الرئيسية » مقالات » العراق والميليشيات.. المقاومة الشعبية- الحرس القومي- ميليشيات الاحزاب

العراق والميليشيات.. المقاومة الشعبية- الحرس القومي- ميليشيات الاحزاب

كان العراق في العهد الملكي يلجأ احيانا الى تسليح بعض العشائر العربية والكوردية لدعم قواته المسلحة من الجيش والشرطة لاخماد الثورات والانتفاضات التي كانت تحدث ضد النظام في كوردستان مثل ثورات الشيخ محمود الحفيد في السليمانية 1919-1930 وسلسلة ثورات بارزان 1930-1943-1945 حيث كان النظام الملكي يستعين برؤساء بعض العشائر الكوردية ويزودهم بالمال والسلاح لتجنيد افراد عشائرهم في تشيكلات غير نظامية باسم (عسكر جته) لمحاربة ثورات شعبهم الكوردي..
اما في العهد الجمهوري بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958 حيث لجأت جميع الحكومات العراقية للاستعانة برؤساء العشائر المعروفين تاريخياً بالعمالة للانظمة المعادية لنضال شعب كوردستان وزودتهم بالمال والسلاح بعد اندلاع ثورة الحادي عشر من ايلول 1961 بقيادة زعيم الامة الكوردية مصطفى البارزاني الخالد للقتال الى جانب الانظمة ضمن تشكيلات اطلقت عليها تسمية (الفرسان) في حين اطلقت الثورة عليهم تسمية ( الجحوش) الا ان تلك التشكيلات المرتزقة لم تكن خارجاً عن السيطرة الحكومية التي كانت تدفع لها الرواتب الشهرية من خزينة الدولة يمكنها الاستغناء عنها عند انتهاء مهمتها كما حدث يعد سقوط نظام البعث. الا ان العراق شهد نوعا آخر من الميليشيات بعد قيام ثورة 14 تموز 1958 عندما قامت بعض الاحزاب والاطراف السياسية بتشكيل ميليشيات خاصة بها لتكون اداة مسلحة تحت سيطرتها لتنفيذ مشاريعها السياسية بقوة السلاح وفرض شروطها التعجيزية غير المشروعة على الحكومة العراقية…
1- المقاومة الشعبية الشيوعية:-
بعد نجاح ثورة 14/ تموز قام الحزب الشيوعي العراقي بتشكيل ميليشيات باسم المقاومة الشعبية في كل مدن العراق وبموافقة حكومة الثورة تحت واجهة (حماية الثورة) وفتح الحزب الشيوعي العراقي الابواب امام كوادره وجماهيره وغيرهم للانخراط في صفوف المقاومة الشعبية وتم فتح معسكرات تدريب خاصة وتزويد عناصرها بالاسلحة الخفيفة والخ… الا ان المقاومة الشعبية التي اخذت تضم الالاف من غير الشيوعيين جلهم من الفاشلين والعاطلين عن العمل بحثا عن الرزق والذين اخذوا يستغلون صفاتهم ولباسهم واسلحتهم للابتزاز والسرقة والترهيب، وبخاصة بعد فشل حركة العقيد عبد الوهاب الشواف قائد موقع الموصل في التاسع من اذارا 1959 بعد قصف مقره جوا ومقتله وتبعثر شمل مؤيديه وانصاره من القوميين العرب والبعثيين…
استغلت المقاومة الشعبية في الموصل فشل تلك الحركة التي كان من اهدافها القضاء على نفوذ الحزب الشيوعي العراقي وقيام وحدة فورية مع الجمهورية العربية المتحدة بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر التي كانت تضم القطرين المصري والسوري وقامت المقاومة الشعبية باعمال اجرامية شملت القتل وسحل المؤيدين لحركة الشواف وتعليق الجثث على اعمدة الكهرباء والهاتف الى جانب عمليات السرقة والنهب علنا والخ…من الاعمال اللاانسانية باسم حماية الثورة من (المتآمرين الخونة).. في الوقت الذي لم يكن للمقاومة الشعبية اي دور عسكري في القضاء على حركة الشواف والذي ادى الى فشلها هو موقف كتيبة الهندسة العسكرية ضد الحركة وكذلك مقتل العقيد الشواف في حين استغل الحزب الشيوعي فشل الحركة للانتقام ومحاولة القضاء على نفوذ التيار القومي العربي، وتمكن من اقناع اللواء عبد الكريم قاسم بانهم وحدهم المخلصون له والمدافعون باخلاص عن الجمهورية العراقية واصبح نفوذ المقاومة الشعبية في القمة وتحولت الى جيش خاص ينافس افرادها منتسبي الجيش العراقي ويتجاوزون على ضباطه وجنوده والخ.. حتى بلغ السيل الزبى لدى عبد الكريم قاسم عندما وصف المقاومة الشعبية (بالفوضويين) في كلمته التي القاها في كنيسة ماريوسف في بغداد بتاريخ 15/ تموز/1960 بمناسبة مرور الذكرى الثانية لقيام الثورة.. وقد استغل الضباط القوميون الملتفون حول اللواء قاسم الموقف بدورهم لتشجيعه ضد المقاومة الشعبية والحزب الشيوعي العراقي وتم حل المقاومة الشعبية ودفع الحزب الشيوعي ثمن ممارسات المقاومة الشعبية غاليا كما دفع عبد الكريم قاسم حياته فيما بعد عندما وضع كامل ثقته بخصومه من الضباط القوميين الذين تآمروا عليه واطاحو به..
2- الحرس القومي البعثي:-
بعد انقلاب الثامن من شباط 1963 لم يكن لحزب البعث العربي الاشتراكي كاحد اطراف الانقلاب نفوذ يذكر في صفوف الجيش العراقي وبخاصة بين الجنود وضباط الصف وكانت فقط هناك مجموعة من الضباط البعثيين المعروفين امثال صالح مهدي عماش وحردان عبد الغفار التكريتي و عبد الكريم مصطفى نصرت ومنذر الونداوي الى جانب احمد حسن البكر كاقدم ضابط بعثي وعدد من صغار الضباط، وكان الضباط القوميون بمختلف الفصائل القومية بقيادة عبد السلام محمد عارف يشكلون الاكثرية عند القيام بانقلاب ويهيمنون على القطعات المهمة في الجيش العراقي والاجهزة الامنية العراقية، لذا قرر حزب البعث ايجاد تشكيلة شبه عسكرية خاصة به كبداية للهيمنة على المؤسسة العسكرية فيما بعد وضمن المخطط التآمري للبعث، وتم تشكيل الحرس القومي باسم حماية الثورة واوعز حزب البعث الى منتسبيه جميعا للانخراط في الحرس القومي وفتح الحرس القومي ابوابه على مصاريعها على غرار المقاومة الشعبية سابقا لقبول طلبات المنضمين اليه وسارع العاطلون عن العمل والوصوليون والانتهازيون وحتى الشيوعيون النابذون المنهارون للانضمام الى تشكيلات الحرس القومي ويقومون باعمال السرقات والاعتداءات والابتزازات بحق المواطنين والقيام بالاعتقالات الكيفية وفتح سجون خاصة بهم وتشكيل محاكم غير قانونية وممارسة ابشع صنوف التعذيب واعدام المئات من المواطنين الابرياء، حتى غدا الحرس القومي جيشا جرارا ينافس الجيش العراقي ويسطو على الاسلحة المتوسطة وذخائرها والاعتداء على منتسبي القوات المسلحة من ضباط وافراد واهانتهم امام اسرهم واصدقائهم والخ..
من الممارسات المسيئة بحق الوطن والمواطن، وكان رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة المشير عبد السلام عارف يراقب وباهتمام كبير ممارسات الحرس القومي ومن ناحية اخرى كشف عبد السلام عارف عن وجود مخطط بعثي تآمري بين البعث العراقي والبعث السوري الذي كان قد قام بانقلاب في سوريا في الثامن من اذار 1963، لغرض القيام بانقلاب ضده من خلال مشاركة القوات السورية التي جاءت الى العراق بهدف القتال ضد الثورة الكوردية، حيث كان هناك لواء من الجيش السوري بقيادة العقيد فهد الشاعر موجود في الموصل مع بضع طائرات سمتية (هيلوكبتر) مما جعل عبد السلام عارف يفكر جديا للتخلص من حزب البعث كشريك في السلطة والحرس القومي البعثي معا حيث اوعز الى قادة الجيش للقضاء على الحرس القومي وكان ضباط الجيش الذين كانوا يشكون من تصرفات وممارسات هذا الحرس متلهفين للتخلص من ميليشيات الحرس القومي وقامت قطعات من الجيش تساندها بعض الدبابات والاليات المدرعة مساء يوم 17/ تشرين الثاني 1963 باحتلال المقر العام للحرس ودارت المعارك حتى عصر يوم 18/ تشرين الثاني 1963 وتمكن الجيش من القضاء على الحرس القومي واعتقال معظم قادة حزب البعث وعلى رأسهم رئيس الوزراء احمد حسن البكر وهرب من هرب وانتهى عهد حزب البعث وتشتت تنظيماته واصدر عبد السلام عارف بيانا يبشر العراقيين بالقضاء على حزب البعث ووصف الحرس القومي (باللاقومي)..
3- ميليشيات الاحزاب في العراق الجديد:-
بعد القضاء على النظام البعثي الشمولي في التاسع من نيسان 2003 ظهر العديد من الاحزاب والاطراف السياسية والدينية وغيرها على الساحة السياسية في العراق الجديد والتي لم يكن لها دور نضالي ضد النظام بل ان البعض من قادة ومؤسسي هذه الاطراف اما كانوا ضمن دائرة التأييد للنظام او جالسين على التل وساكتين عن الحق ولا ينهون عن المنكر..
وظهروا من عتمة الظلام الى نور الحرية بعد التحرير ليمارسوا نشاطا سياسيا ويزاودوا بالوطنية على الوطنيين المناضلين وعلى الاحزاب والقوى السياسية المناضلة التي كانت تناضل وتقارع الظلم والاستبداد والطغيان والقتل الجماعي والعدوان على الجيران وقدمت هذه القوى المناضلة قوافل من الشهداء من اجل حرية شعب العراق بعربه وكورده وتركمانه واقلياته القومية والدينية، وكانت لهذه الاحزاب فصائل ثورية مسلحة تقاتل ضد الاجهزة القمعية للنظام البعثي بالسلاح وتفتح صدورها للموت وتتسابق نحو الشهادة، وكان لها دور نضالي مشرف في عملية تحرير العراق، ثم غدت بعد التحرير قوة ضمن التشكيلات الجديدة للجيش العراقي والشرطة الوطنية وحرس الحدود وغيرها، للدفاع والذود عن النظام الديمقراطي التعددي الفدرالي في العراق الجديد.
ولم تكن للعديد من الاحزاب الجديدة قواعد جماهيرية تستند اليها للوصول الى غاياتها واهدافها الشخصية حيث فتحت ابوابها على مصاريعها لقبول بعض الشرائح العراقية بعد سقوط النظام للوصول الى المناصب الرفيعة في الدولة العراقية التشريعية منها والتنفيذية وتستولي على بعض الاسلحة والمعدات العسكرية من ثكنات الجيش العراقي التي تركت بدون حراسة بعد قرارات (بريمر) بحل هذا الجيش واجتثاث حزب البعث حيث التحق المئات من عناصر الجيش المنحل والبعثيين (المجتثين) بهذه الاحزاب سواءً لغرض العيش ام التستر في ظلها واخرين من المجرمين والقتلة والمهربين الذين كان نظام صدام قد اطلق سراحهم والتحقوا بمايسمى (فدائيو صدام) بقيادة نجله المقبور عدي، الذين لم تستقبلهم الاحزاب العراقية المناضلة حتى وجدوا لهم مأوى امناً تحت مظلة الاحزاب الجديدة التي قامت بتشكيل الميليشيات الخاصة بها من هؤلاء واطلقت اياديهم للقتل والابتزاز والسرقة والسلب والنهب لكسب المال الحرام من اجل ايجاد كيان لها تحاول فرض شروطها غير المشروعة على الحكومة الوطنية المنتخبة ديمقراطياً.
لقد غدت الميليشيات الحزبية تشكل خطورة بالغة على المواطنين العراقيين الذين ذاقوا الامرين من ممارساتهم الارهابية وجرائمهم اللاانسانية الى جانب السرقات الكبيرة والخطيرة لاموال الشعب العراقي بشكل منظم على غرار المافيات الدولية وتحت سمع وبصر بعض الاجهزة الامنية للدولة العراقية حيث تمكنت هذه الميليشيات التغلل في صفوفها سواءً من خلال الترهيب والتهديد ام تقاسم الغنائم معها حتى فقدت الدولة هيبتها في العديد من المناطق التي خضعت لسيطرات الميليشيات المنظمة وخيم الارهاب على سماء تلك المناطق المنكوية..
ان ممارسات الميليشيات الحزبية في العراق حالياً فاقت تلك التي كانت تقوم بها المقاومة الشعبية في بداية عهد ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة 1958 وكذلك الحرس القومي البعثي بعد انقلاب 8/شباط 1963 والتي ادت الى ان يفقد الحزب الشيوعي العراقي الكثير من شعبيته ومكانته لدى قائد الثورة اللواء عبد الكريم قاسم، وكذلك الحرس القومي الذي كانت ممارساته من اهم الاسباب التي ادت الى قيام عبد السلام عارف بالاطاحة بحزب البعث وحرسه القومي في 18/ تشرين الثاني عام 1963 وكان الثمن غاليا على الشيوعي العراقي وحزب البعث معا وسيدفع اصحاب الميليشيات الحزبية الثمن غاليا اذا ما تمسكت بها ودافعت عنها..
لقد استقبل الشعب العراقي بكل قومياته واطيافه قرار المجلس السياسي للامن الوطني الموقر القاضي بحل جميع الميليشيات التابعة للاحزاب العراقية لانه لا يمكن لاية حكومة في العالم تحترم نفسها ان تقبل بوجود قوات مسلحة غير نظامية وخارجة عن سلطتها وسيطرتها وتتحدى القوات الرسمية العسكرية وتقاتلها والانظمة والقوانين المرعية.. وتقتل وتسرق وتنهب وترهب دون حسيب ورقيب ومن مصلحة اصحاب الميليشيات انفسهم بان يبادروا هم بحل ميليشياتهم وتسليم اسلحتها الى السلطة قبل فوات الاوان.. وتطهير صفوفهم من العناصر المسيئة والاجرامية والارهابية وتدخل في العملية السياسية من الابواب الامامية وتسلك السبيل القويم لاثبات الوجود في ظل الدستور والقوانين النافذة ونبذ العنف والارهاب وكسب المال الحرام… والشعب العراقي والتاريخ لا يرحمان السائرين في الاتجاه المعاكس بالضد من مصلحة الوطن وسيادته واستقلاله.
…وغداً لناظره قريب…

التآخي