الرئيسية » مقالات » جميل داري عا د.. بأشجانه الأصيلة يغرد

جميل داري عا د.. بأشجانه الأصيلة يغرد

وجوه حميمة لم تفارق اسمه الجميل , انطلقت منه استثنائية الأشياء , مشهدا يلح عليه أن يعايشه , حيث الألفة تمسح جبين الشوارع الممتدة في قلبه الكبير, لتحتل مساحة وجوده العامر بحيثيات المكان, فلم يكن له من عشقه مهرب , وهو يرفد النهر بأسرار جريانه القلق , داري يجري في شرايين عامودا , فيضان تشربت به تاريخا حافلا بمعارك النرجس مع نسمات ليلية تأتي غزوة من عبق, تنهب سكينة أحلامه الخدرة , ليستفيق على جلبة أمه وهي تتوضأ لصلاة الفجر , ليمد لها سجادة, وهو يفكر بحبيبة نائمة على الجانب الآخر من محراب إيمانه , اتخذها جهة الحب كعبة, قبلتها كل جهات السنونو تأتي وترحل ربيعا لا يفارق عشه المشيد في سقف أمنية لا يقوى على الإفصاح عنها , حيث الحب هنا ملبد في قلبه بأخطاره السرمدية .
انطلقت منه بأشيائها الرحبة , لتتسع تدفقات قلبه لكل معاني عامودا المشرعة لكل الاحتمالات , وهي تتأرجح راحة بين ماض كاسمه جميل وحاضر كروحه قلق وغد كخياله موحش , تتنازع الأضداد نفسه, وهو يلمس جبينه يتحسس حرارة المدينة ,التي أصاب التلف وريد حياتها , حين أرسل لها الأتراك نهر داري جثة هامدة , المكان محموم , حرائق الأمس تحت جفنيه تشحذ همة الغد بحرائق جديدة , جفاف يفترش الوجوه والقلوب والمنازل , حيث خلت الشوارع من نضارة الحياة , عامودا حيرى , والمشهد يضغط على صدغي جميل داري ج . د حتى يصيره نهرا من الشعر يسقي المدينة حبا سرقوه منها , ولكنه عاد إلى حزنه الأصيل شهابا أكمل رحلته الكونية ليشع سماء الأكراد بقصائده في أعاليها البعيدة , أب عطوف تأخذنا أشعاره إلى مهد السكينة بها يرنم لنا أحزاننا , لننام في مهد قصائده أطفال كبار لا نعرف كيف يخدعنا بسحره لننام على كتفه مطمئنين رغم الفجيعة , سألت شقيقه داريوس محتجا غاضبا, وهو قلب آخر ينبض من منابع داري , ما به جميلكم يأرجحنا في قصائده حتى يداعب أجفاننا الكرى, لنجد أنفسنا نيام في مهد مهجته نور , نرضع معها ثدي القصائد … أبتسم داريوس حتى استفزني وقال : نحن أبناء داري سحرة وكبير سحرتنا جميل , فلا تتعب نفسك بالمقاومة حين تغامر بقراءة قصائده .
« إني احرق جمجمتي … أعلن بدء المواسم
ليست فيها إلا مقبرة … وبكاء »
القصيدة بين يدي ج . د طفلة والطفلة نور والنور ضياء ونحن فراشات كردية تعشق النور ,تحلق من حوله ,لتحترق أجنحة مداركنا وتكتوي أجسادنا وتفنى كياناتنا , لتذوب أرواحنا في نور بلاغته , كوننا نحب كواكبنا المضيئة حين تشع من بعيدها ,لتلامس أوجاعنا الثقيلة .
« سترتقي عرش الدماء
سأعود محمولا على كفن القصيدة
ولتكن كل القصائد رثائي
أو في التغزل بالفناء »
ظننت برهة إن نهرنا الجميل داري, قد أصابه البعاد بالتجفاف, فأبتعد بقصائده ليجري بعيدا في وحشة ذاته ,التي اعتقدنا أنها انفصلت عن ذاتنا , خدعتنا جغرافية المسافات القاسية , فإذا به يفاجئنا« نزف تحت الروح » لم يتوقف لم يتبدل لم يتغير ,فيضانه الخفي يغمرنا من جديد حتى الارتواء ,لنحس به يساءل رمال الخليج وشواطئه عن مجريات الألم التي تعصف بدواخل قلبه حيث رياحين بلاده يقضمها الرماد ,ليخطف البارود مهجته المسكونة بأزاهير غصون شجرة السفرجل التي تنتظره كل صيف لتعمده بشذى مكانه الحميم الذي يخبأ لطيوره المهاجرة بعض نوروزه والذكريات.
« إن حب القصيدة يفتح كل الدروب
إلى وطن من رذاذ ومن ً وسلوى »
لم نكن ندري إن من يمتلك وطن من المن والسلوى والرذاذ لا يمكنه إن يسكت , مهما جرفته الرمال جسدا نائيا , فأنه يبقى عاريا شامخا في قصائده تضرب جذورها في صخرة المكان عميقا , ما غادره يوما , تقول شقيقته ماجدة , وهي نوع آخر من فصيلة الياسمين نادرة الوجود : إذا كنتم يا مجانين القرنفل تكتبون الشعر دراية وبعضكم يكتبه هواية , فإننا أبناء داري نحتسيه من فنجان فطرتنا قدرا لا يعلم به غير الذي يقرأ العمائر التي دشنها الأوائل على جدران كهوفنا ,التي صارت لكم أوطانا , نحن من يختزل أنينكم العريق عقد من السوسن في جيد داري, نهاجر به, ليعرف العالم إن الوطن الذي تبكونه جميل , ولهذا يأتي نظم جميلنا شهي كرائحة مأدبة متخمة توابلها من نسق الآلهة , من منكم لا يشتهي وليمة أعدها جميل داري , قرأنا جميل لنعرف الإله الذي يولم له القصائد فوجدناه يحجب الإله خلف الباب معتذرا يقول له : هناك يتامى يستحقون الوليمة أكثر منك فانا اطبخ لهم أشلائهم حتى اكفف الدمع عن أعين الثكالى وأطفال جياع ما نسيتهم أبدا و أنت ما تذكرتهم أبدا .
عائلة من زيتون داري, جميل .. داريوس .. مروان .. نوري .. رضوان , لست ادري كيف توأمت معهم روحي الهاربة مني , ربما لأنهم يهاجرون جسدا محملين بأعباء وطن وأنا مهاجر روحا أسوق العصافير إلى أعشاشها, لتزقزق في مكانها المناسب جهة في هذا الوطن خالية من الفخاخ .
فتيان عرفناه معلم معفر بالطباشير والإعراب, وكان دأبنا الخوف من الطباشير والنحو , شبان عرفناه أستاذ ساخر و قلب شاعر , كبار عرفناه فارسا للقصيدة, اعتقدنا انه شاب عن الهوى, فإذا به يكتب فواجعنا على كبده راكبا ظهر القصيدة يدخل بها حومة آذار بكامل عتاده كما عهدناه جميلا في وفائه .
في آذارياته الأخيرة كتب احتجاجه النبيل مجددا بدون توابل ليأتي نقيا بصفاء الدم المهدور الذي لا يحتاج تذوقه إلى بهارات حتى يثير لعاب الرب أو صحوة الضمائر , الدم مملح ومتبل , قطفة زعتر بري داسته القبائل في مواسم لم يتركوا لنا فيها فسحة لنرتاح من الهجران , فجاء جميل قصيدة تسال عن مغزى لقتل البراءة, وحين يكون السؤال في صيغة الزعفران يأتي احتجاج نبيل أو غضب مطحون في مهباج مهيب أو حبة حصرم تعرف كيف تهز كيان العنجهية, التي ما استطاعت سبيلا إلى ابتلاع عنقودنا العنيد ,الذي تقطر من دالية ج . د ليسقينا حمض قصائده قشعريرة سكرانة لذة لاذعة لا يستسيغها غير الذين اتخمهم آذار بحمض كلور الموت . !!