول من أنشأها هو الملك الساساني قُباذ بن فَيروز والد كسرى أنوشروان، وسماها (أَبَزْقُباذ)، وكان قُباذ غزا بلاد الروم، وافتتح من منطقة آمد (ديار بكر بعد الفتح الإسلامي) مدينتي مَيّافارقين وآمد، وكانتا في أيدي الروم، وأسكن سَبيَ هاتين المدينتين في مدينة أَرّجان (معجم البلدان،1 / 172)


واتضح أيضاً أن (خوزستان) إقليم واسع بين البصرة وفارس، ومن نواحيها بلاد اللُّور، وهي بلاد خصبة، وتغلب عليها الجبال ( تقويم البلدان، ص 311 – 312). ونقل أبو الفداء من (كتاب الأطوال) لابن حوقل أن:


” جبل اللُّور هـو بين تُسْتَر وأصبهان، وامتـداد هـذا الجبل طولاً نحو ستّة أيام، وفيه خلق عظيم من الأكراد، وبه ملوك لهم من اللُّباب لور هي من رُسـتاق [ناحية تضم مجموعة قرى] خوزستان، وقال: في ظنّي أنها جبال بها يقال لها لُورستان” (تقويم البلدان، ص 313).


وقال ابن حَوْقَل في أثناء حديثه عن الزُّمُوم (القبائل) في فارس:


” وأما زُمومـها فهي أيضًا خمسة… منها زَمّ شَهْرَيار، ويُعرف بزَمّ المازنجـان، والمازنجان قبيل من الأكراد في حدود أصبهان… فأما أحياء الأكراد فإنها تكثر عن الإحصاء،… يزيدون على خمس مئة ألف بيت شَعر” ( صورة الأرض، ص 236).


وأضاف ابن حوقل قائلاً:


” فأما زُمومها فإن لكل زَمّ منها قرى ومدنًا مجتمعة، قد ضُمّن خراج كل ناحية رئيس من الأكراد، وأُلزم صلاح أحوال ناحيته وتنفيذ القوافل، وحفظ الطرق، والقيام بأحوال السلطان إذا عرضت بناحيته، … وهي كالممالك ” (صورة الأرض، ص 236).وقال ابن البَلْخي (فارسي توفي سنة 510 هـ) في كتابه (فارس نامه)، وهو خاص بالحديث عن إقليم فارس:


” كان الأكراد في قديم الزمـان يعيشون في خمسة زُمـوم، … على النحو الآتي: زَمّ جِيلُويه، زَمّ الديـوان، زَمّ اللوالجـان، زَمّ الكاريان، زَمّ البازنجان. وإنما قوة جيش فارس ناجـمة عن وجود هؤلاء الأكراد الأشداء جداً في صفوفه مع خيلهم وأسلحتهم ودوابهم ” (فارس نامه، ص 153).


وأكد ياقوت الحموي (ت 626 هـ) المعلومات التي رواها كل من الإصطخري (ت 346 هـ) وابن حوقل (ت بعد 367 هـ) وابن البَلْخي حول كثرة الكرد في إقليم فارس، وأطلق على المناطق الكردية اسم (رَم) بدل (زَم)، وقال:


” رَمّ: بفتح أوله وتشديد ثانيه وجمعه رُموم، وتفسير الرموم محالّ الأكراد ومنازلهم بلغة فارس، وهي مواضع بفارس. منها رمُّ الحسن بن جِيلَوَيه، يسمى رمّ البازنجان، وهو من شيراز على أربعة عشر فرسخاً [الفرسخ حوالي 5 كم]، ورمُّ أردام بن جوانابه من شيراز على ستة وعشرين فرسخاً، ورمُّ القاسم بن شهريار، ويسمى الكوريان، من شيراز على خمسين فرسخاً ، ورمُّ الحسن بن صالح، ويسمى رمَّ السوران، من شيراز على سبعة فراسخ” (معجم البلدان، 3/81).وأضاف ياقوت يقول:


” وقال البشاري: بفارس رمُّ الأكراد، ولها رُسْتاق ونهر، وهي وسط الجبال ذات بساتين ونخيل وفواكه وخيرات، قال: ورمُّ أحمد بن صالح وسمى الزِّيزَان، وقال الإصطخري: رُموم فارس خمسة ولكل واحد منها مُدُن وقرى مجتمعة، قد تضَمّن خراج كل ناحية رئيس من الأكراد، وألزموا إقامة رجال لبَذْرَقة [قبض رسوم الجمارك] القوافل وحفظ الطريق ولنوائب السلطان إذا عرضت، وهي كالممالك.


الأول رمُ جيلَويه يعرف برم الزنيجان اسم قبيلة من الأكراد ،فإن مكانه في الناحية التي تلي أصبهان، وهي تأخذ طرفاً من كورة [منطقة] إصطخر، وطرفاً من كورة أرّجان، فحدّ ينتهي إلى البًيضاء، وحدّ ينتهي إلى حدود أصبهان، وحدّ ينتهي إلى حدود خوزستان، وحدٌ ينتهي إلى ناحية سابور، وكلما وقع في هذه من المدن والقرى فمن هذا الرم ويتاخمهم في عمل أصبهان.


الثاني رمُ شهريار وهو رمُ البازنجان وهو رمُ جيل من الأكراد وهم من البازنجان رهط شهريار، وليس من البازنجان هؤلاءِ أحد في عمل فارس، إلا أن لهم بها ضياعاً وقرى كثيرة.


الثالث رمُ الزِّيزَان للحسن بن صالح وهو في كورة سابور، فحدّ منه ينتهي إلى أردشير خُرّة، وتليه حدود تُطيف بها كورة سابور، وكل ما كان من المدن والقرى في أضعافها فهي منها.


الرابع رمُ الريحان لأحمد بن الليث، وهي في كورة أردشير خُرّة، فحدّ منه يلي البحر، ويحيط بثلاثة حدوده الأخرى كورة أردشير خُرّه، وما وقع أضعافه من المدن والقرى فهي منه.


الخامس رمُّ الكارِيان، فحدٌ منه ينتهي إلى سِيف [ساحل البحر] بني الصفّار، وحدّ ينتهي إلى رمّ الريحان، وحدٌ يتصل بحدود كرمان، منه إلى أردشير خُرّة، وهي كلُها في أردشير خُرّة ” (معجم البلدان، 3/81).


وهكذا بات واضحاً أن المناطق المشار إليها تبلغ غرباً شط العرب في جنوبي العراق، كما سبق القول، وتمتد غرباً نحو خوزستان (الأهواز) وفارس، وتتاخم إقليم الجبال شمالاً، وهي مناطق انتشار الكرد الذين يسمّون اللور، ويسمّون في الجانب العراقي بسم (الفيليين)، والأرجح أن هذه التسمية راجعة في الأصل إلى كلمة (بهلي = بهلوي= فهلوي)، وهي من الأسماء التي أطلقت قبل الإسلام على الكرد في إقليم الجبال والمناطق المتاخمة لها جنوباً.


من المكان إلى الإنسان


ولننتقل إلى سيرة إبراهيم الموصلي، فاسمه إبراهيم بن ماهان بن بَهْمَن بن نُسْك، وذكر ابن خلّكان أن أسرة الموصلي أَرّجانية الأصل، نسبة إلى مدينة أَرّجان أو إلى منطقة أَرَّجان في إقليم فارس، وأنها تميمية الولاء، نسبة إلى قبيلة تميم العربية (وفيات الأعيان، 1/44) وقال ابنه إسحاق نقلاً عن أبيه:


” وأصلنا من فارس، ولنا بيت شريفٌ في العجم، وكان جدُّنا ميمون هرب من جَوْر بعض عمّال بني أُميّة، فنزل بالكوفة في بني عبد الله بن دارِم، فكان بين إبراهيم وبين ولد نَضْلَة بن نُعَيْم رَضاع. وأم إبراهيم امرأةٌ من بنات الدهاقين [جمع دِهْقان، وهو زعيم القرية، ويقابله حديثاً لقب آغا] الذين هربوا من فارس لما هرب ميمون أبو إبراهيم، فنزلوا جميعاً بالكوفة في بني عبد الله بن دارم، فتزوجها ماهان بالكوفة فولدت إبراهيم ومات في الطاعون الجارف، وخلّف إبراهيم طفلاً ” (الأغاني، 5/154).


أما بشأن لقب الموصلي الذي لحق الأسرة فقال الأصبهاني:


” وكان سبب قولهم إبراهيم الموصلي أنه لما نشأ واشتد وأدرك، صحب الفتيان واشتهى الغناء طلبه، واشتد أخواله عليه في ذلك وبلغوا منه، فهرب منهم إلى الموصل، فأقام بها نحواً من سنة، فلما رجع إلى الكوفة قال له إخوانه من الفتيان: مرحباً بالفتى الموصلي، فلُقّب به “ (الأغاني، 5 /156).


وتتفق الروايات على أن أسرة إبراهيم لم تكن موصلية الأصل، وإنما أقام إبراهيم في الموصل فترة قصيرة، وقد استفاد من تلك الإقامة القصيرة بأن تخلّص من لقب (الأرّجاني)، واستظل بظل اللقب الجديد (الموصلي)، وكان يصدر في ذلك عن نهج ذرائعي لا يخلو من انتهازية، فالرجل- حسبما يبدو من سيرته- تهمّه مصلحته، ولا يهمّه أن يغيّر أصله في سبيل ذلك، والدليل أنه تنازل بسهولة عن اسم والده (ماهان)؛ وهو ذو طابع أعجمي، وقبل اسم (ميمون) العربي الإسلامي، والسبب في ذلك ” أنه كتب إلى صديق له فعَنْوَن كتابه: من إبراهيم بن ماهان. فقال له بعض فتيان الكوفة: أما تستحي من هذا الاسم؟ فقال: هو اسم أبي! فقال: غيّره؛ فقال: وكيف أغيّر؟! فأخذ [الصديق] الكتاب فمحا ماهان وكتب ميمون، فبقي إبراهيم بن ميمون ” (الأغاني، 5/154).


بدايات صعبة


توصلنا الروايات الدائرة حول نشأة إبراهيم إلى ما يلي:


ولد إبراهيم في الكوفة سنة (125 هـ = 743 م)، وتوفي والده وله من العمر سنتان أو ثلاث، وكان له أخوان من غير أمه أكبر منه، فأقام إبراهيم مع أمه وأخواله حتى ترعرع، ويبدو أن أخواله كانوا في حيّ تابع لبني تميم، ولعلهم كانوا من موالي بني تميم؛ إذ كانت العادة أن يلتحق غير العرب بقبيلة عربية من باب الموالاة، ليحتموا بها، فاكتسب إبراهيم ولاء بني تميم (الأغاني، 5/155).


ولم يكن إبراهيم راغباً في التعلم، ولعل طريقة التعليم القاسية في الكتاتيب جعلته ينفر منها، إذ كان يتلقّى الضرب على يدي شيخ الكتّاب، بل كان يتعرّض للحبس أيضاً، فاضطر إلى الهرب شمالاً نحو الموصل، وهناك ” صحب جماعةً من الصعاليك كانوا يصيبون الطريق ويصيبه معهم، ويجمعون ما يفيدونه فيَقْصِفون ويشربون ويغنّون، فتعلّم منهم شيئاً من الغناء وشدا، فكان أطيبهم وأحذقهم” (الأغاني،5/156).


ولما أدرك إبراهيم أنه يمتلك موهبة الغناء سافر إلى المناطق التي كانت الموسيقا فيها رائجة السوق، وكان الغناء فيها مزدهراً، وتوجّه من الموصل شرقاً إلى مدينة (الرّيّ)، وهي تقع الآن على مقربة من مدينة طهران، وكانت تسمّى قديماً (رَيْ) Rai و(رغه) أي (الطريق)؛ إذ كانت تقع على مفترق طرق التجارة العالمية، وذكر دياكونوف في كتابه (ميديا، ص 360) أنها كانت من المدن الميدية الكبرى، ورجّح أنها كانت أرض القبيلة الميدية (موغ= مجوس)، وكانت متخصصة بأمور الدين، مثل سِبْط (لاوي) في الديانة اليهودية، وبني عبد مَناف في مكة خلال الجاهلية، وبني هاشم في الإسلام.


وفي مدينة الريّ تزوج إبراهيم امرأة اسمها دُوشار، وطال مقامه هناك، وأخذ الغناء الفارسي والعربي، ثم تزوج امرأة أخرى تدعى شاهَك، وهي أم ابنه إسحاق وبقية أولاده (الأغاني، 5/157 – 158)، وشرع يستكمل تحصيله الفني في الموسيقا والغناء، ويطوّر أداءه، ويقيم بعض الحفلات في قصور الأغنياء، وابتسم الحظ له ذات يوم، إذ وصل إلى الرَّي خادم من قصر الخلافة، كان الخليفة أبو جعفر المنصور قد أرسله إلى والي الري برسالة، ويبدو أن ذلك الخادم كان مولعاً بالطرب، فسمع بالمصادفة غناء إبراهيم عند رجل من أهل الري، فشغف به، وأهداه ثياباً غالي الثمن، يقول إبراهيم:


” ومضى [الخادم] بالرسالة، ورجع وقد وصله العامل بسبعة آلاف درهم، وكساه كسوةً كثيرة، فجاءني إلى منزلي الذي كنت أسكنه، فأقام عندي ثلاثة أيام، ووهب لي نصف الكُسوة التي معه وألفي درهم، فكان ذلك أول ما اكتسبته بالغناء” (الأغاني، 5/158).


وكان مبلغ ألفي درهم في ذلك الوقت ثروة لا بأس بها، وقرر أن يوظّف تلك الثروة في الارتقاء بقدراته الفنية، فسأل عن الأساتذة الذين يجيدون الموسيقا والغناء، فوُصف له رجل بمدينة الأُبُلَّة (من مدن جغرافيا الكرد الفيليين تقع على شط العرب) يدعى جُوانُويه كان حاذقاً في فن الطرب، فانحدر إبراهيم من الري إلى الأبلّة، باحثاً عن جوانويه، والتقى به وبصحبه المغنّين، فعزفوا وغنّوا، واكتشفوا أن إبراهيم أكثر منهم براعة، فقاموا كلهم إليه، وقبّلوا رأسه، وقالوا له: “سخرتَ منا، نحن إلى تعليمك لنا أحوج منك إلينا “ (الأغاني، 5/158- 159).


في قصور الخلفاء


وأقام إبراهيم مع أصحابه الجدد في مدينة الأبلّة، فسمع به الأمير العباسي محمد بن سليمان بن علي، فطلبه، قال إبراهيم: ” وجّه إلي فأحضرني وأمرني بملازمته، فقلت له: أيها الأمير، إني لست أتكسّب بالغناء، وإنما ألتذّه فلذلك تعلمته، وأريد العود إلى الكوفة، فلم أنتفع بذلك عنده، وأخذني بملازمته، وسألني: من أين أنا؟ فانتسبت إلى الموصل، فلزمتْني وعُرفتُ بها “ (الأغاني، 5/159).


إن وصول إبراهيم إلى قصر الأمير العباسي كانت الخطوة الحقيقية الأولى نحو سلّم الشهرة، فقد قدم رسول من الخليفة المهدي إلى قصر الأمير محمد بن سليمان لبعض الأمور، وسمع غناء إبراهيم، فقال للأمير:


” أمير المؤمنين أحوج إلى هذا منك. فدافعه عني. فلما قدم الرسول على المهدي سأله عما رأى في طريقه ومقصده، فأخبره بذلك حتى انتهى إلى ذكري فوصفني له؛ فأمره المهدي بالرجوع إلى محمد وإشخاصي إليه، ففعل ذلك، وجاء فأشخصني إلى المهدي، فحظيت عنده وقدمني” (الأغاني، 5/159).


وسرعان ما وجد إبراهيم نفسه أمام مشكلة معقّدة، فهو رجل مولع بالشراب، وكان المهدي لا يشرب، بل كان يُنزل العقوبات الشديدة بمن يشرب، فطلب من إبراهيم أن يترك الشراب، فأبى إبراهيم ذلك، وظل يشرب، وكان أثر الشراب يظهر عليه حينما يحضر مجلس الخليفة، فأمر بضربه وحبسه، فانتهز إبراهيم فرصة وجوده في الحبس، فتعلم القراءة والكتابة، وها هو ذا يقول:” ثم دعاني يوماً فعاتبني على شربي في منازل الناس والتبذل معهم، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنما تعلمت هذه الصناعة للذتي وعشرتي إخواني، ولو أمكنني تركها لتركتها…، فغضب غضباً شديداً وقال: لا تدخل على موسى [الهادي] وهارون [الرشيد] البتة، فوالله لئن دخلت عليهما لأفعلنّ ولأصنعنّ؛ فقلت: نعم، ثم بلغه أني دخلت عليهما وشربت معهما، وكانا مستهتَرَين بالنبيذ، فضربني ثلثمائة سوط، وقيّدني وحبسني” (الأغاني، 5/160).


وبعد فترة أمر المهدي بإطلاق سراحه، وكان قد أوصى ابنه وولي عهده موسى الهادي بملاحقة إبراهيم وأمثاله من أصحاب اللهو والشراب، قال حمّاد بن إسحاق: ” فلما ولي موسى الهادي الخلافة استتر جدي منه، ولم يظهر له بسبب الأَيمان التي حلّفه بها المهدي، فكانت منازلنا تُكبَس في كل وقت، وأهلنا يُروَّعون بطلبه حتى أصابوه، فمضوا به إليه” (الأغاني، 5/163).


ورغم أن الخليفة الهادي كان شكس الأخلاق صعب المزاج، شديداً على أهل اللهو والعبث، متهماً إياهم بالزندقة، فقد أُعجب ببراعة إبراهيم في مجال الغناء، وسمع منه، ومنحه إحدى المرات خمسين ألف دينار (كان كل دينار يساوي 12 درهماً) (الأغاني، 5/184- 185)،


ولم يطل عهد الخليفة الهادي، وتولى الخلافة بعده أخوه هارون الرشيد، وارتفع شأن إبراهيم في عهده، ولا سيما أن البرامكة كانوا قد دشّنوا العهد الذهبي، وصحيح أن الرشيد كان يغضب على إبراهيم أحياناً، ويأمر بحبسه، لكنه كان يحنّ إلى ألحانه وغنائه، فيأمر بإطلاق سراحه، وإعادته إلى البلاط (الأغاني، 5/169).


وروى إبراهيم: ” أن الرشيد غضب عليه فقيّده وحبسه بالرَّقّة، ثم جلس للشرب يوماً في مجلس قد زيّنه وحسّنه، فقال لعيسى بن جعفر: هل لمجلسنا عيبٌ؟ قال: نعم، غيبة إبراهيم الموصلي عنه؛ فأمر بإحضاري فأُحضرت في قيودي، ففُكّت عني بين يديه، وأمرهم فناولوني عوداً، وقال: غنّني يا إبراهيم”، وغنّاه إبراهيم قصيدة، فطرب الرشيد، وكافأه بمئتي ألف درهم. (الأغاني، 5/166 – 167). بل ذكر الأصبهاني أن الرشيد كان يأرق في بعض الليالي، فيتوجّه إلى دار إبراهيم، ويسمع غناءه ليروّح عن نفسه (الأغاني، 5/218- 219).


منافسات ومكائد


وبعد أن ذاعت شهرة إبراهيم الموصلي في ميدان الغناء والموسيقا، وصار من روّاد قصور الخلفاء، كان من الطبيعي أن يدخل في منافسات حامية مع عباقرة الغناء والموسيقا المعاصرين له، وكان من أبرزهم إبرهيم بن المهدي (أخو هارون الرشيد)، وابن جامِع، وكان إبراهيم بن المهدي أخطر المنافسين له، باعتباره من الأسرة الحاكمة، وكان يقوم أحياناً بتدبير بعض المقالب ضد إبراهيم الموصلي، ويُدخله في مآزق صعبة، قال إبراهيم بن المهدي:


” انصرفت ليلةً من الشمّاسية فمررت بدار إبراهيم الموصلي، وإذا هو في رَوْشَن [ شُرفة] له وقد صنع لحنه:


ألا رُبّ نَدمــــانٍ عليّ دموعُه


تَفيض على الخدين سَحّاً سُجُومُها


[سحاً سجومها:غزيرة]وهو يعيده ويلعب به بنغمه، ويكرره لتستوي له أجزاؤه، وجواريه يضربن عليه. فوقفت تحت الرَّوْشَن حتى أخذته ،ثم انصرفت إلى منزلي، فما زلت أعيده حتى بلغت فيه الغاية، وأصبحت فغدوت إلى الشمّاسية واجتمعنا عند الرشيد، فاندفع إبراهيم فغنّاه أول شيء غنّى. فلما سمعه الرشيد طرِب واستحسنه وشرب عليه، ثم قال له: لمن هذا يا إبراهيم؟ قال: لي يا سيدي، صنعته البارحة. فقلت: كذَب يا أمير المؤمنين، هذا الصوت قديمٌ وأنا أغنّيه. فقال لي: غنّه يا حبيبي، فغنّيته كما غنّاه، فبُهِت إبراهيم، وغضب الرشيد، وقال له: يابن الفاجرة، أتكذِبني وتدّعي ما ليس لك؟ قال: فظل إبراهيم بأسوأ حال، فلما صلّيت العصر قلت للرشيد: يا أمير المؤمنين، الصوتُ – وحياتِك- له وما كذَب، ولكني مررت به البارحة وهو يردّده على جارية له، فوقفت حتى دار لي واستوى، فأخذته منه. فدعا به الرشيد ورضي عنه، وأمر له بخمسة آلاف دينار” (الأغاني، 5/172).


وفعل إبراهيم بن المهدي هذه المكائد أكثر من مرة، قال الأصبهاني: ” قال الرشيد لإبراهيم بن المهدي وإبراهيم الموصلي وابن جامع وابن أبي الكَنّات: باكروني غداً، وليكن كل واحد قد قال شعراً إن كان يقدر أن يقوله، وغنّى فيه لحناً، وإن لم يكن شاعراً غنّى في شعر غيره.


قال إبراهيم بن المهدي: فقمت في السَّحَر، وجَهَدت أن أقدِر على شيء أصنعه فلم يتفق لي، فلما خفت طلوع الفجر دعوت بغلماني، وقلت لهم: إني أريد أن أمضي إلى موضع ولا يشعر بي أحد حتى أصير إليه، وكانوا يبيتون على باب داري. فقمت فركبت وقصدت دار إبراهيم الموصلي، وكان قد حدثني أنه إذا أراد الصنعة لم ينم حتى يدبر ما يحتاج إليه، وإذا قام لحاجته في السَّحَر اعتمد على خشبة له في المستراح، فلم يزل يقرع عليها حتى يفرغ من الصوت ويرسخ في قلبه، فجئت حتى وقفت تحت مستراحه، فإذا هو يردد هذا الصوت:


إذا سُكِبت في الكأس قبل مِزاجها


ترى لونها في جِلدة الكأس مُذْهَبا


قال: فما زلت واقفاً أستمع منه الصوت حتى أخذته، ثم غدونا إلى الرشيد، فلما جلسنا للشرب خرج الخادم إليّ فقال: يقول لك أمير المؤمنين: يا بن أمّ، غنّني، فاندفعت فغنيت هذا الصوت والموصلي في الموت حتى فرغتُ منه، فشرب عليه وأمر لي بثلثمائة ألف درهم، فوثب إبراهيم الموصلي، فحلف بالطلاق وحياة الرشيد أن الشعر له قاله البارحة وغنّى فيه، ما سبقه إليه أحدٌ، … فلما قضيت أَرَباً من العبث به قلت للرشيد: الحق أحقّ أن يُتَّبَع، وصدّقته. فقال للموصلي: أما أخي فقد أخذ المال ولا سبيل إلى رده، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم عوضاً مما جرى” (الأغاني، 5/215 – 217).


واستطاع إبراهيم أن يصبح من كبار الأغنياء في عصره، بفضل منادمته للخلفاء والوزراء، وقد روى حفيده حمّاد عن أبيه إسحاق أنه قال: ” نظرت إلى ما صار إلى جدك من الأموال والغَلاّت وثمن ما باع من جواريه، فوجدته أربعة وعشرين ألف ألف درهم [ 24 مليون درهم] سوى أرزاقه الجارية، وهي عشرة آلاف درهم في كل شهر، وسوى غَلاّت ضياعه “ (الأغاني، 5/163).


شخصية إبراهيم


يستفاد مما أورده الأصبهاني وغيره أن إبراهيم الموصلي كان شخصاً عصامياً، إنه ينتمي كما مرّ إلى أسرة هاجرت من أَرّجان في إقليم فارس، فراراً من القهر في عصر بني أمية، وانتهى بها المطاف إلى وسط العراق وجنوبه، وعاش إبراهيم يتيماً فقيراً، ولم يستطع استكمال تحصيله العلمي، لكنه كان مفطوراً على حب الموسيقا والغناء، واتخذ ذلك هدفاً له، فبذل في سبيله الجهد والمال، ووصل إلى أعلى المراتب الفنية بين معاصريه من المغنين والموسيقيين، وتحوّل بعد سنوات من الكدح، وبفضل جدّه وإخلاصه لفنّه، من شابّ مغمور إلى أن أصبح ينادم الخلفاء، وقد بلغ مجموع ما غنّاه ولحّنه من القصائد حوالي تسعمئة مقطوعة (الأغاني، 5/187).


ومن الأخبار التي تدل على أن إبراهيم كان أستاذاً كبيراً في الموسيقا أنه حوّل داره إلى معهد لتخريج الفنّانين والفنّانات، وكان أبناء الطبقات الراقية في المجتمع البغدادي وغير البغدادي يرسلون جواريهم إلى داره، فيدرّبهن على فنون الموسيقا وضروب الغناء، ويُقمن عنده مدداً معيّنة، ويعتني بهن كما يعتني بجواريه هو من حيث المطعم والمشرب والتدريب، ثم يردّهن إلى أصحابهن مزوّدات بأفخر الألبسة والهدايا، وكان تلامذته يحفظون له ذلك الجميل، ويقابلونه بعدئذ بالتكريم والاحترام.


وفي الخبر الآتي برهان ساطع على عبقرية إبراهيم الفنية، قال أحد معاصريه: ” زار ابن جامع إبراهيمَ الموصلي، فأخرج إليه ثلاثين جاريةً، فضربن جميعاً طريقةً واحدة وغنّين، فقال ابن جامع: في الأوتار وترٌ غير مستوٍ. فقال إبراهيم: يا فلانة شدي مَثْناك [أحد أوتار العود]، فشدّته فاستوى. فعجبت أولاً من فطنة ابن جامع لوتر في مائة وعشرين وتراً غير مستو، ثم ازداد عجبى من فطنة إبراهيم له بعينه” (الأغاني، 5/243).


وإضافة إلى الإخلاص والصبر والجد تميّزت شخصية إبراهيم بالصراحة والوضوح، فقد اختار لنفسه نهجاً خاصاً في حياته، وهو الإقبال على الطرب ومجالس الشراب، فلم يتخلّ عن نهجه رغم ما تعرّض له على أيدي الخلفاء، ولا سيما المهدي، من تعذيب وسجن، بل كان يصارح الخلفاء بأنه لن يقلع عن نهجه مهما أنزلوا به من العذاب، وحملته صراحته على ألا يداهن وينافق، والدليل أنه كان صديقاً للوزراء البرامكة، لكن صداقته لهم لم تجعله يتخلّى عن صداقته للفضل بن الربيع، وكان الفضل هذا من أبرز خصوم البرامكة ومن أشد منافسيهم كيداً لهم. وقد روى إسحاق بن إبراهيم قائلاً:


” لقي الفضل بن يحيى [البرمكي] أبي وهو خارج من عند الفضل بن الربيع، وكانا متجاورين في الشَّمّاسية، فقال: من أين يا أبا إسحاق؟ أمن عند الفضل بن الربيع؟ قلت: نعم، غير معتذرٍ من ذلك. فقال: خروجٌ من عند الفضل بن الربيع إلى الفضل بن يحيى! هذان والله أمران لا يجتمعان لك. فقال: … والله لا أترك واحداً منكما لصاحبه، فمن قبِلني على هذا قبِلني، ومن لم يَقبَلني فهو أعلم، فقال له الفضل بن يحيى: أنت عندي غير متّهَم، والأمر كما قلت، وقد قبِلتك على ذلك” (الأغاني، 5/ 165- 166).


وكان إبراهيم سخيّاً، قال حفيده حمّاد في حوار مع أبيه إسحاق:


” ولا والله ما رأيت أكمل مروءةً منه، كان له طعامٌ معَدّ في كل وقت؛ فقلت لأبي: أكان يمكنه ذلك؟ فقال: كان له في كل يوم ثلاث شياهٍ: واحدةٌ مقطَّعةٌ في القدور، وأخرى مسلوخة ومعلَّقة، وأخرى حيّة، فإذا أتاه قومٌ طعِموا ما في القدور، فإذا فرغت قُطّعت الشاة المعلّقة، ونُصبت القدور، وذُبحت الحيّة فعُلّقت، وأُتي بأخرى فجُعلت وهي حيّة في المطبخ، وكانت وظيفته لطعامه وطِيبه وما يتخذ له في كل شهر ثلاثين ألف درهم سوى ما كان يجري وسوى كسوته”. (الأغاني، 5/164).


وكان إبراهيم كثير الأصدقاء، وهذا دليل على لباقته وقدرته على بناء العلاقات الاجتماعية الواسعة، وقد روى حماد عن أبيه إسحاق قال: ” كان جدك محبّاً للأشراف كثير الأصدقاء منهم، حتى إنه كان الرشيد ليقول كثيراً: ما أعرف أحداً أكثر أصدقاء من إبراهيم” (الأغاني، 5/169).


ولم يكن إبراهيم يجيد الغناء والموسيقا فقط، بل كان يجيد قول الشعر، وكان يلحّن قصائده ويغنّيها، وكان له أصدقاء من الشعراء، أبرزهم أبو العَتاهية وسَلْم الخاسر، وقد ألف أبو العتاهية بعض القصائد في إبراهيم عندما كان في الحبس، ومنه قوله: أيا غَمّي لغمّـــك يا خليلي


ويا ويلي عليـك، ويا عويلي


يَعِزُّ عليّ أنـــك لا تراني


وأني لا أراك ولا رســولي


وأنك في محـل أذًى وضَنْكٍ


وليس إلى لقــائك من سبيل


وأني لست أملِك عنـك دفعاً


وقد فوجئت بالخطب الجلـيل


(الأغاني، 5/171)


وتوفي إبراهيم الموصلي سنة (188 هـ/804 م)، وكان قد ترك أثراً طيباً في نفوس عِلية القوم، فقد روى حمّاد عن أبيه إسحاق أنه قال: ” دخلت إلى الرشيد بعقب وفاة أبي، وذلك بعد شهر من يوم وفاته، فلما جلست ورأيت موضعه الذي كان يجلس فيه خالياً دمعت عيني، فكففتها وتصبّرت؛ ولمحني الرشيد، فدعاني إليه، وأدناني منه، فقبّلت يده ورجله والأرض بين يديه، فاستعبر [جرت دموعه]، وكان رقيقاً؛ فوثبت قائما ثم قلت:


في بقاء الخليفة الميمـــون


خَلَفٌ من مصيبة المحــزونِ


لا يَضير المصـابَ رزءٌ إذا ما


كان ذا مَفْزَع إلى هـــارونِ


فقال لي: كذاك والله هو، ولن تَفقِد من أبيك ما دمتُ حياً إلا شخصه؛ وأمر بإضافة رزقه إلى رزقي. فقلت: بل يأمر أمير المؤمنين به إلى ولده، ففي خدمتي إياه ما يُغْنيني. فقال: اجعلوا رزقَ إبراهيم لولده، وأضعفوا رزق إسحاق” (الأغاني، 5/260).


بحث عن الحقيقة


ولنقف أخيراً عند مسألة أصل إبراهيم الموصلي، والحقيقة أنه ليس بين أيدينا وثيقة تاريخية تؤكد أنه كردي الأصل، لكن ثمة عدد من الأدلة تؤكد أنه (كردستاني)، أقصد أنه ابن جغرافيا الكرد الفيليين، وفيما يلي تلك الأدلة:1 – ليس في نسب إبراهيم أنه عربي الأصل، فقد مرّ أنه وأهل بيته كانوا من موالي بني تميم


2 – لا شيء يدل على أن إبراهيم كان مسيحياً كلدانياً أو آشورياً، ويتضح من سلسلة نسبه أن أسرته كانت زردشتية العقيدة أصلاً. 3 – لم يكن إبراهيم تركياً، فالأتراك كانوا في العراق قلة حينذاك، وكانوا يشترَون من أسواق النخاسة، ويستخدمون على أنهم مماليك، ولم يكثروا في العراق إلا بدءاً من عهد الخليفة المأمون، ثم كثروا في عهد الخليفة المعتصم بالله.4 – بما أن إبراهيم لم يكن عربياً ولا تركياً ولا آشورياً ولا كلدانياً، لم يبق إلا أن يكون كردي الأصل أو فارسي الأصل. 5 – لم يرد في نسب إبراهيم ما يؤكد أنه فارسي الأصل، وكل ما قاله ابنه إسحاق كما مرّ هو: ” وأصلنا من فارس، ولنا بيت شريفٌ في العجم”، ولم يقل (نحن فرس)، ولو كانت الأسرة فارسية الأصل لما تردّد إبراهيم أو ابنه إسحاق في ذكرها، لأن الفرس كانوا ذوي مكانة رفيعة في العهد العباسي الأول، وكانوا يباهون بأمجاد الدولة الساسانية جهاراً. 6 – إن كلمة (العجم) التي ذكرها إسحاق لا يراد بها الفرس فقط، وإنما كانت تُطلق على الفرس والكرد معاً، بل إن مصطلح (عجم) في العراق كان المقصود به الكرد أكثر من الفرس، حتى إن منطقة إقليم الجبال- وهي في غالبيتها كردية- كانت تسمى (عراق العجم)، تمييزاً لها من (عراق العرب) غربي نهر دجلة، وهي المناطق التي استقرت فيها القبائل العربية خلال الفتوحات الإسلامية وبعدها.7 – مرّ أن مدينة (أرّجان) التي تنتمي إليها أسرة إبراهيم كانت تقع في إقليم فارس حسب التقسيمات الإدارية المعمول بها حينذاك، والمقتبسة أصلاً من التقسيمات الإدارية الساسانية، وكانت السلطات الفارسية، منذ أن سيطر الأخمينيون على مقاليد الأمور في غربي آسيا، تعمل بكل وسيلة لتغييب الحضور الكردي، جغرافياً وسياسياً وثقافياً، وإن وقوع أرّجان ضمن إقليم فارس لا يعني أنها كانت فارسية السكان، فقد أكد كبار الجغرافيين قديماً أنها تقع ضمن منطقة الانتشار الكردي (الزُّموم/الرُّموم). 8 – قال الأصبهاني: ” كان أبو العَتاهية وإبراهيم الموصلي من أهل المَذار جميعاً، وكان أبو العتاهية وأهله يعملون الجرار الخضر، فقدما إلى بغداد ثم افترقا؛ فنزل إبراهيم الموصلي ببغداد، ونزل أبو العتاهية الحيرة ” (الأغاني، 4/4). وهذا الخبر يؤكد أن إبراهيم كان من مواطني مدينة (المذار)، وعلمنا أن المذار كانت تسمّى (مَيْسان)، وسمّيت حديثاً باسم (العمارة)، ويبدو أن أسرة إبراهيم انتقلت من الكوفة إلى (المذار/ ميسان)، وميسان هذه هي من مواطن الكرد الفيليين.9 – الملاحظ أن الجغرافيا التي كان إبراهيم يتنقل فيها هي جغرافيا كردية، بدءاً بأرّجان في الجنوب الشرقي، والأُبُلّة وميسان في الجنوب الغربي، ومنطقة الموصل في الشمال الغربي، ومدينة الرَّيّ في الشمال الشرقي.


اعتماداً على هذه الأدلة نرجّح أن أسرة إبراهيم الموصلي كردية الأصل، أما كردستانيتها فأمر لا شك فيه، ومع ذلك ثمة تساؤل يفرض نفسه علينا، وهو:


لماذا لم يصرّح إبراهيم ولا ابنه إسحاق ولا حفيده حمّاد بأصولهم الكردية؟


الحقيقة أن أمثال إبراهيم في هذا الميدان كثُر في تاريخ الكرد قديمه وحدثه، وحسبنا أن نذكر أسرة البرامكة على سبيل المثال؟ ألم يتكتّموا على أصلهم الكردي؛ إلى أن ظهر حفيدهم القاضي المؤرخ ابن خلّكان (ت681 هـ) وأعلن أنهم كرد من قبيلة (زرزاري= ولد الذئب)؟!


ولعل من أسباب عدم إعلان إبراهيم عن أصله الكردي ما يلي:1 – كان قسم كبير من الكرد يُعرفون حينذاك بأسماء قبائلهم أو مناطقهم، ولا سيما الكرد اللور (الفيلي) الذين نرجّح أن أسرة إبراهيم تنتمي إليهم. 2 – كان الكرد في الجنوب يصنّفون ضمن الفرس والعجم، وهذا أمر وجدناه في تاريخ أسرة البرامكة. 3 – كان الكرد كانوا يقومون بالتمردات والثورات ضد السلطات الأموية والعباسية؛ الأمر الذي جعل سمعتهم غير طيبة على الصعيد الرسمي، وكان من الطبيعي أن تعمّم المؤسسة السياسية رؤيتها على الجماهير، ويكون الانطباع العام عن الكرد أنهم قطّاع طرق ولصوص وهمج وأهل غدر، وحسبنا دليلاً على ذلك أن أبا دُلامة هجا القائد أبا مسلم الخراساني بعد أن أمر أبو جعفر المنصور بقتله، قائلاً:أفي دولة المنصور حاولتَ غدرةً؟!


ألا إنّ أهلَ الغــدر آباؤك الكردُ


4 – حسبنا دليلاً على تشويه صورة الكرد أيضاً أن المؤرخين من أمثال المسعودي وغيره لم يجدوا حرجاً في أن ينقلوا روايات غريبة عن أصل الكرد، ويعمّموا في الوسط السياسي والثقافي والشعبي أن الكرد ليسوا بشراً أسوياء، وأنهم من أبناء الجن والشياطين والإماء؛ وكان ذلك كله كفيلاً بتشويه صورة الكرد، وتنفير الناس منهم، وكان من ثَمّ مدعاةً لأن يتنكّر بعض الكرد لأصلهم، ولا سيما أولئك الذين كانوا يطمحون إلى بلوغ المراتب العليا على الصعيد الديني أو الاجتماعي أو الرسمي، وهذا النهج الوصولي موجود في تاريخ بعض الكرد، بل إنه مستمر إلى يومنا هذا.5 – الملفت للانتباه أن الرواة لم ينقلوا معلوماتهم حول أصل أسرة إبراهيم من إبراهيم نفسه، وإنما نقلوها عن ابنه إسحاق وعن حفيده حمّاد بن إسحاق، وهذا دليل على أن إبراهيم كان يتكتّم على حقيقة أصله، ولا ريب في أن تشويه صورة الكرد على الصعيدين الرسمي والشعبي كان وراء ذلك التكتّم، وقد مرّ أنه كان صاحب نهج وصولي ذرائعي، وكان يتنازل بسهولة عن كل ما يمكن أن يمنعه من تحقيق طموحاته.


هذا ما نراه ضمن المعطيات التاريخية والجغرافية التي توافرت لنا، وحبّذا أن يتفضّل علينا الدارسون بما يأخذ بأيدينا إلى الحقيقة الناصعة.


المراجع


1. الأصبهاني: الأغاني، مؤسسة جمال للطباعة والنشر، بيروت، 1963م.


2. البلخي: فارس نامه، ترجمه عن الفارسية يوسف الهادي، الدار الثقافية، القاهرة، 2001م.


3. ابن حوقل: صورة الأرض، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، 1979م.


4. ابن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق الدكتور إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1977م.


5. دياكونوف: ميديا، ترجمة وهبية شوكت، رام للطباعة والتوزيع، دمشق.


6. أبو الفداء: تقويم البلدان، دار الطباعة السلطانية، باريس، 1840م.


7. مأمون بك بن بيگه بك: مذكرات مأمون بك بن بيگه بك، تعريب محمد جميل الروژبياني وشكور مصطفى، مطبعة المجمع العلمي العراقي، بغداد، 1980م.


8. مجموعة من الباحثين، كركوك، (بحوث الندوة العلمية حول كركوك) 3-5 نيسان 2001، دار آراس للطباعة ولنشر، أربيل، كردستان العراق، الطبعة الأولى، 2002م.


9. ياقوت الحموي: معجم البلدان، تحقيق فريد عبد العزيز الجندي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1990م.


وإلى اللقاء في الحلقة الرابعة والخمسين


د. أحمد الخليل في 22 – 4 – 2008