الرئيسية » مقالات » توفيق رشدي..ذكراك شوكة في عيون الغدر البعثي

توفيق رشدي..ذكراك شوكة في عيون الغدر البعثي

 ليت التاريخ يستحيل نورا
يبدد غمرات الظلام
ليحمل عناكب الجهل الى بعيد

اغتالت مخابرات صدام حسين اوائل حزيران 1979 في عاصمة اليمن الديمقراطية – عدن الشخصية الاكاديمية العراقية المعروفة توفيق رشدي أمام منزله في حي المنصورة في وضح النهار،ومن مجريات محاكمة القتلة تبين ان الجناة قد استلموا التعليمات مباشرة من قيادة المخابرات في بغداد!أظهرت المحاكمة بجلاء خسة ودناءة نظام الحكم الصدامي الذي استغل الظروف الصعبة لبعض أعضاء هيئته الدبلوماسية ليزجهم في عملية الاغتيال الجبانة.كشفت المحاكمة عن دور السلك الدبلوماسي العراقي وارتباطه باجهزة الامن والمخابرات،والاغرب أن الاوامر كانت تأتيه من حارس السفارة لانه كان أعلى منهم رتبة في الاستخبارات والحزب!وبعد المحاكمة العلنية في عدن جرى تسليم المتهمين الى الحكومة العراقية،التي عرضتهم الى تعذيب وحشي في اقبية اجهزة المخابرات والامن في بغداد بسبب أعترافاتهم تلك،ثم رمت بهم عاجزين بشكل كامل عند ابواب منازلهم في أحدى الليالي،كعادة عرفت بها السلطة في تلك الايام،قبل أن تتحول هذه العادة الى وضع جثث مشوهة لاشخاص أعتقلوا سابقا من قبل الزمرة الفاشية،في أكياس بعد تصفيتهم وتركهم عند أبواب دورهم في أحسن الاحوال.اتضح من التحقيق ان البروفيسور الشهيد رفض قبل فترة من اغتياله الانصياع الى مطالب المخابرات العراقية بزج جواسيس في الحركة التحررية الكردستانية.
توفيق رشدي الابن البار لمدينة السليمانية انهى دراسته في الاتحاد السوفيتي،ونال شهادة الدكتوراه في الاقتصاد والعلوم السياسية،عمل وتزوج هناك ورزق ببنت وولد.وصل عدن اواسط السبعينات ليعمل أستاذا في جامعتها،وكان الشهيد ممثل الحزب الشيوعي العراقي في اليمن الديمقراطية.أحبه طلبته وزملائه وكل جيرانه،لتواضعه الجم،ولامكانياته العلمية وثقافته الواسعة.اغتالته المخابرات الصدامية اوائل حزيران 1979.
رافقت عملية اغتيال الاكاديمي الشهيد رشدي الاعتبارات التالية:
1. جرت عملية الاغتيال في فترة توجيه ضربات مؤذية للحزب الشيوعي العراقي ومنظماته ابان الهجوم الغادر عليه في 1977 – 1978.واجه الحزب في عامي 1977- 1978 هجوما عاما على منظماته،وتحولت المظاهر والاجراءات الارهابية التي كانت تبرز هنا وهناك وفي هذه الفترة او تلك،الى نهج ثابت ضمن مخطط متكامل للقضاء على الحزب ومنظماته،وهو غير مهيأ لمواجهة ذلك ودرئه.(وقد تبين من الوثائق الامنية التي حصل عليها الحزب بعد انتفاضة اذار 1991 ان الخطط والاجراءات الامنية والسياسية للقضاء على الحزب وضعت منذ ما قبل منتصف السبعينيات).وكانت حملة الارهاب والتضليل ضد الحزب قد تصاعدت في اعقاب اجتماع لجنته المركزية(ل.م.)في آذار 1978،الذي وجه نقدا شديدا للسلطة والحزب الحاكم.
2. جرت عملية الاغتيال على اراضي بلد عربي تتولى قيادة الحكم فيه حكومة يسارية التوجه ترتبط بوشائج طيبة مع الحزب الشيوعي العراقي الامر الذي اعتبرته انتهاكا خطيرا لسيادتها!استنفرت اليمن الديمقراطية كل قواتها،واصيب الجميع بالذهول،كانت اول جريمة من هذا النوع تقع في هذا البلد المسالم البعيد،والذي كان يعج بأعضاء من كل حركات التحرر الوطنية العربية والعالمية،مما اوجب على الحكومة أن تأخذ موقفا حازما حتى لا يفكر اي طرف آخر باللجوء الى هذا التصرف ضد الخصوم السياسيين،كما كانوا يشعرون بأهانة كبيرة وبجرح في كرامتهم.حاصرت القوات اليمنية مبنى السفارة العراقية،ولما امتنع الجناة عن الخروج من مبنى السفارة،اطلقت الدبابات النار نحو السفارة مما اضطر المطلوبون الى الخروج ورفع رايات بيضاء معلنين عن تسليم انفسهم.
3. جرت محاكمة علنية في عدن للجناة،نقلت عبر شاشات التلفاز،محاكمة حقيقية لمرتزقة السلطات الصدامية في بغداد وفضح حقيقى ومبكر لشخوصها،في وقت كان العالم بأسره يقف الى جانبها!
4. اغتيال توفيق رشدي كانت حلقة في مسلسل اعمال الاغتيال والتصفيات التي نفذتها أجهزة المخابرات العراقية للخصوم السياسيين العراقيين خارج الوطن منذ تولي البعث دفة الحكم عام 1968،الا انها استهدفت احد قادة الحزب الشيوعي العراقي للمرة الاولى!بعد هدنة سياسية قلقة استمرت بضعة سنوات.كان البعث العراقي قد قام بانقلاب 14 رمضان الاسود 1963 الذي اشر الى استحواذ الفاشية على السلطة بالتحالف العريض للقوى الطبقية المتضررة من ثورة 14 تموز – الاقطاع وكبار مالكي الاراضي والتجار الكومبرادور وبمباركة اشد القوى العشائرية والطائفية رجعية،وفتح الانقلاب الاسود الابواب مشرعة للعقلية الانقلابية المغامرة وسيادة المنهج التجريبي الموالي لمصالح المراكز الرأسمالية الدولية.وجاء انقلاب 17 تموز 1968 تتويجا لهذا التوجه الارعن لتتكرس الهيمنة الشمولية.في 8 شباط 1963 تحمل الشيوعيون القسط الاكبر من دفع ضريبة مقاومة الانقلابيين،وكان”جلال الاوقاتي”قائد القوة الجوية اول شهيد في انقلاب شباط.فتح اغتيال توفيق رشدي الابواب للنشاط المخابراتي العراقي ضد الحزب الشيوعي العراقي خارج الوطن،خاصة في بيروت وعواصم البلدان الاشتراكية التي كانت تحتفظ بعلاقات صداقة وتعاون مع مرتزقة البعث العراقي!
الأغلبية الصامتة في العراق لم تستطع إزاحة النظام الدكتاتوري على الرغم من كل التضحيات الجسام التي قدمتها على مدى أثر من أربعين عاما 1963 – 2003.ان أخطر المخاطر التي تواجه العراق الجديد اليوم هو ان يتم تجاوز كل الذي جرى بشعار(عفا الله عما سلف)،او النظر بأزدراء على تاريخ الدولة البعثية الفاشية في العراق،وان يغسل المرء يديه مما كان،بحجة ان الوضع الحالي لا يسمح بمناقشة هذه الأمور على الجبهة الثقافية والفكرية لأنها ستفتح ملفات يتجنب الكثيرون فتحها،هذا مفهوم وواضح وجلي،لكنها بالتحديد هي مهمة المثقف الحقيقي بل وهي من أهم بؤر مسؤوليته كمثقف.توفيق رشدي..ذكراك شوكة في عيون الغدر البعثي.

18/4/2008