الرئيسية » مقالات » كاظم الجاسم مختار الحزب في الفرات الأوسط(4)

كاظم الجاسم مختار الحزب في الفرات الأوسط(4)

تختلف طبيعة العمل في الريف والوسط ألفلاحي عن المدينة،تبعا للاختلاف بين طبيعة المجتمعين،والعاملين في المدينة لا يستطيعون التأقلم مع مهام العمل ألفلاحي،إلا أذا كان انحدارهم الأصيل من الريف،وهذا الاختلاف ناجم عن طبيعة المجتمع الريفي الذي له عاداته وتقاليده الخاصة،التي ترسخ فيه وتتعارض مع المجتمعات المدنية، وله لغته التي يتعامل بها،وطبيعة الحياة الريفية الصعبة وطرقها الوعرة وطعامها أو مائها الذي يختلف جذريا عما هو في المدينة،وما يتطلب ذلك من معرفة كاملة من الناحية الجغرافية والاجتماعية والعشائرية،حتى لا يقعوا في أخطاء تحول دون وصول المنظم للهدف الذي يسعى إليه،لذلك كان الرفيق أبو قيود العارف لطبيعة الريف،يمتلك الإمكانات في العمل الريفي تبعا لانحداره ومعرفته الكاملة بطبيعة التعامل في تلك المجتمعات،فحدث له مرة على سبيل المثال أنه كان ذاهبا إلى الزرفية للأشراف على اجتماع لأحدى خلاياها في قرية الحسنية،ولأنه معروف في المنطقة ومطلوب للسلطة آنذاك،كان عليه تجاوز المدينة دون المرور بها،وسلوك طريق آخر غير الطريق العام،مما يستدعي أن يسير مسافات شاسعة على قدميه،وكان الاجتماع ليلا،وقد تقرر أقامته في بستان أحد الرفاق خارج القرية حتى لا يثير الشكوك،لأن السلطة البعثية قد وضعت تلك القرية تحت المراقبة لأنها قلعة من قلاع الحزب،وكان الحرس القومي يداهموها بين الحين والآخر بحثا عن الشيوعيين المطلوبين،وخشية أن يكون هناك مدسوس بين أهلها رغم القناعة التامة بانحيازهم إلى جانب الحزب،وعند وصوله إلى البستان للأشراف على الاجتماع وجد الرفيق المسئول قد جمع أعضاء خليته بانتظار قدوم المشرف،ولبساطة الفلاح العراقي كان البعض يتصور أن المشرف شيء آخر يختلف عن الآخرين، وعندما بدء الاجتماع ولشدة الظلام أشعل أحدهم زناده وهو من النوع السائد آنذاك ويسمى (أبو الفتيلة) لرؤية الرفيق المشرف،وعندما أبصره رجلا مثله يرتدي الكوفية والعقال،عجب للأمر وقال ببساطته الريفية(جا هو هذه الرفيق المشرف،حسبالي المشرف شي جبير) فضحك الآخرون منه،وعندما قام الرفيق المشرف بشرح قانون القسمة بين المالك والفلاح،وضرورة تبني قضايا الشعب بادره أحدهم(رفيق شنو هو الشعب)فقال له الشعب يعني أنا وأنت وفلان وفلان،ومجموع سكان العراق يسمي شعبا،ولو حصل الأمر مع أحد أبناء المدينة ممن هم بدرجة الرفيق أبو قيود لتصور أن الأمر لا يعدو الاستهزاء به،لأنه ليس من المعقول أن يكون الإنسان بهذه السذاجة والبساطة،ولكن هؤلاء البسطاء الذين يجهلون النظريات الثورية والتعابير الرنانة،والمصطلحات الأجنبية يستطيعون بحسهم الطبقي معرفة معاناتهم التي دفعتهم للانضمام إلى الحزب،ويمتلكون حسا ثوريا وإخلاص وشجاعة واستعداد للتضحية ليس له نظير،وكانوا يقومون بالأعمال البطولية التي جعلت للحزب سطوته في تلك الأوساط،وأعرف أحدهم وهو الرفيق وحيد أعتقله الحرس القومي وأرسل الى مديرية أمن بابل للتحقيق معه،وكان شيوعيا نابها،ولكنه تصنع البلادة ورغم شدة التعذيب وقسوته فقد صمد صمود الأبطال ،وأصر على أنه راعي غنم لا يعرف أي شيء،وعندما طلب منه ضابط التحقيق أن يسب الشيوعية،قال له (بويه تريد تهجم بيتي ألشيعه يشورون)وعندما أفهمه أنه لا يريد سب ألشيعه وإنما الشيوعية ،سأله عن الفرق بينهم،تأكد ضابط الأمن أنه بليد أو بسيط لا يفهم شيء وأن إلقاء القبض عليه بسبب عداوة أو خلاف فأطلق سراحه،ولا زال هذا الرجل حيا حتى كتابة هذه السطور.

والريف العراقي يعرف بالحسجه وهي لغة البلاغة الشعبية التي لا يسبر غورها إلا العارف ببواطن الريف العراقي،فقد كان الرفيق أبو قيود ذات يوم مكلف بمهمة في ريف القاسم،ويرافقه أحد أعضاء محلية بابل من أهل الحلة الأصليين،وكان ذلك في ذروة الهجمة الشرسة للبعثيين الأوباش أبان انقلابهم المشئوم ،وكان عليهم أن يسلكوا طريقا لا يمكن للسيارات أن تمر فيه،وبعد مسيرهم بساعات أحسوا بالجوع،فطلب منه ذلك الرفيق أن يتدبر لهم شيئا من الزاد،فكان الشهيد أبو قيود بسبب طبيعته الريفية عارف بما يتوجب عمله في تلك الحالة،فدخل إلى دار الضيافة في بيت بأطراف القرية ،وما أسرع ما أتاه صاحب الدار ،وقدم له الطعام والشاي ،وسألهم عن عشيرتهم فأخبره أنهم من ألبو طيف وقد فقدت منهم مهرة فسأله تأكل برأسها أم بيديها فقال بيدها ، قال ذلك ورفيقه الحضري يعجب من هي المهرة التي تأكل بيديها أو التي تأكل برأٍسها وبعد خروجهم من الدار سأله عن جلية الأمر فقال له قلت له أني أبحث عن مهره ، وعندما سألني تأكل بيدها أم برأسها عرف أني أبحث عن فتاة أخطأت وهربت من البيت لأن الفرس تأكل برأسها أما المرأة فتأكل بيديها،وكثيرة هي الحالات التي تستدعي الإلمام بعادات الريف بحيث يتعذر على أبن المدينة معرفتها أو التعامل معها وينكشف أمره أو يفشل في مهمته،والاجتماعات الريفية تختلف عن اجتماعات المدينة ،فرفاق المدينة يلتزمون بالوقت حرفيا لضرورات الصيانة ،وإذا تأخر احدهم عن الاجتماع أكثر من الوقت المقرر وخصوصا في النضال السري يتوجب إلغاء الاجتماع لأن تأخر الرفيق قد يكون بسبب إلقاء القبض عليه مما يشكل خطرا على الآخرين،أما الريف فالعكس تماما ،حيث يتأخر الريفي أو لا يحضر وقد يكون أفراد الخلية خمسة ولا يحضر منهم غير شخص واحد أو يأتون متأخرين فرادي،وإذا كان لديهم حصاد أو كراب فذلك يعني إلغاء الاجتماع وتأجيله إلى يوم آخر،وقد يتطلب الأمر من المنظم أن يبات ليلة أو أكثر في القرية بانتظار اللقاء برفاقه،وقد تستغرق جولته الإشرافية أسبوع أو يزيد، وعدم وجود تجمعات سكانية كبيرة يفرض على المسئول أن يذهب اليهم كل في بيته ،والبعد بين بيت وآخر قد يكون مسيرة ساعات،ناهيك عن وسائل النقل شبه المعدومة تلك الأيام ،وأقصى ما حصل عليه الرفيق أبو قيود عند تنقله (بايسكل) أصفر اللون يتذكره الكثير من رفاقه،وفي عام 1959 -1960 تمكن من الحصول على سيارة جيب كانت مخصصة للجمعيات ألفلاحيه، والريف لا يختلف عن المدينة في احتفالياته في المناسبات الوطنية والأممية، فكانت الاحتفاليات تقام في مثل هذه المناسبات على الطريقة الريفية، وبدلا من ترديد الأناشيد المكتوبة بالفصحى ،كان مطربي المنطقة يشاركون الفلاحين احتفالاتهم فينشدون الأبوذية الوطنية نففي ذكرى ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى غنى المطرب الريفي:

لينين النوّر العالم وشعبه

الكلب أعداه سهم سدد وشعبه

نهني بثورته حزبه وشعبه

ونشارك بالفرح كل البرية

وفي عيد الحزب وذكرى تأسيسه غنى المطرب الريفي:

شعبنه زعزع الطغيان من ثار

الرميثة من الجماجم غدت منثار

فهدنه لا تظن فد يوم منثور

أبو يعكوب ما ننسه ألوصيه