الرئيسية » مقالات » بدايــات الغربــــة 24

بدايــات الغربــــة 24

تتناول الحلقة: بدء رحلة أمتحاناتي مع عميد الجامعة المرتشي البروفيسور گريج. الحديث بصراحة مع ستوجينسكا حول مقدار الرشوة التي تطلبها. متابعة حزب العمال البولوني الموحد (الحزب الشيوعي) ورئاسة الجامعة لمشكلتي مع العميد البروفيسور گريج وبدء تحقيقات الشرطة معه.

حدد البروفيسور گريج يوم الأمتحان لطلبته في نفس اليوم المخصص لأمتحان طلبة الثانويات!. وعندما توجهنا يوم الأمتحان للكلية كانت الباب مغلقة ولايسمح لأحد الدخول إلا لطلبة الثانوية المزودين بهويات خاصة. ولآ أدري لماذا إختار البروفيسور هذا اليوم للأمتحان وهو يعرف بعدم السماح لنا بالدخول!. تجمعنا بحدود 27 طالب عند باب الكلية، كنت الوحيد بين الممتحنين من الدراسات العليا، وكان بيننا خمسة عراقيين (من طلبة البعثة العراقية) معظمهم في السنة الأخيرة. خرج الينا البروفيسور گريج وتجمعنا حوله قرب المدخل الرئيسي للكلية متوقعين منه تأجيل الأمتحان أو أدخالنا للكلية بكفالته. لكنه أعتذر لعدم السماح لنا الدخول للكلية الآن، وأخبرنا بإضطراره لتوزيع الأسئلة علينا ونحن متحلقين حوله في الساحة خارج مبنى الكلية!. وطالبنا بالأجابة على الأسئلة مستفيدين من المقاعد الخشبية المنتشرة في الساحات الخارجية والمنتزهات المحيطة ببناء الكلية!. وحذرنا من الذهاب لأقسامنا الداخلية أو الأستعانة ببعضنا أو بالآخرين، وأنه سيعود لنا بعد ثلاثة ساعات حيث ينتهي طلبة الثانويات من أمتحانهم!. أعطى لكل طالب ثلاثة أسئلة تختلف عن الآخرين بمقادير القوى والأبعاد والأتجاهات وغادرنا. كان أحد أسئلته لي عبارة عن بروجكت (مشروع) يستلزم إنجازه العمل عليه لأيام! كان هذا المشروع عبارة عن عتلة (جسر) تستند على ثلاثة ركائز وأحد أطرافها سائب (حر)، وحملها بقوى منفردة وأخرى متواصلة، وطلب حساب أقصى إنحناء ومقداره وفي أي نقطة سيكون، ومعالجة إرتفاع العتلة في حالة تجاوز الأنحناء المواصفات المعمول بها!.
كان هذا أحد المشاريع التي سبق لي وأنجزتها خلال السنة وأحد الشروط للتقدم للأمتحان النهائي. الغريب كان سؤاله (المشروع) مؤشر فيه بالرسم القوى المؤثرة وأتجاهاتها بقياسات وأبعاد رقمية محددة. وتحديد أتجاهات القوى المؤثرة ومقدارها وأبعادها بدقة وبالأرقام يستنتج منه أن البروفيسور يطلب التوصل الى حل رياضي دقيق للحصول على نتيجة رقمية، وإلا ما الحكمة من أرقامه التي أشرها في السؤال. ذهب البروفيسور ولم يمنحنا أي مجال للأستفسار كما لم يعدنا بالعودة لنا فلربما توجد للبعض إستيضاحات لعدم وضوح الأسئلة.
بعد ذهابه أستفسرت من زملائي فلم أجد أحداً منهم أستلم مايشبه مشروعي، بينما جميعنا نتشابه بالسؤالين الآخرين. كان أحد الأسئلة يطلب فيه حساب ردود الآفعال على عتلة معقدة وفيها خمسة مجاهيل، ويطلب حلها بالأعتماد على طريقة (J.G). هذه الطريقة درستها في السبعينات وتسمى بطريقة العزم المعكوس (moment powtórny) ، لكن البروفيسور يشي گريج (Jerzy Grycz) غيَر فيها تغييرا طفيفا ليس ذا أهمية وأطلق عليها الحروف الأولى من أسمه (JG)!.
قضينا ثلاثة ساعات في جو حزيراني حار ونحن في العراء تحت الشمس خارج الكلية وسط ضجيج وقهقهات الطلبة وصراخ وعراك أطفال المنطقة لنجيب على أسئلة إمتحان لمادة تتطلب الهدوء والتركيز. كنا نجلس على أرائك الحديقة الخشبية الغير مريحة وبدون مناضد نكتب عليها أو نضع عليها أوراقنا!. قررت عدم حل سؤال المشروع بدقة وأنما سجلت الخطوات لأشرح فيها كيفية حل السؤال لأن الوقت لايسع لحل حتى 10% من السؤال. أما السؤالين فقد أجبت عليهما بدقة وساعدت طلبة البعثة العراقيين في حل لغز السؤالين، وكنا جميعنا نتناقش ونتبادل المعلومات في حل الأسئلة.
بعد ثلاثة ساعات أنهى طلبة الثانويات أمتحانهم وغادروا الكلية، في نفس الوقت أنتهت الفترة الزمنية التي حددها گريج لأجاباتنا. جاءنا العميد وجمع إجاباتنا ودعانا لدخول الكلية والأنتظار أمام غرفة ستوجينسكا لأستدعائنا لمناقشة إجاباتنا. أستدعى ثلاثة طلبة، كان من ضمن الوجبة الأولى أحد طلبة البعثة العراقية. وبعد خروجه من المناقشة شكرني على مساعدته في معالجة السؤال المتعلق بطريقة (J.G) لأن البروفيسور لم يناقشه إلا في هذا السؤال وكان مرتاحا من إجابته. أحسست بمزيد من الأطمأنان، وتأكدت من صحة معالجتي لسؤال من ثلاثة أسئلة. بعدها جاء دوري، سألني عن المشرع، فبدأت أشرح له كيفية معالجته. فقال برفض قاطع: لآ لا اريد شرحا! أنا أعطيتك قياسات وأوزان وقوى محددة وأريد جواباً دقيقا بالأرقام!. قلت له: أن الحل يأخذ وقتا طويلا وهو نفس المشروع الذي طلب مني ومن زملائي الطلبة خلال السنة، وأستغرقت معالجته أسابيع، فليس من الممكن حله خلال ثلاثة ساعات، والعبرة في أستيعاب المشكلة وطريقة معالجتها. لم يكن يستمع أو يهتم لما أقول وكان يقلب أوراقي أمامه، والتفت لي مشيرا على أجابتي التي تخص طريقته (J.G) وقال: وهذا الجواب خطأ أيضاً. أستغربت من تقييمه لمعالجتي السؤال، بينما عالجت نفس السؤال لزميلي العراقي وبنفس الطريقة وأرتاح لجواب زميلي كما أخبرني بعد خروجه!. أستوضحت منه أين الخطأ في الحل، أجابني: أنت هنا للأمتحان وليس في درس! وأنهى مقابلتي بإستدعاء طالب آخر ونصحني بالأستعداد الجيد وإعادة المحاولة في المرة القادمة!.
عدت خائبا ومحبطا، فأستاذي منح درجة نجاح لزميل ساعدته في حل السؤال بينما يقول لي أن إجابتي على نفس السؤال خطأ، دون أن أفهم منه أين الخطأ. ووصلت الى قناعة مطلقة أن ماجرى لي اليوم كان مقصوداً ومخططاً، ولايمكنني تجاوز الأمتحان إلا بعد دفع مستحقات ستوجينسكا الباقية (بذمتي).
قررت السفر الى وارشو والأستعانة بأساتذتي القدماء في جامعة وارشو التكنيكية. أتصلت بالبروفيسور گومولسكي (Gomulski)، وكان حينها عميد كلية الهندسة المدنية في وارشو. كان گومولسكي أستاذي في بوتسك وهو أستاذ جدي ومتمكن من مادته ويكن لي أحتراماً كوني أحد الطلبة المتفوقين بمادته (ميكانيك البناء). شرحت له مشكلتي مع البروفيسور گريج وسلمته أوراق الأمتحان ورجوته تدقيق أجابتي لمعرفة أخطائي. أوعدني بمراجعة ذلك وأنه سيساعدني، ومما قاله لي حرفيا وهذا مالا أنساه: لست أنت وحدك تعاني من مشكلة معه، زوجته وأبنته تعانيان بسبب طبيعة علاقته مع مساعدته ستوجينسكا، وإصراره للعمل والعيش في لوبلين بعيداً عن عائلته في وارشو!. بعد يومين أخبرتني سكرتيرة العميد گومولسكي بتسليم أجاباتي لبرفيسور يرتبط بعلاقة صداقة طيبة مع گريج وقد تبنى موضوعي وطلبت مني زيارته في مكتبه. زرت البروفيسور (للأسف لآ أتذكر أسمه) وقدمت له نفسي، رحب بي وطلب مني أن أستريح وعندما أردت أن أشرح له الموضوع أوقفني عن الكلام قائلا لا تتعب نفسك فأنا سمعت عنك وأعرف گريج جيدا فهو صديق قديم، وأتصلت به وتحدثت معه عنك مطولاً وقلت له بإختصار: أن محمد طالب جيد ويهمني أجتيازه الأمتحان دون عراقيل وقد أنجز أطروحته (مشروع الماجستير) ولم يبق له سوى مادتك ودفاع الماجستير، وأوعدني خيراً وبأمكانك السفر لأنه قد حدد موعدا جديدا للأمتحان، وما عليك سوى مراجعته. شكرته لموقفه النبيل وقبل أن أودعه طلبت منه أن يخبرني أي خطأ أرتكبته في معالجة سؤال گريج ، أبتسم معلقا: أنه لم يكتشف أي خطأ وأجابتي دقيقة ومن يعرف گريج وأسلوبه لايستغرب من تصرفاته!.
عدت الى مدينتي مطمأنا بعض الشيء. راجعت گريج في اليوم الثاني لتسجيل أسمي ضمن الطلبة الراغبين في الأمتحان، وما أن دخلت عليه وقبل أن يرد على تحيتي قال: أذا كنت بصدد الأمتحان لاتراجعني بل راجع ستوجينسكا وتفاهم معها!. خرجت منه وأنا أحس بالخيبة مجدداً، وتوجهت الى مكتب ستوجينسكا، وبعد نقاش طويل لأنها رفضت تسجيل أسمي مع الطلبة المتقدمين للأمتحان بحجة تأخري في التسجيل، وسألتني عن بقية المبلغ فقلت لها مازلت أنتظر أن ينجدني أصدقائي، وأخيراً سجلت أسمي مع الطلبة الممتحنين بعد ثلاثة أسابيع!.
يوم الأمتحان كان عددنا يزيد على العشرين طالباً ، جمعنا گريج في أحد الصفوف، ووزع على كل طالب ثلاثة أسئلة، وكانت حصتي نفس الأسئلة السابقة دون أي تغيير!. وتركنا في الصف لوحدنا من دون رقابة وطلب أن نراجعه في غرفة ستوجينسكا بعد الأنتهاء من الأجابة بعد ساعتين لآ أقل. لم أغير في أجاباتي سوى أني شرحت خطوات حل المشروع بطريقة أكثر تفصيلا. عند أستدعائي لمناقشتي على إجاباتي كانت نتيجة الحوار معه لآتختلف عن الأولى، بل كانت الصلافة والتحدي والأنزعاج والسخرية في كل تصرفاته وحديثه معي، حتى أني فضلت عدم مناقشته والأنسحاب كي لا أعقد وضعي أكثر، خاصة أن إقامة زوجتي قاربت على الأنتهاء، وعلي الأستعداد لخوض محاولة جديدة من الأبتزاز والتهديد مع شرطة لوبلين لتمديد إقامتها.
عدت مهموما وأحسست برغبة عارمة للتقيؤ من تصرف عميد الكلية وأستاذ المادة وطريقته في الأبتزاز. لم أكن أتصور أن يصل مستوى الكلية وعميدها الى هذه الدرجة من التفسخ والأنحطاط العلمي. ولأول مرة أحس بأحتقاري للكلية ومستواها العلمي. كنت محبطا وأفكاري مشتة، فالمشاكل لاتفارقني. سافرت الى وارشو مجدداً لمقابلة البروفيسور (صديق گريج) لأقص عليه ماحدث ولأستمع لنصيحته. وما أن شاهدني البروفيسور في باب مكتبه وقبل أن أحدثه أعتذر وطالبني بالصبر ليتحدث مع أصدقاء آخرين لگريج ربما يؤثرون عليه، وطلب مني مراجعته بعد أسبوع.
عدت لمدينتي لوبلين وقررت أن أقابل مساعدته ستوجينسكا وأحاول أن أحدثها بصراحة وعلى المكشوف وأسجل كلامها على كاسيت مستعينا بجهاز صغير للتسجيل أخفيه في حقيبة صغيرة. ذهبت الى الكلية وجهاز التسجيل مهيأ للتسجيل في الحقيبة، وكانت ستوجينسكا تستقبل بعض الطلبة لمناقشتهم ومنحهم رخصة الأمتحان (الزاليجينيا). في البداية رفضت أستقبالي، فقلت لها أريد الحديث معك في مسألة مهمة ولدقائق، فطلبت مني الأنتظار خارج غرفتها. وعندما خرجت وسألتني ما الأمر قلت لها مباشرة ودون مقدمات: أريد أن تحددي كم أدفع كي أجتاز الأمتحان دون عوائق!. فأبتسمت وأجابتني دون تردد: لماذا لم تقل ذلك منذ البداية؟ ودار بيننا الحوار التالي:
– أنا أخبرتك بأن أمكانياتي المالية ضعيفة وغير قادر على دفع 450$.
– لايمكنني أن أخفض المبلغ فأنا أخذت بنظر الأعتبار ظروفك التي حدثتني عنها، وزملائك طلبة البعثة العراقية يدفعون أكثر من ضعفه!
– لايوجد عندي هذا المبلغ، كل ما أملكه جهاز حاسوب صغير مبرمج على لغة البيزك أشتريته بسعر 250$ وغير مستعمل يمكنني تقديمه هدية بدل المبلغ.
– لايمكنني أن أعطيك جواباً الآن، يجب إحضار الحاسوب وغدا أعطيك الجواب!
كان هذا الحديث كاف لتأكدي أن عرقلة أجتيازي أختبار البروفيسور گريج بأسلوبه التعجيزي في أسئلته الهدف منها إجباري على دفع المبلغ. أما بالنسبة لجهاز الحاسوب الذي عرضته على ستوجينسكا، كنت أشتريته أثناء أقامتي في سورية، وأعتقدت سيساعدني في دراستي ولم أستعمله وكلفني مبلغ 800 ليرة أي مايعادل حينها 100$ وفي حديثي تقصدت من مضاعفة سعره لخداعها وإغرائها للقبول به. كان واضحاً من تأجيل إجابتها على مقترحي، أنها لم تكن صاحبة القرار وأنما البروفيسور گريج هو من يقرر.
عدت للقسم الداخلي منتشيا وكأنما حققت نصراً، كان مجرد تأكدي وبشكل جازم أن فشلي في الأمتحان ليس بسبب ضعف معلوماتي وإنما بسبب تأخري في دفع الرشوة كافياً لي بأعادة الثقة الى نفسي وأحتقار الجامعة والشهادة التي ستمنحها لي ولعنت الساعة التي قررت فيها الدراسة في جامعة لوبلين التكنيكية!
بحكم علاقتنا الطيبة مع مديرة القسم الداخلي السيدة گراجينا ماجوخا (Grażyna Maciocha) كنت أطلعها على كل مشاكلي التي عانيتها مع گريج ومساعدته ستوجينسكا. كانت گراجينا تتعاطف معي وهي التي كانت تراقب عن كثب علاقاتي العائلية وجديتي في الدراسة وتعاملي النزيه مع جميع العاملين في القسم الداخلي، وتقارن ذلك باستهتار الطلبة البعثيين وعدم أهتمامهم بالدراسة بالرغم من حياة الترف والتبذير التي يمارسونها، وفشلهم بالدراسة وأعتمادهم في تقديم الهدايا في حل مشاكلهم. ذهبت مباشرة الى مكتب مديرة قسمنا الداخلي السيدة گراجينا وبعد أن سلمت عليها أخبرتها بتوفر الدليل القاطع بأستلام گريج وسمسارته ستوجينسكا الرشاوي. لم تهتم گراجينا لما أقول وبادرتني بالأستفسار عن أختفائي في الأسبوع الأخير، وأنه يوجد من يبحث عني لمعالجة مشكلتي ويجب عليّ مقابلته حالا ودون تأخير، ونصحتني بالذهاب بأسرع وقت لرؤية مديرة الأقسام الداخلية التابعة للجامعة التكنيكية (للأسف لم أعد أتذكر أسمها)، وأن حل مشكلتي عندها.
في اليوم الثاني ذهبت الى السيدة مديرة مجموعة الأقسام الداخلية للجامعة التكنيكية في مكتبها وأنا أحمل شريط التسجيل، رحبت بي وقدمت نفسها لي، المسؤولة الثانية في حزب العمال البولوني الموحد (الحزب الشيوعي) في الجامعة التكنيكية، وأنها سمعت بمشكلتي وتريد أن تسمعها بالتفصيل وأنهم (الحزب) سيتخذ أجراءات صارمة بحق المرتشين.
رويت لها تفاصيل مشكلتي وبتأني وحاولت قدر الأمكان أن أكون دقيقا وموضوعيا في طرحي، وعندما أذكر لها أي حدث واجهني مع گريج أو ستوجينسكا كنت أذكره كما هو بدون رتوش أو أضافات أو مبالغة ثم أضيف لها أستنتاجي وأنطباعي. سألتني: ماذا كنت ستفعل لو لم نسمع بمشكلتك ونتدخل لمعالجة هذه الفضيحة؟. أجبتها بصراحة: لم أعد مهتما بشهادة الجامعة، وأحس بالخجل والندم لأختياري جامعة لوبلين لدراسة الدكتوراة خاصة بعد أن تأكد لي حصول بعض طلبة البعثة العراقية على شهادة التخرج من خلال الرشاوي. كانت السيدة متفهمة لموقفي وكانت تعابير وجهها تدل على أقتناعها وتصديقها لما رويت. أتصلت تلفونيا بمسؤول آخر وأخبرته بوجودي في مكتبها، وبعد أن وضعت سماعة التلفون أخبرتني بأنها كانت تكلم سكرتير الحزب الأول في الجامعة وهو يطلبني لمقابلته. لم أكن مهتما بنتيجة التحقيق فربما ينقلب الموضوع ضدي وأتهم بتشويه سمعة الجامعة وأساتذتها. ولم يعد يهمني أن كان المسؤولون في الحزب أو الجامعة سيصدقون ما أرويه ويتوصلون الى نفس أستنتاجاتي أم لآ، المهم أنا مهندس وأعتز بشهادتي من جامعة وارشو ولي تجربة متواضعة ويمكنني الأكتفاء بها.
في اليوم التالي قابلت السكرتير الأول للحزب في الجامعة، وأخبرته بالتسجيل الصوتي لمقابلتي مع ستوجينسكا كدليل ورويت له كل تفاصيل المشكلة. فأجابني: نحن لنا أدلتنا ومصادر معلوماتنا ونثق بماترويه، وسوف نتخذ قراراً حاسماً بطرد ستوجنسكا من الجامعة، وسيحاسب العميد ويحال المشتركين معه للتحقيق القضائي، ولكن لايمكننا التخلي عنه الآن لحاجتنا اليه، وستعفى من الأمتحان لأن برنامجك الدراسي السابق وما حصلت عليه من درجة متفوقة في المادة لايستدعي إعادة دراستك وأمتحانك. حجز لي موعدا مع رئيس الجامعة تلفونيا وتحدث معه بأختصار، وطلب مني مراجعة رئيس الجامعة في اليوم التالي وأن أروي له بالتفصيل كل ماذكرته أمامه الآن.
في اليوم التالي وبالموعد كنت في مكتب رئيس الجامعة وطالبني برواية المشكلة منذ تقديمي للجامعة وأتصالي بالبروفيسور گريج. قررت أن أتحدث معه بطريقة مهنية بعيدا عن الأنفعالات وأن تكون أستنتاجاتي منطقية وأن أبدأ بالحديث من أضعف سياسات گريج في التعامل مع طلبته. ركزت في حديثي كيف أن العميد گريج يسمح لطلبة الصف الثاني من العراقيين فقط بالعبور الى مرحلة الصف الخامس من دون أجتياز الأمتحان بمادة تحمل المواد وهذا مستحيل في أي جامعة محترمة، وهدف العميد حسب قناعتي هو رفع مبلغ الرشوة ولايوجد تفسير آخر، لأن جميع الجامعات التي درست فيها لا تسمح للطالب المتخلف بهذه المادة العبور حتى للصف الثالث ويضطر الطالب أعادة السنة، حتى أن الجامعات ترفض منح الطالب الفاشل بهذه المادة فرصة ثالثة لأجراء الأمتحان أمام لجنة الكلية (Egzamin Komisiny)* كما في المواد الغير رئيسية. أما الأمتحان وأجراءه في الشارع فهو مهزلة ويدل أن البروفيسور گريج لآيحترم طلابه ولاجامعته ولاعلمه. وأختيار مثل هذا المكان لأمتحان طلبة جامعيين لم أصادفه في حياتي ولم أسمع أن أستاذا يمتحن طلبته في الشارع بجانب الكلية. قدمت لرئيس الجامعة أجابتي على الورق في الأمتحان الأول، وسألته عن الخطأ في أجابتي على طريقة گريج (J.G) وقلت له أين الخطأ وأنت بروفيسور بنفس الأختصاص، أنا أتقبل قرارك بالرسوب أن وجدت أي خطأ في أجابتي، لماذا يستخف گريج بطلبته ويقرر إجتيازهم الأمتحان على مزاجه. وسألته أن كان گريج نفسه يتمكن من حل سؤال المشروع بستة ساعات وليس بثلاثة ساعات فأني سأتنازل وأتقبل حكمه. لم يدخل رئيس الجامعة معي بنقاش ولم يقاطعني بل كان يستمع وأحيانا يستوضح ويدون ملاحظاته. كنت الآحظ عدم الأرتياح أحياناً من بعض أستنتاجاتي لأنها كانت تنتقص من سمعة جامعته لكنه لم يناقشني أو يعترض. كان بودي أن أسمع منه ولو أعتراضا واحداً على أستنتاجاتي، أو يناقشني في إجاباتي أو يحاول تبرير بعض تصرفات گريج. في نهاية اللقاء طلب مني الأتصال تلفونيا بسكرتيرته بعد إسبوع.
سافرت معي زوجتي الى وارشو ورويت لعميد كلية الهندسة المدنية السيد گومولسكي كل هذه الأحداث ، فطمأنني بأن لآبد أنهم سيتخذون أجراء صارم لأن ماحدث يسيء الى سمعة الجامعة. بعد إسبوع أتصلت بسكرتيرة رئيس الجامعة، فطلبت مني الأتصال بستوجينسكا وحددت لي الموعد معها، ولما حاولت أستيضاحها أجابت بأختصار: لآ أعرف شيئا وعندما تتصل بها ستعرف منها كل شيء!. لآ أخفي قلقي وشعرت وكأني عدت للمربع الأول، ولكن حسمت أمري وقررت مقابلتها ومواجهتها وليكن مايكن. ذهبت على الموعد، وعندما طرقت باب غرفتها فتحتها ودعتني للدخول والجلوس وسألتني بعتاب خليط بتوسل وأنكسار: لماذا فعلت هذا؟ وضحت لها أنها هي وگريج من أجبراني على ذلك. لم تعلق بل ذهبت الى ديلابها وأعادة لي المبلغ الذي دفعته (50$)، وأخبرتني بموعد الامتحان يوم الجمعة 11 ايلول 1987 . أحسست بأول أنتصار في معركتي مع المرتشين والفاسدين في الكلية، وأعتبرت هذا أهم من حصولي على شهادة الماجستير المرتقبة.
توجهت الى أستاذي المشرف على مشروع الماجستير الدكتور يان يارگوا (Jan Jargiełło) لأبلغه بالأنتصار الأول. أستقبلني ببروده وأبتسامته المعهودة وكأنه عارف بشيء ما يحدث في الكلية. أخبرته بتطورات المشكلة، وآخرها إعادة المبلغ وتحديد موعد للأمتحان. بدوره أخبرني أن البروفيسور گريج عقد أجتماع لجميع الأساتذة وأبلغهم بأن الشرطة بعثت عليه وأخبرته بأن معلومات وصلت اليهم عن تعاطي بعض الأساتذة الرشاوي من طلبتهم مقابل منحهم درجات نجاح، وهو بدوره يحذر الأساتذة!!!. أما زميل دراستي السابق والمعيد حاليا في الكلية آدموند تايخربر (Admond Tajchreber) هو الآخر سمع بأجراء تحقيقات عن رشاوي في الكلية، وأن من تجاسر وفضح هذا الفساد طالب أجنبي، فحدثته بالتفاصيل وأخبرته أن ستوجينسكا سوف تطرد من الكلية. هذه المعلومات التي سمعتها من أستاذي وزميلي أكدت لي جدية حزب العمال البولوني الموحد (الحزب الشيوعي) فرع الجامعة وبالتنسيق مع إدارة الجامعة في الأجراءات الأدارية والقانونية لمحاسبة المرتشين في الجامعة وفي مقدمتهم گريج ومساعدته، وأن ماعانيته من معاملة سيئة في إمتحان مادة گريج كان بسبب عدم دفعي الرشوة لا لنقص بمعلوماتي العلمية والهندسية.



*- النظام الدراسي في الجامعات البولونية يسمح للطالب بإعادة امتحانه مرتين في حالة فشله في المحاولة الأولى، وإذا فشل في المحاولة الثانية يمنح الطالب فرصة لمحاولة ثالثة ولكن أمام لجنة تشكلها العمادة ويسمى هذا الأمتحان (Egzamin Komisiny). يحصل الطالب على مثل هذه الفرصة في حالة نتائجه الجيدة بالمواد الأخرى.


السويد/كربلاء/العباسية الشرقية