الرئيسية » مقالات » الذكرى الخامسة لغزو العراق -الحدث…دوافع ونتائج ومواقف الخروج من المأزق الراهن

الذكرى الخامسة لغزو العراق -الحدث…دوافع ونتائج ومواقف الخروج من المأزق الراهن

يبقى موضوع غزو التحالف بقيادة الولايات المتحدة للعراق أحد أهم المواضيع المطروحة للنقاش والجدل داخلياً وخارجياً، وسيبقى كذلك لحين حلول فترة تتسم بالاستقرار والهدوء ووضوح نتائج هذا الغزو خاصة بالنسبة للعراقيين. خارجياً يبقى هذا الحدث في الوقت الراهن عرضة لتقييمات تخضع للتنافس السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، أو للخلافات الدولية على تنوع أطرافها، أو لتجاذبات أيديولوجية متناقضة. كما يبدو أنه من غير اليسير الآن على العراقيين، وفي ظل هذا الإحتقان السياسي الخطير في العراق والانقسام العميق في المجتمع وطغيان العنف وبأبشع أشكاله، إضافة إلى حملات التخوين والتكفير، أن تتم مناقشة تتسم بالدقة والموضوعية لهذا الحدث الخطير في تاريخ العراق والمنطقة والعالم عموماً. فالغزو أثار جدلاً واسعاً حول دوافعه فاق ربما ذلك الجدل الذي جرى حول الذرائع لغزو أفغانستان أو أية دولة أخرى سواء في الفترة التي طغت فيها هستيريا الحرب الباردة أو بعدها. فالحديث يدور

التاسع من نيسان 2003

هنا عن غزو بلد يُعد الثاني إن لم يكن الأول من حيث الإحتياطيات النفطية، بلد عريق في حضارته، وغني في طاقته البشرية، ويقع في القلب من منطقة الشرق الأوسط الغارق في المخاطر والنزاعات، بلد يضم فسيفساء فريد في تركيبته العرقية والدينية والمذهبية، ويشهد خلال أكثر من نصف قرن عواصف سياسية وعسف فاق ما شهدته كل دول المنطقة، بلد كان على الدوام يتأرجح في العقود الأخيرة بين نهجين متصارعين وبعنف شديد، نهج يتمسك بالإرث البالي وتقاليد القديم الكابح للتطور، وبين نهج مناقض يسعى إلى ولوج درب الحداثة والعصرنة والتقدم الذي يهز العالم الآن بسرعته وبمؤشراته الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والعلمية والتكنولوجية المذهلة.

دوافع وتحليلات ينبغي التحقق منها

قبل أن تندلع الحرب وبعدها، برزت أكوام متناقضة من التحليلات حول أهداف الحرب ودوافعها. إلاّ أن سير الأحداث لحد الآن لم تبرر الكثير من هذه التحليلات. ومع ذلك لا زال هناك متسعاًً من الوقت، كما أعتقد، كي نسمع و نرى تحليلات أقرب إلى الواقع من تلك التحليلات التي سمعناها أو شاهدناها على شاشات التلفزيون ووسائل الاعلام الأخرى. إن بعض التحليلات والمواقف المعارضة للحرب وخاصة من بعض الدول الإقليمية استهدفت أمور أخرى غير معارضة غزو الولايات المتحدة للعراق. فعلى سبيل المثال، إن حكام إيران قد التزموا الصمت إزاء غزو الولايات المتحدة وحلفائها لأفغانستان ضمن اتفاق غير معلن على تصفية حكم الطالبان المعادي لحكام إيران أيضاً، دون أن يحصلوا على إمتيازات كانوا يتوقعونها جراء هذا الاتفاق غير المعلن. كما التزم هؤلاء الحكام الصمت في البداية أزاء غزو العراق. إلا أن حكام إيران كانوا يطمحون بالحصول على دور لهم معنرف به في العراق بعد انهيار النظام، وكانوا يعتبرون أنفسهم لاعبين أساسيين في الساحة العراقية. ولما لم يجر الاعتراف بهذا الدور، أعلنوا موقفهم المعارض بشدة وساروا على طريق إرباك الوضع في العراق وتحويله إلى ساحة لعرض عضلاتهم مع غريمتهم الولايات المتحدة. كما أن موقف حكام سوريا أزاء التطورات في العراق ليس له علاقة بالشأن العراقي بقدر ما له علاقة بانفراط العقد الذي دام سنوات بين الإدارة الأمريكية والحكم في سوريا حول توزيع الأدوار في لبنان. هذا العقد الذي كان يجدد سنوياً من خلال اللقاءات الدورية في جنيف بين رؤساء البلدين. إلاّ أنه توقف بعد ما شهدته الساحة الدولية من تطورات فرضت تغييراً في الموقف وخاصة من قبل الولايات المتحدة.
لقد قيل الكثير في ندوات ومقابلات تلفزيونية ومقالات متخصصين “ستراتيجيين” عن أن هدف الحرب ما هو إلاّ مسعى من الولايات المتحدة للسيطرة على النفط ونهب ثروات العراق. ولكن لم تبرر السنوات الخمس الماضية ما رآه هؤلاء المحللون حول النوايا “النفطية” للغزاة ونهبهم لخيرات العراق. فالخزينة الوطنية العراقية التي كانت خاوية من أي إحتياطي في العملة الصعبة جراء نهب النظام السابق لثروات البلد وآخر ورقة من العملة الصعبة مع البدء بالغزو، تحتوي الآن وبعد الغزو على قرابة 22 مليار دولار من أحتياطي العملة الصعبة. وبسبب الإرتفاع في أسعار النفط الخام الذي جاء نتيجة للطلب المتزايد عليه من قبل العملاقين الجديدين الصين والهند، وتخطي روسيا مرحلة الانكفاء السابق في المجال الاقتصادي والدخول في النمو الاقتصادي السريع، توفرت الإمكانية للحكومة العراقية نتيجة الواردات المتضاعفة للنفط بتخصيص مبلغ 48 مليار دولار للميزانية الجديدة لعام 2008، إضافة إلى 10 مليار دولار لصندوق الاستثمار. وهو رقم لم تبلغه أية ميزانية من الميزانيات العراقية السابقة. ويشكل هذا الرقم دليلاً دامغاً على أن واردات النفط للعراق لم تتعرض للنهب من قبل الغزاة الأمريكان. كما إن بلداً مثل الولايات المتحدة التي يقترب ناتجها القومي الإجمالي من 14 تريليون دولار*، لا تخوض حرباً مكلفة جداً من الناحية البشرية والمادية كي تحصل على بضعة مليارات من الوارد الوطني للعراق من إنتاج النفط وتصديره.
وأكد فريق آخر على أن الهدف من الغزو هو السيطرة على منابع النفط ومصادر الطاقة وامداداتها من أجل تعزيز مواقع الولايات المتحدة في الصراع والتنافس المفترض على هذه المصادر بين الولايات المتحدة ومنافسيها القدامى والجدد وخاصة الصين والهند. إن سير الأحداث ومنذ انهيار النظام السابق يشير إلى غير ما ذهب إليه هؤلاء المحللون. فهم يتناسون أن الولايات المتحدة لها علاقات وقواعد عسكرية واقتصادية قديمة مع كل دول الخليج، وهو ما يكفيها للسيطرة والهيمنة. كما كان لها قبل غزو الكويت، أفضل العلاقات مع حكم صدام وضمن اتفاقيات سرية ساعدت صدام حسين على الصمود بوجه التهديدات الإيرانية اثناء الحرب العراقية الإيرانية. كما إن صدام حسين وفي أوج توتر علاقاته مع الولايات المتحدة بعد إنتهاء الحرب العراقية الإيرانية، كان يقدم للولايات المتحدة التنازل تلو التنازل والعروض المغرية خاصة في مجال النفط، وبضمنها بيع النفط لها بأسعار تفضيلية، كما كان يبيعه للأردن، والسماح لشركات النفط الأمريكية للعمل في العراق، من أجل الحفاظ على كرسيه من السقوط.
ولا يصمد أمام الواقع الحديث عن التنافس بين الدول الرأسمالية أو مع العمالقة الرأسماليين الجدد في الصين والهند وروسيا الاتحادية، فهو أمر قابل للتشكيك والدحض. فالجميع يرى بأم عينيه ويعيش ظاهرة العولمة، التي يتوحد فيها ويتشابك الاقتصاد العالمي، وتزال الحدود الوطنية بين الدول. فالصين لم يكن لها أن تقف على رجليها وتخرج من دائرة الفقر بدون دعم أقطاب الرأسمالية العالمية وليس التنافس معهم. وكذا الحال بالنسبة للهند، التي تتحول تدريجياً إلى مصنع تكنولوجيا المعلومات في العالم، وروسيا الاتحادية التي يزداد ناتجها الاجمالي سنوياً بمقدار 7%- 8% بعد ركود دام لعقود، مع ما رافق ذلك من تشابك الاقتصاد الروسي تدريجياً مع الاقتصاد العالمي. هذا التشابك دفع شركة تاتا العملاقة الهندية مثلاً إلى شراء فخر صناعة السيارات البريطانية “جاگوار”، في حين تقوم المراكز المالية الصينية بشراء كبرى البنوك البريطانية والأوربية أو التوظيف في المؤسسات الاقتصادية في الولايات المتحدة. وينطبق نفس الأمر على المثل الروسي الاقتصادي الناهض. ونتيجة لذلك لا يمكن للاقتصاد الأمريكي أن يتخلى عن السوق الصيني الضخم ولا عن المنتجات الصينية الرخيصة الثمن والمنتجة ببراءات اختراع غربية، والتي تغزو أسواق العالم بشكل مثير. فأي تنافس حاد بين هذه المراكز، هذا الذي يدور ويضخم في مخيلات البعض، والذي أن وجد يعرض الاقتصاد العالمي للارتباك، ويتناقض مع مقومات العولمة السائدة في العالم، رغم أننا لا يمكن أن ننفي الخلافات التي لا تصل إلى حد المواجهة وتدمير الجسور. إذن فكل عزف على نغمة التنافس والمواجهة الحادة باعتبارهما أحد دوافع الغزو الأمريكي للعراق لايصمد أمام وقائع ومجريات الاقتصاد والسياسة في عالمنا الراهن، والتي تقوم في الغالب على مبدأ المشاركة أساساً وليس التنافس الحاد والمواجهة. إن أي تفسير خارج ذلك هو ضرب من موروث لذهنيات سابقة من أيام الحرب الباردة، أو المواجهات بين مراكز الرأسمالية المتعددة المتنافسة في العالم في السابق، أو لمظاهر وتصورات لم تعد المؤشر الأساسي في العالم.
كما لم تصمد أيضاً افكار عديدة حول أهداف الغزو من قبل محللين عرب وأجانب. فكل حديث عن أن الغزو يشكل جزءاً من مخطط “المحافظين الجدد” للتوسع وبناء شرق أوسط جديد لايصمد أمام الوقائع. فأطروحة الشرق الأوسط الجديد بقيت في أدراج منظريها ولم تر النور فقد تجاوزتها الأحداث. كما أن مخطط غزو العراق وضع من قبل الادارة الديمقراطية في عهد كلينتون وقبل استلام الجمهوريين( المحافظون الجدد) زمام الأمور في البيت الأبيض. فالرئيس السابق كلينتون كان يقصف العراق بشدة خلال رئاسته للبلاد حتى لأتفه الأسباب كاتهام النظام السابق بمحاولة اغتيال الرئيس السابق بوش الأب في الكويت. وكانت الادارة الامريكية قد وضعت اقليم كردستان تحت حمايتها من طيش صدام حسين، كما وضعت ثلثي الأراضي العراقية تحت مظلة الغطاء الجوي العسكري الأمريكي. كما فرضت ذلك الحصار الذي زاد الطين بلة على تعاسة العراقيين بعد الدمار الذي أحدثه النظام السابق. كما لا تصمد أيضاً طروحات متطرفين اسلاميين وقوميين متطرفين وادعياء وطنية من المتمسكين بطروحات عفى عليها الزمن. فالقول أن هدف الغزو هو محاربة المقدسات والدين الإسلامي وإلغاء عروبة العراق وتغيير في موقف العراقيين من قضية الشعب الفلسطيني لدعم المتطرفين الإسرائيليين، أو هو جزء من صراع الحضارات وغزو صليبي، يفنده دعم الولايات المتحدة خلال سنوات النظام القومي العروبي لصدام حسين، إضافة لدعمها التطرف الديني في العالم الإسلامي لمحاربة “أعداء الدين في أفغانستان”، إلى أن فرط عقد التحالف معهم. كما أن التحول في العراق بعد نيسان عام 2003 مكّن التيارات الإسلامية، وما أكثر ألوانها، إلى المزيد من النشاط العبثي أحياناً، وإلى تعليق تصاوير رجال الدين على انقاض الآلاف من تصاوير الرئيس السابق المخلوع وتنظيم “المظاهرات المليونية”. كما احتكرت التيارات الدينية السياسية، في ظل الغزو، المطابع ودور النشر لصالح الترويج لأفكارها الدينية وبدون أي رقيب أو حسيب أو حظر. وأفرزت الانتخابات في العراق نتائج لصالح التيارات الدينية المتناقضة والمتصارعة، ولم يلق كل ذلك أية ردود سلبية أو قمع من قبل الولايات المتحدة، بما يعني تفنيداً لدعاوى محاربة الدين من قبل “الكفار” الجدد. كما أعطى التحول الفرصة لتبوء ممثلي التيار القومي العربي، وبمن فيه بعثيون، مواقع لهم داخل مجلس النواب العراقي.

حقائق ينبغي التوقف عندها

ولابد لنا أن نقف أمام عدد من الحقائق المتعلقة بالواقع السياسي العراقي، والذي يرتبط بشكل مباشر بالغزو، والذي مهّد لما جرى في التاسع من نيسان 2003، وما تبعه من تغيير جذري في البناء السياسي بعد انهيار أعتى ديكتاتورية شهدها العراق، بل والمنطقة عموماً. إلى جانب تأثير هذا التغيير على النظام العربي الاستبدادي الفاسد المأزوم. وهنا يمكن الإشارة إلى عدد من الحقائق:
أولاً: إن العراق في ظل حكم صدام حسين وحزب البعث، وخلال العقود الثلاثة الماضية، تحول إلى دولة معتدية بالعرف الدولي، حيث قامت بغزو دولتين جارتين وبدون أي مبرر حقوقي دولي. وألحق العدوانان اللذان داما أكثر من عقد من الزمن تدميراً واسعاً في البنية التحتية للعراق وجارتيه، إضافة إلى الضحايا البشرية الهائلة. كما يضاف إلى ذلك ما تركه العدوان من خلل ووقائع سياسية واجتماعية واقتصادية ونفسية خطيرة على المنطقة وعلى العراق نفسه. وتبعاً لذلك اتُخذت قرارات خطيرة بحق الدولة العراقية من قبل أعلى الهيئات الدولية وهي هيئة الأمم المتحدة. ووقع العراق تحت طائلة البند السابع، مما فسح المجال لأن تفرض دول ذات نفوذ وبشكل منفرد المزيد من العقوبات ضد العراق حتى خارج قرارات المنظمة الدولية. إذن أصبح بلدنا، وبسبب حماقات حكامه وطيشهم، دولة عدوانية بالعرف الحقوقي الدولي وضعيفة ولاتلقى أي تعاطف معها لا في الداخل ولا في الخارج، مما عرّضها إلى إجراءات عقابية لا تفرق بين الحاكم المسبب لكل هذه المآزق وبين معارضيه والشعب الذي كان وما يزال الضحية الأولى لبطش وطيش حكامه السابقين ومغامراتهم الدموية، والتخريب الإضافي لفلوله بعد سقوطه. هذه الإجراءات الدولية العقابية القاسية طالت البلاد كلها تماماً على غرار ما تعرض له الشعب الألماني والإيطالي والياباني بعد الحرب العالمية الثانية لعواقب ومحن جراء عدوان وتطرف حكام هذه البلدان، التي تعرضت في النهاية إلى الاحتلال مع هزيمة هؤلاء الحكام. فقد فرض على هذه الشعوب بعد أن انهار حكامها على تقديم تعويضات هائلة مقابل جرائم ارتكبها الحكام المنهارون دون أن يكون لدى هذه الشعوب رأي فيما حدث أو اتخذوا قراراً به. ويتكرر نفس المثل عندما دفع العراقيون مبالغ طائلة إلى الدول التي تضررت من حرب الخليج، وبما فيها إسرائيل، بسبب من طيش صدام حسين وقيامه بغزو الكويت. فالمجتمع الدولي لايفرق هنا بين الحاكم وبين الشعب، وهو ما ينبغي أن نفهمه نحن العراقيون.
ثانياً: التعويل على العامل الخارجي. لو قلبنا صفحات تاريخ العراق القريب لوجدنا أن العامل الخارجي كان ينمو بإضطراد ويفرض نفسه على تطورات الأوضاع الداخلية للعراق. فاذا ما استثنينا فترة بضع شهور بعيد ثورة 14 تموز عام 1958، حيث تضاءل اعتماد الحكم على العامل الخارجي، فإن كل السنوات السابقة واللاحقة لهذا الحدث تميزت بتعاظم التدخل الخارجي الإقليمي أو الدول الأخرى وخاصة الكبرى في الشؤون الداخلية لبلدنا بسبب تعويل الحكام على هذا العامل. ويعود السبب في ذلك إلى عدم انتهاج النخب السياسية العراقية حاكمة أم محكومة لغة الحوار فيما بينها من أجل التوصل الى الصيغ المناسبة للمشاركة في بناء البلد ودرء النفوذ والتدخل الخارجي. فقد اعتمدت غالبية النخب السياسية، وتحديداً الحاكمة منها، نهج الاقصاء في التعامل فيما بينها بدلاً من ثقافة الحوار البناء لمصلحة البلاد. كما أن النخب السياسية الحاكمة المتلاحقة كانت على الدوام تسد كل الطرق للحوار مع الشعب والمعارضة مما أدى في فترات عديدة من تاريخنا الحديث الى التوسل بالعامل الخارجي من قبل الحكام للخروج من مأزقهم، أو دفع المعارضين تبعاً لذلك إلى الاستقواء بأطراف خارجية أخرى من أجل حل مشاكلهم مع الحكام.
ويمكن الإشارة إلى العديد من الأمثلة التي تؤكد ذلك. ففي طوال فترة العهد الملكي تقريباً، كان توّجه النخبة الحاكمة قائم على الاستئثار بالسلطة وتزوير الانتخابات وعدم احترام الدستور وازدراء رأي الشعب واقصاء كل من يخالفها في الرأي إلى حد نصب المشانق لحملة الرأي الآخر. ولعل مثل اعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي في عام 1949 وبدون أدنى مبرر يمثل سابقة خطيرة لحكام العراق، وخاصة مجموعة عبدالاله – نوري السعيد المتسلطة، وضد حزب يعلن صراحة احترامه للدستور العراقي، ويطالب بتنفيذ بنوده الخاصة بالحقوق الديمقراطية المنصوصة عليها في الدستور العراقي. ولم يلجأ هذا الحزب الى الانقلابات العسكرية ولا المؤآمرات ولا الاستعانة بقوى خارجية، بل كان يطرح أفكاره ومقترحاته لمعالجة مشاكل البلاد بشكل صريح ويناضل من أجل تحقيقها بالطرق السلمية، ويكاد يكون الحزب الوحيد الذي لم يتخل طوال مسيرته عن الدعوة إلى اقامة جبهة أو ائتلاف مع القوى السياسية الأخرى، ويعلن كل ذلك على صفحات جرائده وبياناته السرية. إن إصرار النخبة المتنفذة في العهد الملكي على اقصاء من يخالفها، دفع بعض المعارضين إلى الإستقواء بقوى خارجية من أجل فرض نمطها من التغيير. وهذا ما حدث في حركة مايس عام 1941، عندما لجأ اقطاب الحركة وبتشجيع من مفتي فلسطين أمين الحسيني إلى مد الجسور مع ألمانيا النازية لإحداث تغيير سياسي في البلاد، والذي فشل أما بسبب تدخل خارجي، أي القوات البريطانية، أو بسبب عدم تنفيذ العامل الخارجي الآخر، أي ألمانيا النازية، لوعوده في دعم حركة مايس.
ولعل الفترة التي اقترنت بممارسات حزب البعث في العراق شاهد آخر على تعاظم دور العامل الخارجي في بلادنا. كان بإمكان حزب البعث بعد ثورة تموز عام 1958، وبعد أن شارك في الوزارة التي تشكلت، أن يسعى لتطبيق برامجه بأسلوب بعيد عن الفرض وأقصاء من يخالفه في الرأي، وكان ذلك خير خدمة للديمقراطية التي حُرم منها الشعب والحركات السياسية في العهد الملكي. ولكن لجأ حزب البعث وحلفاؤه إلى أسلوب الأقصاء والاعتماد على العامل العربي والأقليمي وحتى الدولي، كالولايات المتحدة، من أجل فرض إرادته على الآخرين. وعمل لتحقيق ذلك عبر تنفيذ عدد من الانقلابات العسكرية التي توّجها بأبشع انقلاب دموي حدث في العراق وهو انقلاب شباط عام 1963. وبعد تسلق البعث للسلطة من جديد في عام 1968 عبر انقلاب عسكري وبدعم خارجي أيضاً، لجأ في سنوات لاحقة إلى تكريس العامل الخارجي وعلى نطاق واسع. فلم يلجأ الحكم إلى حل مشاكله مع الشعب والقوى السياسية الأخرى وخاصة الحركة القومية الكردية إلى لغة الحوار والتخلي عن عقلية الأقصاء، بل فضّل اللجوء إلى حل المشكلة عن طريق صفقة مع شاه إيران وبرعاية من الولايات المتحدة بدلاً من حوار داخلي، مما أدى إلى انهيار الحركة المسلحة في كردستان العراق في اللحظة التي تم فيها التوقيع على اتفاقية الجزائر عام 1975، وذلك بسبب ارتهان الحركة القومية الكردية المسلحة من طرفها كلياً لإيران وحلفائها على النطاق الدولي في تلك الفترة العصيبة. كما لم يلجأ إلى حل المشاكل مع الحزب الشيوعي إبان الجبهة، بل عمد إلى مد الجسور مع السعودية ومع الولايات المتحدة وإعدام الشيوعيين كعربون للعلاقة مع هذه الأطراف. وبعد تورّط الحكم في شن الحرب على الجارة إيران في عام 1980، تعاظم التدخل الخارجي في الشأن العراقي حيث تلقى الحكم دعماً مالياً وعسكرياً من دول عربية عديدة لتغطية نفقات حرب ضروس مدمرة ، أضافة إلى دعم لوجستي ومعلوماتي من قبل الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ودول غربية أخرى بعد أن تعرّض الحكم إلى خطر الانهيار الحقيقي.
وهكذا أصبح الحكم مرتهناً ومقيداً للعامل الخارجي، حيث أنه ما أن بادر إلى التلويح بنبرة “الاستقلالية” و “العنتريات” في تصرفاته، وشن مغامرته ضد الكويت حتى أعتبر النظام “مرتداً” ينبغي فرض “القصاص” عليه من قبل من أحتضنوه دولياً في السنوات السابقة. أن النتائج الكارثية لمغامرات النظام وضعت العراق عملياً في أطار من القيود الدولية خاصة بعد أن اتخذت قرارات قاسية بحق البلاد من قبل أعلى هيئة دولية. هذا الأمر فرض على العراق حالة لا يمكن فيها إحداث أي تغيير في البلاد من دون أن يؤخذ بنظر الإعتبار العامل الخارجي، خاصة في ظل اصرار الحكم على سياسته السابقة في تجاهل الإرادة الشعبية وإقصاء كل من يخالفه في الرأي داخل العراق واتهامه بالعمالة والخيانة، مما حرم حتى النظام من أية فرصة للمناورة مهما كانت ضئيلة، للحد من التدخل الاقليمي والخارجي في الشؤون العراقية. وتكرّس العامل الخارجي بشكل رسمي دولي بعد غزو الكويت. فقد وُضع العراق تحت طائلة البند السابع الخاص بجواز استخدام القوة ضده في حالة امتناعه عن تنفيذ قرارات الأمم المتحدة حسب قرار مجلس الأمن المرقم 678 والمؤرخ في 29 تشرين الثاني 1990، والذي مازال مفعوله سارياً حتى الآن وحتى بعد زوال النظام السابق.
ثالثاً: كان للقسوة المفرطة للحكم ضد الشعب عموماً وضد جميع القوى السياسية بدون استثناء، وحتى تلك القوى المعتدلة الموجودة داخل حزب البعث نفسه، أثراً سلبياً على القيم السياسية التي اعتاد عليها العراقيون لسنوات طويلة في تاريخهم الحديث. فحكم البعث تميز بتحوله إلى حزب فاشي كامل العيار سواء في مواقفه الداخلية أو الإقليمية والدولية. فلم تعد الفاشية العراقية تحاور العراقيين إلاّ “بالثاليوم” و “الأسلحة الكيمياوية” و “القبور الجماعية” وفي “أقبية المخابرات والأمن الرهيبة”. وتحول هذا



أبو تحسين لسان حال العراقيين في اللحظات الأولى من انهيار حكم القهر والظلام

النمط المدمر من سلوك الأقصاء والسحق إلى ممارسة سلبية طالت حتى سلوك من عارض النظام أيضاً. وهو ما يمكن أن نلاحظه في عدم قدرة غالبية الحركات السياسية على إيجاد لغة مشتركة لانقاذ البلاد من دوامة القتل والتدمير حالياً، وتلجأ أحياناً إلى الحوار بلغة البنادق حتى في ظروف نضالها ضد الحكم. كما أن تحويل الدولة إلى دولة فاشية لحزب، أي البعث، وشخصنة الدولة وتحويلها إلى”عراق صدام” وليس عراق العراقيين، وتمزيق النسيج العراقي وتحويله إلى كيانات عرقية وطائفية وعشائرية مشتتة، هزّ بشكل عميق أسس قيم المواطنة العراقية ومفهوم الوطنية والمواطنة وحب الوطن. وهذا ما ألحق ضرراً فظيعاً بالمجتمع وقيمه وثقافته وقدرته على إحداث تغيير في البنية السياسية الفاشية. وهي سمة من سمات كل الأنظمة الفاشية والإستبداية في العالم شرقها وغربها عندما تغلق الأبواب أمام الشعب سبل التغيير.
وبذلك يبقى خيار العامل الخارجي هو المطروح من أجل إحداث هذا التغيير، والأمثلة كثيرة في عالمنا المعاصر. ومازالت تأثيرات الحكم السابق المدمرة قائمة وتنخر في المجتمع لحد الآن. لقد أصبحت مغادرة الوطن وخاصة من قبل تلك القوى الحية في المجتمع وبكثافة ولأول مرة ظاهرة جديدة بارزة في حياة العراقيين. وقامت غالبية الحركات السياسية بعد أن أنهكها القمع الفريد والبطش والقسوة بالبحث عن كل السبل للتخفيف من صعوباتها ومآزقها باللجوء إلى العامل الخارجي بدون أن تتردد في ذلك، رغم قناعتها بخطأ ذلك، تطبيقاً لمبدأ القبول بأهون الشرّين. فكان من النادر أن ينعقد اجتماع للمعارضة العراقية بدون وصايات إقليمية ودولية وتدخل فض في شؤونها. وقد وصل الأمر ببعض الحركات السياسية أن تتوجه لتشكيل قوى مسلحة بدعم خارجي، أو حتى الالتحاق بجيوش أجنبية في مسعى للإطاحة بالحكم المنبوذ، كما حصل أثناء الحرب العراقية- الإيرانية وقيام بعض العراقيين بتشكيل “فيالق” تأتمر بالجهات العسكرية والأمنية الإيرانية.

تراجع إمكانيات التغيير داخلياً، وتصاعد دور العامل الخارجي في التغيير

إن الطبيعة المفرطة في المركزية لحزب البعث وفكره القومي المتطرف الاستعلائي منع أي تغيير وتعديل في داخل الحزب والسلطة من قبل شخوص معتدلة في هذا الحزب، خاصة في الفترة التي أعقبت انقلاب تموز عام 1968 وعودة البعث الى السلطة بعد انقلابه الاسود في شباط عام 1963. لقد نصب صدام حسين المجازر الدموية المدانة لثلث قيادة الحزب بُعيد فرض نفسه رئيساً للجمهورية في عام 1979. لقد شعر بعض القياديين في حزب البعث أن تسلط صدام سيجلب الكارثة لهم وللبلد كله، وحاولوا احداث تغيير مهما كان بسيطاً لدرء الكارثة وفي إطار حزب البعث نفسه أو مؤسساته. ولكن النتيجة كانت كارثية حتى لمن كان يفكر حتى مع نفسه في هذا التغيير. وفشلت القوات المسلحة في كل مبادراتها لاحداث تغيير ولو فوقي في قمة السلطة، بعد ادراك ضباط القوات المسلحة خطر تحويل الجيش إلى اداة بيد فرد مهووس يزج الجيش في مغامرات غير محسوبة وعواقب خطيرة. ولم تستطع قوى سياسية عراقية أن تُحدث أي تغيير في نهج الحكم عن طريق الحوار معه بسبب قناعة هذا الحكم بأنه جاء ليتحكم وإلى الأبد بالسلطة، ولايقبل بمشاركة أحد في إدارة البلاد. وهكذا انهار عقد اتفاقية آذار بين الحركة القومية الكردية وحكم البعث في عام 1970، ولاقت نفس المصير الجبهة التي عقدها الحزب الشيوعي العراقي مع حزب البعث وبشكل مأساوي. وينطبق نفس الأمر على الحركات القومية العربية في العراق التي نالها ما نالها من البطش والتذويب.
وإزاء ذلك لجأت بعض قوى المعارضة نحو تبني الكفاح المسلح. ولكنها لم تستطع أن تحدث نجاح يذكر في تغيير الحكم عن طريق اللجوء إلى هذا الاسلوب من النضال. فالحركة القومية الكردية والحزب الشيوعي العراقي وحركات دينية أخرى رفعت السلاح ولكن لم يكن بإمكانها أحداث التغيير بهذا الإسلوب. فالتناسب في القوى العسكرية والتوازنات الاقليمية والدولية لم يكن لصالح هذا الاسلوب من التغيير، رغم ما كان له من أثر إيجابي في حدود الجانب المعنوي وليس في الجانب العملي، وفي التعبير عن صرخة الاحتجاج على ظلم هذا النظام. كما فشلت في إحداث التغيير أكبر وأخطر الحركات الاحتجاجية في تاريخ النظام، والتي تجلت في انتفاضة آذار عام 1991 في غالبية المحافظات العراقية، وبعد مأزق النظام وفشله في عدوانه على الكويت.
عندها تصاعدت وبعناوين مختلفة، وتراكمت عناصر اللجوء إلى العامل الخارجي لإحداث التغيير، سواء في الأوساط الشعبية أو حتى في نطاق الحركات السياسية المعارضة ومن داخل النظام، والسعي استغلال العامل الخارجي الذي كان يدعم صدام حسين سابقاً والمعارض له حالياً. كما أعلن عن ضرورات التغيير من جانب أطراف عربية وإقليمية وعالمية، بما في ذلك الحديث عن العامل الخارجي في إحداث التغيير بعد أن سدت كل أبواب التغيير من قبل العامل الداخلي وحتى العربي. إن كل حديث عن العامل الداخلي العراقي في التغيير في ذلك الوقت لم يخرج عن إطار أمنيات وتصورات غير قابلة التحقيق، ومحاولة للظهور بمظهر المدافعين عن السيادة الوطنية مقابل الطروحات الخارجية في وقت ينحدر الوطن وبسرعة نحو الهاوية. فالبلاد دخلت في نفق مظلم من التهري والتعاسة والحرمان والبطش واللاقانون والفساد. ولهذا السبب استبشر العراقيون في محافظات الإقليم بغالبيتهم الساحقة بالحماية التي وفرّتها القوات الأمريكية لهم بعد فشل انتفاضة آذار، والتي أسفرت عن انسحاب القوات الحكومية من تلك المناطق، وترك أمر إدارتها للأحزاب القومية الكردية. وطالب المواطنون العراقيون، قبل الحركات السياسية، بفرض نفس الإسلوب على مناطق الوسط والجنوب لتفادي سطوة الحكم وبطشه، والذي تكلل بفرض غطاء جوي على تلك المناطق بعد القمع الشرس لأهلها خلال انتفاضة ربيع عام 1991. وقتها وُجهت انتقادات حادة واسعة على نطاق الشارع وعلى نطاق القوى السياسية العراقية الى الولايات المتحدة وحلفائها بسبب عدم تقدمها بعد تحرير الكويت نحو بغداد وإسقاط الحكم المرفوض شعبياً. فقد توقفت هذه القوات عند مشارف المدن ولم تقدم العون للقوى المنتفضة في المحافظات. كل ذلك يشكّل مؤشراً شعبياً واسعاً على التعويل على العامل الخارجي والقبول بحسناته وسيئاته في إحداث التغيير. هذا القبول رافقه تغيير أيضاً في خطاب الكثير من القوى السياسية حول إمكانية استثمار هذا العامل الدولي لصالح التغيير بعد أن كان هذا العامل أحد عوامل استقرار الحكم البعث في سنوات سابقة.
ولم يقتصر هذا التغيير على الشارع، بل أيضاً على المؤسسة العسكرية العراقية الرسمية. فقد بادر كبار ضباط الجيش والمؤسسة العسكرية والأمنية، وبما فيها الحرس الجمهوري والخاص، بعد الهزيمة في الكويت، إلى مد الجسور مع حركة المعارضة العراقية سواء في إقليم كردستان وخارجه، إضافة إلى مد الجسور مع العامل الخارجي وتحديداً الولايات المتحدة وحلفائها ودول عربية كانت قريبة إلى النظام في وقت سابق. وبلغ الأمر حدوداً لم يشهدها تاريخ العراق، عندما بادرت قيادات مقربة من النظام ومن العائلة الحاكمة نفسها(حادثة حسين كامل) إلى مد الجسور مع قوى عربية وإقليمية وتزويدها بكل أسرار النظام وخاصة في ميدان التسليح بأسلحة الدمار الشامل، وإلى إفشاء أسرار التخريب والاندساس ضد حركات المعارضة وفضح قوائم المندسين في الأحزاب السياسية المعارضة، وذلك من أجل إسقاط النظام. وقد تجلى خيار التعويل على العامل الخارجي بشكل واضح عند شروع الولايات المتحدة وحلفائها بعملية الغزو في عام 2003 دون مقاومة جدية من قبل الحكم. لقد انهار النظام وسقط خلال أيام معدودات حتى قبل أن تطأ القوات الغازية بقدمها أرض العاصمة العراقية. فالشعب لم يكن مستعداً للدفاع عن النظام بسبب عزلته الخطيرة، في حين تعاون ضباط كبار من ذوي المناصب الحساسة وبأشكال مختلفة مع القوى الخارجية عربية أو غير عربية لإنجاح عملية إسقاط النظام. فلو كان الشعب والقوات المسلحة مقتنعة بعدالة مقاوتهم للغزاة لما استطاعت القوات الأمريكية وحليفاتها أن تنجز عملياتها في اسقاط الحكم خلال أيام معدودة، بل لكانت ستشهد مقاومة ضارية من إقليم كردستان وحتى الفاو، مما قد يعرقل أو يؤخر مساعيها في اسقاط الحكم واحتلال البلاد بالصورة الدرامية السريعة التي حدثت. لقد شهدنا العكس حيث خرج العراقيون لا لمقاومة الغزاة، بل لتحطيم نصب وتصاوير وتماثيل لصدام التي زرعت بالآلاف في سائر أنحاء العراق، وسط ترحيب وموجة فرح عارمة للشعب العراقي، مع اسثناءات محدودة متوقعة.
كما لم يكن بالإمكان أن ينجح هذا الغزو بدون تغطية وموافقة عربية عليه وخاصة من قبل الدول العربية الرئيسية، التي قدمت قواعدها وأراضيها وامكانياتها لإنجاز هذه المهمة بنجاح. فالموقف العربي من النظام العراقي السابق تغير جذرياً بعد غزو الكويت. ففي الوقت الذي وقفت جميع الدول العربية إلى جانب صدام حسين في مغامرته الإيرانية، وقدمت له المساعدات الضخمة المالية والعسكرية عن رضا أو من باب الابتزاز أو حتى شارك بعضها بقوات رمزية، أو حتى من أطلف الصواريخ على الجانب الإيراني بشكل استعراضي كما كان يفعل المرحوم الملك حسين عند كل زيارة له للعراق، فإن هذا الموقف تغيّر جذرياً عندما أرسلت غالبية الدول العربية، ومنها سوريا، قواتها لتحرير الكويت إلى جانب القوات الأمريكية والحليفة في خطوة فريدة مهدت عملياً لارتهان العراق للعامل الخارجي كلياً، كما مهدت عملياً للغزو في 9 نيسان عام 2003.

نتائج السنوات الخمس من الغزو

أفرز الغزو نتائج متناقضة تتراوح بين الإيجابية والسلبية وسط خلط في الأوراق من قبل أطراف متعددة ولدوافع متعددة. فقد حقق الغزو ما يلي:
-إسقاط نظام فريد في جبروته وفساده، نظام كان يقف حجر عثرة أمام أي خروج للبلاد من ركودها الخطير، نظام وحشي لايتعامل مع شعبه إلاّ بأسلحة الدمار الشامل، نظام أصبح رمزاً للعدوان والوحشية والتجبر وعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط الملتهبة.
-أزاح الغزو الغطاء عن عيوب خطيرة في المجتمع العراقي، لم يكن يتصورها ويصدقها أحد بمن فيهم العراقيون. وتراوحت هذه العيوب بين أمراض مستعصية اجتماعية واقتصادية وبين أزمات فكرية وروحية خطيرة جراء ممارسات النظام السابق، ولم يكن بالامكان علاجها إلا بعملية استئصال قيصرية. إن رفع هذا الغطاء بحد ذاته لابد وأن يشكل بداية، مهما كانت قاسية وبمخاضها العسير، لمعالجة أمراض البلاد والمجتمع العراقي. إن إنهيار نظام ثقافة الاستبداد والابادة الجماعية والعنف والتمييز والتطهير الطائفي والعرقي وازدراء الشعب والقانون والعداء للديمقراطية، ونشر الفوضى وتخريب الاقتصاد وجر الشعب إلى هاوية الفاقة والفقر والحروب، وتدمير الهوية الوطنية التي أصبحت سمة من سمات فرضها النظام السابق على المجتمع العراقي، لابد أن تفتح الطريق أمام العراقيين كي يشرعوا بإرساء ثقافة معاكسة تقوم على ثقافة البناء والسلام ورفاهية أبناء الرافدين وتمتعهم بكل ما هو خير في التقاليد البشرية.
– مهد الغزو لفك العزلة عن العراق بعد أن أصبحت البلاد منزوية ومعزولة إقليمياً وعربياً، وبعد أن عرّضها سلوك الحاكم السابق إلى عقوبات وقرارات لم تتخذ بحق أية دولة منذ تشكيل هيئة الأمم المتحدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
– كما لعب الغزو دوراً مؤثراً في الشروع بتحرير البلاد من أعباء وديون مالية تقدر بأكثر من 140 مليار دولار، ناهيك عن التعويضات الكبيرة جراء حروب النظام، والتي كان على العراق أن يسددها في ظل بقاء النظام السايق.
-هدم الغزو منظومة التمييز والظلم القومي والطائفي الذي أصبح نهجاً ثابتاً طوال عمر الدولة العراقية تقريباً، والذي تفاقم إلى حد خطير في ظل حكم البعث.
– بدء مرحلة جديدة لانتشال العراقيين من هاوية الفقر التي طالت الغالبية الساحقة من العراقيين، حيث اضطر استاذ الجامعة والضابط في الجيش وحملة الشهادات وغيرهم إلى امتهان مهنة سائق الأجرة أو بيع الخضار وعرض الممتلكات الشخصية لسد رمق عائلته. فمنذ اللحظات الأولى لسقوط النظام لوحظ بدء تحسن ملحوظ في مداخيل فئات متزايدة من شرائح المجتمع، وبداية إعادة إنتعاش الفئات المتوسطة والطبقة العاملة والفلاحين والقوى المرتبطة مباشرة بالانتاج المادي بعد أن نالها الدمار في العهد السابق الذي طغت فيه الفئات الطفيلية. وهكذا أرتفع حجم الناتج القومي الإجمالي في عام 2007 إلى قرابة 100 مليارد دولار، ومعدل دخل الفرد السنوي في نفس العام قرابة 3,600 دلار بعد أن كان قبل الحرب لايزيد على 500 دولار. ومع الشروع البطئ بإحياء المصانع وميادين الانتاج المادي سيجري بالضرورة معالجة ظاهرة خطيرة في المجتمع ألا وهي ظاهرة الفئات الهامشية أو ما يطلق عليها أسم “البروليتاريا الرثة” أو “الحواسم” بالإصطلاح العراقي، والتي طغت في المجتمع واستفحل دورها السلبي التشويهي الفوضوي، دون أن يعني ذلك إمكان معالجة كل تركة البؤس والفاقة التي طغت على البلاد في ظل نظام الحروب والفساد والنهب بضربة عصى سحرية وبسرعة. فهذه المعالجة تجري ببطأ وتعثر لأسباب معروفة للمواطن العراقي، علاوة على كونها تحتاج إلى وقت.
– مهد الغزو لمرحلة جديدة في حياة الدولة العراقية تتمثل في تصفية “دولة صدام” و “دولة العائلة والعشيرة” أي دولة اللاقانون، وتصفية كل آثارها وقوانينها وثقافة الاستبداد ومصادرة الحريات وسطوة الرأي والحزب الواحد على كل ميادين الحياة، والتي رافقت تكريس تلك الدولة الهشة. وشرع العراقيون بإلتقاط أولى أنفاس التعبير الحر، ويشهدون تبادل الرأي ويتعلمون الدروس في الديمقراطية رغم أجواء الفوضى المتوقعة التي ترافق مثل هذه التحولات السياسية الدرامية. فلأول مرة يشهد العراقيون صحف الرأي المختلفة، ويطلعون على مايجري في العالم من تحولات عبر أجهزة الاتصالات الحديثة، بعد أن كانوا حبيسو سجن فكر البعث وممارساته القمعية في السياسة والفكر. هذا التحول الكبير، رغم الضبابية والقسوة التي تعتريه، سيكون له آثاراً إيجابية كبرى لاحقاً على مستوى الأداء الابداعي والثقافي والسياسي والبناء وكل أوجه النشاط الانساني في العراق.
– كما أتاح الغزو أولى ممارسات الديمقراطية، على الرغم مما رافقها من إشكاليات وانتهاكات وتهديد بالسلاح وحتى تزوير وعدم اختيار الكفوء والمناسب لشغل مناصب المسؤولية في مجلس النواب أو مجالس المحافظات والإقليم. هذه الممارسة الديمقراطية الابتدائية هي الأولى في حياة العراقيين، ولابد أنها ستتحرر من الشوائب عندما يزداد الوعي لدى الناخب العراقي بإهمية اختيار من هو آهل للمناصب والمسؤوليات. لقد نجم عن هذه الممارسة الديمقراطية تشريع أول دستور صوّت عليه الشعب العراقي بإرادته، رغم ما شاب هذا الدستور من نواقص والعجلة التي رافقت تدوينه والموافقة عليه. ولكن تبقى مجمل هذه الممارسة الديمقراطية تشكل أساساً لتطوير مجمل العملية الديمقراطية في العراق بإتجاه اتقانها وتشذيبها من المآخذ عليها.
– ولابد أن يوفر هذا التحول الدرامي الإمكانية بعد زوال الكابوس للنهوض بالثقافة والمؤسسة الثقافية التي كان لها نصيباً وافراً من التشويه وملاحقة المبدعين وتسخير بعضهم لمآرب النظام. وبالفعل وعلى الرغم من تصدي قوى الظلام والرجعية لمواجهة كل تحرك ثقافي وإطلاق طاقات المبدعين بعد زوال كيان الظلامية، إلا أنه من الملاحظ أن المثقفين شرعوا باقتحام وبإصرار فريد كل زوايا المجتمع وكل فروع الثقافة وفي ظروف بالغة الصعوبة كي ينيروا شعلة التنوير والنور والإبداع في المجتمع. هذا النور الذي لا يمكن بدونه الحديث عن توازن واستقرار إجتماعي.
– ومن الآثار الهامة لهذا الغزو هو أثره على النظام الراكد والاستبدادي القائم في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط عموماً. لقد أدى انهيار الأنظمة الشمولية في العالم في العقدين الأخيرين من القرن الماضي إلى موجة ديمقراطية هي الثالثة من نوعها في القرن المنصرم بعد الموجتين التي أعقبت الحربين العالميتين الأولى والثانية. وأدت هذا الموجة إلى تصفية كل الأنظمة الاستبدادية في أوربا وأمريكا اللاتينية وشرق آسيا، دون أن تؤدي إلى زحزحة أنظمة الركود والاستبداد المعادية للديمقراطية في العالم العربي وبلدان الشرق الأوسط عموماً. فسقوط نظام طالبان في افغانستان وما لحقه من سقوط نظام البعث في العراق، هزّ الكيانات الاستبدادية والشمولية والنظم البالية على الصعيدين الرسمي والمجتمعي، بحيث بدأت كل الأنظمة بالشروع بحملة لترقيع أنظمتها وحركاتها بوصفات مؤقتة كي تتفادى أية ضغوط جدية مطالبة بالتغيير الجذري.
لقد كان الغزو إيذاناً بتغيير جذري في مواقف الدول الكبرى التي كانت تدعم إبان الحرب الباردة الأنظمة الاستبدادية والمعادية للديمقراطية تارة بدعوى الدفاع عن التراث والدين ومكافحة الكفر والإلحاد والشيوعية، أو تارة أخرى تحت يافطة العداء للأمبريالية والنفوذ الأجنبي. ولهذا السبب أدى الغزو إلى ردود فعل شرسة ودموية من قبل الأنظمة العربية والشرق أوسطية، إضافة إلى الحركات الظلامية والشمولية ضد إنهيار حكم صدام وتحت لافتات من التطرف القومي أو البدعة الجديدة من لافتات التطرف الديني، ضد التغيير وما رافقه من شعارات اصلاحية، والتلويح بضرر وخطر الديمقراطية، كبضاعة مستوردة من “الكفرة”، لا تجلب إلا الفوضى و”الغزو الثقافي” و “هتك الحرمات”، وليس ضد الغزو وانتهاك السيادة بحد ذاتها.
ولكن….إن كل تغيير جذري وبما فيه الإطاحة بنظام ما عبر غزو خارجي، كما حصل في التاريخ عندما جرى الاطاحة بالامبراطورية الرومانية على يد القبائل الجرمانية البربرية، أو كما أطيح بالبناء الإمبراطوري الفارسي على يد حملة الدين الجديد من المسلمين، أو كما تم الاطاحة بأعتى الأنظمة الفاشية في المانيا وايطاليا واليابان، ومثيلاتها في ايران(1941) وكمبودجيا على يد قوى مسلحة خارجية، لابد أن يُواجه بمقاومة عنيفة من القديم والمصالح المرتبطة به. كما أن مسيرة الجديد لابد وأن يعتريها التعثر والالتباس والتفاوت في الرؤيا والتناقض والقصور في الحلول والنواقص والفوضى، وفي ظل صراع مستميت حول السلطة بين عناصر الجديد وبين عناصر القديم بجذوره العميقة ومؤسساته، أو حتى بين عناصر الجديد نفسه.
وهذا ما حدث في العراق بكل تفاصيله البشعة والدموية بعد التاسع من نيسان عام 2003.
– فالولايات المتحدة على وجه الخصوص لم يكن لديها صورة دقيقة عن تفاصيل المجتمع العراقي، وخاصة السلبيات التي طرأت عليه في ظل النظام السابق. فالمجتمع العراقي كان يعاني من التشظي والانقسام الخطير، ومن طغيان ثقافة العنف التي ورثها من النظام السابق وأجهزته القمعية الخطيرة ومن الحروب المديدة التي فرضت على الشعب. فالسلاح كان اللغة التي يتعامل بها الحاكم والمواطن على قدم وساق وليس لغة الحوار. ولقد انفردت الادارة الأمريكية بقرارات وعالجت كل الأمور المتعلقة بالغزو دون روية ودون أن تستمع إلى أصحاب القضية الذين يُراد لهم أن يتحرروا من ربقة النظام السابق وشروره. إن كل ما قيل عن دور استشاري لهذه الجهة أو تلك “الشخصية الأسطورية العراقية” أو “رجال المرحلة” هو محض هراء. وقد تبين ذلك بوضوح منذ اللحظة الأولى لسقوط النظام حيث طغى الأرتباك والتخبط والتعجرف والغرور وتعالي المنتصر والانفراد في اتخاذ القرار على الجانب الأمريكي بعد النجاح العسكري السريع الذي تتوج بسقوط نظام البعث في العراق. فالغازي لم يستطع تأمين الأمن، وهو من صلب مهمته، لسبب بسيط هو أنه لم يفكر بتشكيل قوة بوليسية تحمي التغيير والمواطنين العراقيين وتحمي جنودها أيضاً، ظناً منه أن نتيجة الحرب ستمهد مباشرة إلى استتباب الأمن اتوماتيكياً. ولم تدرك أن تأمين الأمن لا يتم إلا بإرادة عراقية على معرفة بخبايا الأمور، وليس بنصر عسكري خاطف،بل يتطلب اتخاذ إجراءات ضد تدابير طوارئ اتخذها الحكم السابق لينفذها في حالة سقوطه سواء على يد الشعب أو على يد قوات أجنبية. كان من الممكن أن تستفيد الإدارة الأمريكية من الجيش العراقي أو الشرطة العراقية رغم ذهاب افرادها إلى بيوتهم، لا أن تعامله كجيش مهزوم، هذا الجيش الذي لم يكن موالياً للنظام. فهذه القوى العسكرية لم تشارك في العمليات العسكرية لأنها كانت مجردة من السلاح في عهد النظام السابق للشك في ولائها، حيث أن مقاومة الغزو اقتصرت على مقاومة محدودة من قبل القوات الخاصة الموالية للنظام مثل الحرس الجمهوري والحرس الخاص وميليشيات حزب البعث إلى حد ما. فالتسليح بأحدث الأسلحة اقتصر على الحرس الجمهوري والحرس الخاص والفصائل المسلحة الموالية للنظام في فترة الديكتاتورية. أما الجيش العراقي فكان من أشد المعارضين للنظام لأنه الضحية الأولى له، والذي لم يستفد من نهب النظام لأموال الدولة، بل راح ضباطه يعملون كسواق تاكسي لإمرار معيشتهم. وهذا ما لم يدركه “المحررون”.
وطال الإرتباك جانباً سياسياً هاماً يتعلق بصفة هذا الغزو، هل هو تحرير كما نص عليه مشروع تحرير العراق الصادر من الكونغرس الأمريكي،، أم إحتلال كما نص عليه قرار مجلس الأمن الدولي الذي وافقت عليه الولايات المتحدة، وحتى سوريا التي كانت عضواً مؤقتاً في مجلس الأمن ولم تدن الغزو في هذا القرار أو تتحفظ عليه. ثم تحول الاحتلال بعد أشهر إلى مجرد قوات متعددة الجنسيات تتبع قرارات الأمم المتحدة وظيفتها تأمين الأمن في العراق. إن موقف الولايات المتحدة في موافقتها على مقولة الاحتلال أفقدها دورها “التحرري” للعراقيين وحوّلها إلى مجرد حاكمية محتلة يديرها غارنر وبريمر ذوي الصلاحيات المطلقة والبعيدين كل البعد عن تفاصيل الملف العراقي ودروبه الوعرة، وإن يتعامل أفراد في الجيش الأمريكي بفظاظة ويرتكبون الإنتهاكات المقرفة كما حدث في سجن أبو غريب. لقد كان على إدارة الولايات المتحدة أن تلتزم بالقانون الذي أصدره الكونغرس الأمريكي حول تحرير العراق وتسلم ملف إدارة الدولة تدريجياً إلى أصحاب الشأن وهم العراقيين، ولجم القوى الموالية للنظام السابق، عن طريق تشكيل حكومة عراقية مؤقتة في اليوم الأول من انهيار النظام. هذه الحكومة التي تقع على عاتقها مهمة لم شمل العراقيين كي لا يندفعوا إلى هاوية الخلافات التي استفادت منها فلول النظام وحلفائهم القادمين من وراء الحدود في هيئة التطرف والإرهاب الديني بكل أشكاله.
– ومما لعب دوراً في السلوك السلبي للولايات المتحدة هو التصرف غير المسؤول لأوساط غير قليلة من المعارضة العراقية في التعاطي مع الظروف الجديدة. فهذه القوى لم تبحث حتى قبل سقوط النظام عن المواقف والرؤى المشتركة للمعارضة في حالة حدوث أي تغيير جذري في البلاد. فعلى الرغم من البيانات العامة لاجتماعات المعارضة قبل سقوط النظام السابق، إلاّ أن المعارضة لم يكن لديها موقف واضح موحد حول ملامح التغيير الجدي في البناء السياسي في العراق. فالموقف من الديمقراطية، على سبيل المثال، كان موقفاً هلامياً غير واضحاً وملتبساً وحتى مرفوضاً خاصة من قبل التيار الإسلامي، الذي كان يخشى ترديد هذه المقولة “الغريبة” عليه.
كما لم تستفد قوى في المعارضة من دروس فشل انتفاضة آذار عام 1991، كي تجري تعديلاً على شعاراتها ومنهجها. فقد ظل المبنى الطائفي المذهبي السياسي والورقة الدينية السياسية هي الورقة المفضلة عند التيارات الدينية رغم دروسها الفاشلة والمريرة التي أثبتت خطأ وخطورة استخدام هذه الأوراق. فالشعارات الطائفية التي رفعت أثناء انتفاضة آذار عام 1991 من قبل بعض التيارات الطائفية الدينية، لم توّحد العراقيين حول هدفهم الأساسي وهو أسقاط النظام وبناء دولة القانون الديمقراطية، بل عملت على تشتيتهم، وكانت ورقة رابحة بيد النظام السابق للإجهاز على أكبر انتفاضة للعراقيين ضد حاكمهم المستبد. وأثارت هذه الشعارات مشاعر الريبة والخوف عند أوساط إقليمية ودولية مما أفقد العراقيين ورقة التعاطف معهم خارجياً. وللأسف كررت التيارات الطائفية نفس الخطأ ونفس الشعارات ونفس السلوك الطائفي بعد إنهيار النظام السابق، بحيث لم تتوجه هذه التيارات نحو معالجة مشكلة خطيرة يعاني منها المجتمع وهي الانقسام الطائفي الذي زاد عمقاً وتدميراً بعد الغزو، مما غذّى فلول العهد السابق والارهاب القادم من الخارج بقوة سياسية لم يكن يحلم بها. إن هذه الأحزاب الدينية لم تدرك وتفهم معضلة هامة وهي إن التلويح بالورقة الدينية لأي حزب سياسي لا يعني في الظروف العراقية الملموسة إلا تبني المشروع الطائفي. وبالتالي تضطر هذه الأحزاب أن لا تتعامل بالهوية العراقية وتكرسها، والتي توحّد العراقيين، بقدر تعاملها وانشدادها إلى الهوية المذهبية الطائفية التي تمزق النسيج العراقي وتعرّض المجتمع إلى مواجهات مذهبية عبثية. فالحزب الإسلامي العراقي وأقران له، على سبيل المثال، لا يتسنى له النشاط في الكثير من محافظات الوسط والجنوب بسبب تبنيه لمشروعه المذهبي الديني الذي هو طائفي بتوجهاته. وهكذا الحال بالنسبة إلى المجلس الإسلامي الأعلى وحزب الدعوة وأحزاب أخرى مماثلة لا يمكن أن تجد نصيراً لها في غالبية مدن محافظات الأنبار أو صلاح الدين أو الموصل وديالى بسبب التركيبة المذهبية لأهاليها. وهذا يعني إننا سندور في نفس الدائرة المقفلة والفاشلة التي إختطها أسلافنا السابقون من حكام العراق والقائمة على التمييز المذهبي والطائفية السياسية وتكريس الغربة والريبة بين الحاكم والمحكوم، وهي نزعة تنطوي على مخاطر عديدة تهدم البلاد ولا تبنيها. فالهوية العراقية وحدها هي التي يشترك بها العراقيون والتي توحدهم، والتي يجب أن يتمسكوا بها، ولتصبح ميثاقاً لكل العراقيين في كل أنحاء الوطن، وبما في ذلك محافظات الإقليم، وضمن مفهوم الأمة العراقية.
كما تنافست غالبية الأحزاب بعد سقوط النظام على مصالح ذاتية وأجندات ذاتية بحتة، وعلى المحاصصات البائسة دون العمل على تحقيق حلول مشتركة لقضايا أساسية تلامس مصلحة الجميع ومصلحة العراق كله. وهذا ما ضيّع فرصاً كثيرة لأخذ المبادرة من الإدارة الأمريكية والضغط عليها كي يستلم العراقيون زمام الأمور ويشرعوا في ترميم البيت العراقي واستلام الملف العراقي كاملاً من الغزاة. ولعل سلوك بعض الأطراف السياسية في فترة مجلس الحكم هو خير دليل على تلك الفرص التي ضيّعتها بعض الأطراف السياسية، التي حاولت تنفيذ اجندتها السياسية بدلاً من العمل على ما هو مشترك بين العراقيين. فإن أول قرار اتخذه السيد عبد العزيز الحكيم عندما تولّى رئاسة مجلس الحكم، على سبيل المثال، طال قضية قانون الأحوال الشخصية في مسعى لإلغاء كل ما حققته المرأة العراقية من مكاسب في العهود السابقة. فهو لم يفكر في طرح حلول للمشاكل الاقتصادية والإجتماعية والظروف الإنسانية الأليمة التي يعاني منها المواطن العراقي والتي تشترك كل الأطراف العراقية في أهمية معالجتها، بقدر ما ألغى حقوق للمرأة وأمور تتعلق بها وهي مثار جدل في المجتمع العراق منذ عقود.
وراح فريق آخر يتسابق لحل مشاكل هذه المحافظة أو تلك وهذه المجموعة الأثنية أو تلك دون التركيز على قيام مؤسسات قانونية والسير بخطوات وطيدة نحو إرساء دعائم دولة القانون الديمقراطية التي ستحل كل مشاكل المناطق، وسترفع الحيف والظلم عن كل مكونات الشعب العراقي. فالتنافس على الجزئيات لا يؤدي إلاّ إلى التنافر بين الأطراف السياسية في بلد يحتاج الآن بالدرجة الأولى إلى قدر من الحوار والتفاهم على ما هو أساسي كي تحل الجزئيات تدريجياً وما أكثرها في العراق. وهذا التفاهم والموقف المشترك كان معدوماً للأسف بين القوى المنخرطة في العملية السياسية وبشكل خطير مما شل أجهزة الدولة ووفر فرصاً ذهبية لكل أعداء العملية السياسية للطعن بها وتعبئة قواها وبدعم خارجي لعرقلة تحقيق أحلام العراقيين في بناء دولة القانون على أنقاض دولة الاستبداد والظلم والنهب.
وكان ينبغي على القوى السياسية أن تحل المشاكل الخاصة بالأطياف العراقية على دفعات وبتخطيط طويل الأمد وليس دفعة واحدة، لإنه من المتعذر إزالة تراكمات العهود السابقة والشائكة بضربة عصا سحرية. والحديث يدور هنا مثلاً حول حدود الفدرالية وحل مشاكل عويصة كمشكلة كركوك أو تحديد علم البلاد أو مضامين في دستوره، ووضع قانون متعادل للمحافظات أو حتى إجراء إنتخابات تعبّر بحق عن رأي العراقيين دون ضغوط وفتاوى دينية أو الضغط بالسلاح كما حدث في الإنتخابات السابقة. كان من المفضل التركيز على ما هو مشترك، أي بناء الدولة الديمقراطية، التي تمهد بالتأكيد الطريق وبشكل تدريجي إلى إشباع حقوق كل المواطنين بشكل متساو وإزالة التمييز العرقي والطائفي الذي ساد العهود السابقة.

هل يمكن خروج العراقيين من عنق الزجاجة؟

نعم…يمكننا أن نخرج من عنق الزجاجة إن استفدنا من دروس أخطائنا وبحثنا سوية عن ما هو مشترك وعبر تطبيق مشروع اصلاحي تدريجي لمعافاة البلاد وإرساء دعائم دولة ديمقراطية اتحادية حديثة.
فينبغي على العراقيين أن يتخلوا عن اللعب الخطير بالورقة الدينية وتسييس الدين. فالتلويح بهذه الورقة لا تعني إلاّ أمر واحد في المعادلة العراقية وهو التلويح بالطائفية التي يدينها الآن جميع العراقيين بدون استثناء بعد أن شهدوا القتل على الهوية الطائفية والتهجير على نفس الهوية، وبعد أن أدركوا سر تركيز قوى الإرهاب الدولي والقوى الإقليمية على هذه الورقة المشينة بهدف خلق التناحر الطائفي وشرذمة البلاد وتقسيمها إلى دويلات طائفية تتعارض مع حاجة العراقيين. خمس سنوات مرت على العراقيين وهم يستمعون إلى هرطقات أبو مصعب الزرقاوي وفتاواه الطائفية والمذهبية، وفتاوى آخرين ممن يلهبون المشاعر الطائفية بمسيراتهم “المليونية” التي جلبت الموت للعراقيين بدل الثواب، وفرضت عليهم الخرافات بدلاً من الإيمان الديني الرصين. ولم يحقق العراقيون خلال هذه الدعوات إلاّ المزيد من الخراب والعرقلة في معافاة الوطن وتحريرهم من البؤس والتخلف الذي عاشوه خلال العقود الماضية، والذي استمر خلال الخمسة أعوام بعد الإطاحة بالطغيان. لقد عزف بعض العراقيين على أنغام هذه النزعة الضارة الطائفية دون أن يعوا أنهم يستبدلون نظاماً طائفياً بآخر لايخرج العراقيين من دائرة البؤس، بل يشيد دولة طائفية جديدة لاتختلف عن سابقتها إلاّ بالشكل، دولة قيمها المحاصصة البائسة وتخلف في ثقافتها وتنصيب أميين في مرافقها، وليس على الكفاءة في أداة الخدمة للعراقيين وبناء البلاد. وقد قيل بحق إن “الخطيئة الاولى، بعد السقوط المخزي لنظام القتلة المحترفين، هي تغييب المشروع الوطني الجامع لكل العراقيين، وتشظيه الى مشاريع، فئوية، وطائفية، وحزبية ضيقة”. وأصبحت الأحزاب ، وخاصة الدينية، أسيرة شارع محتقن تسير وتنحدر وتلهث وراء سلبياته وفقدت السيطرة عليه ولم تستطع التأثير عليه بإتجاه العقلنة والحكمة والتروي والهدوء بهدف كسب مؤقت عابر، ومثال التيار الصدري هو المثال الأكثر وضوحاً على هذا النمط من التيارات السياسية الدينية.
كما ينبغي على السلطات الثلاث أن تمارس دورها وتستكمل بسرعة تشريع القوانين واستكمال المراسيم واتخاذ الاجراءات السريعة لاعادة بناء الدولة على أسس عصرية. فإصدار القوانين الخاصة بحل الميليشيات وجمع السلاح غير القانوني وحصر الأسلحة بيد الدولة، وتشريع قوانين صارمة لمكافحة الفساد والتلاعب بأموال الدولة، وتشريع قوانين لنشاط الأحزاب والأعلام، وممارسة القضاء دوره المستقل بدون تدخل من أحد، وبناء القوات المسلحة على أسس مهنية بحتة وإبعادها عن كل ما يسبب تشظيها وتحويلها إلى قوات تابعة لهذا الحزب المتطرف أم ذاك، هي إجراءات ملحة أثبتت أهميتها وإلحاحها خلال الأحداث الأخيرة في مدينة البصرة. فالتردد السابق في معالجة الأخطار المحيطة بهذه المدينة ومدن أخرى، زاد الطين بلة وضاعف الفساد وسمح للتدخل الإقليمي بصلافة أكثر، في حين أن الإجراء السريع الذي اتخذته الحكومة أخيراً في البصرة ومدن أخرى بإتجاه فرض القانون قد رفع من رصيدها وهيبتها وسحب البساط من تحت الفوضويين والعابثين وعملاء الدول الإقليمية رغم ضجيجهم، ومنح الفرصة لأهالي البصرة الكرام كي يتنفسوا نسيم الأمان.
كما ينبغي على الحكومة أن تكاشف الشعب العراقي سيد البلاد وصاحب الأمر والنهي فيه. فالشعب العراقي يطالب أن تكشف أوراق كل الجهات العراقية المتورطة في زعزعة الأمن، سواء تلك المتورطة في التعامل مع الإرهاب أو تلك الحركات الدينية المتطرفة التي تخدم أجندات إقليمية. فهناك ومنذ خمس سنوات ولحد الآن ملفات قال المحققون كلمتهم فيها دون أن يطلع الشعب عليها، ومازالت في محفوظات القضاء أو تم إتلافها والتغطية عليها. فهذا الإسلوب من “بوس اللحى” هو إسلوب فاشل لايؤدي إلاّ إلى المزيد من العبث بأمن العراقيين. كما إن هذا السكوت المريب لدى غالبية من المسؤولين تجاه تدخل دول إقليمية, وإلى حد التطوع لنفي هذه التدخلات، يشكل شاء أم أبى أنصارها خيانة الأمانة مما يعرض أصحابها إلى المساءلة. فمعطيات السنوات الخمس الماضية تؤكد على ضلوع أطراف إقليمية رسمية وغير رسمية من حكام إيران وسوريا وليبيا ومتطرفين في السعودية والإمارات والأردن واليمن في نشاطات معادية للعراق سواء عن طريق تسريب الإرهابيين والقتلة وتدريب آخرين، أو جمع الأموال وعلى الملأ لتمويل المجاميع الإرهابية، أو إرسال أحدث أنواع الأسلحة، دون تحريك أي ساكن من قبل المسؤولين العراقيين أو الحديث عن ذلك علانية. ليس المطلوب من حكومتنا إثارة التوتر مع جيراننا على طريقة الحكم السابق، بقدر ما مطلوب منها قول الحقيقة للعراقيين وتقديم الشكوى للهيئات الدولية لردع هذه التدخلات من خلال الإعلان عنها وليس نفيها من قبل بعض المسؤولين. لقد طبلت هذه الأوساط الإقليمية لنغمة “المقاومة العراقية”، والتي لم ترفع السلاح ضد الغزاة بل ضد العراقيين، وانتهى بها الأمر أخيراً إلى أن ترفع لواء الصحوة وتحارب إلى جانب الأمريكان ضد الإرهابيين الأجانب. ولكن مازالت بعض هذه الأطراف تتغنى في بياناتها وإجتماعات لجانها المركزية، وتتشدق بإنجازات هذه المقاومة التي لم يعد أحد يتحدث عنها في العراق وحتى خارجه. إن عقد المؤتمرات مع هذه الأطراف أو التوسط بين حكام إيران والإدارة الأمريكية، الذي يعتبره البعض مهارة في الدبلوماسية العراقية، ما هو في الحقيقة إلاّ موافقة ضمنية على هذا التدخل وتبريره من قبل بعض المسؤولين العراقيين وعلى حساب دماء ودمار العراق. فهذه الأطراف لديها هدف واحد هو تدمير البلاد ووقف العملية السياسية على غرار ما قاموا به بعد ثورة تموز عام 1958.
وفي هذا الإطار ينبغي على الحكومة وعلى جميع الحركات السياسية أن تسمي الخروقات والانتهاكات من قبل أطراف عراقية بمسمياتها وبمسببيها. فالمجاملة في ذلك تغري هذه الأطراف على المزيد من التطرف والعبث. فهناك تقليعة مفضلة يتبعها العديد من الأطراف السياسية العراقية في إلقاء اللوم عن كل مايجري على الجانب الأمريكي فقط. فالطائفية التي يبلغ عمرها قرون عديدة من التراث العثماني وتراث الدولة العراقية، قد غرست في هذه الأرض قبل تأسيس الولايات المتحدة في عام 1776، وقبل غزوها للعراق. وكذا الحال بالنسبة للأمراض التي تفتك بالجسد العراقي مثل الفساد والعنف والتي حقنها رواد الفساد والعنف من أرباب الرسالة الخالدة من حزب البعث وبطانة الحكم السابق في الجسم العراقي، وليس من قبل مصدري البضائع الأمريكية. لماذا هذا الخلط بالأوراق، ولماذا ننشر غسيلنا على حبال الآخرين؟ ومن هو المستفيد من ذلك؟. وفي ظل كل هذا اللوم على الولايات المتحدة وتحميلها كل أوزار المآسي، نجد ،وللمفارقة، أن الجميع تقريباً عدا الغرباء من دولة العراق الإسلامية، تطال ببقاء القوات الأجنبية لحين إستكمال إستعدادات القوات المسلحة العراقية لاستلام الملف الأمني، وإن أقصى ما يطالب به البعض هو جدولة الغنسحاب وليس الانسجاب الفوري، وهي التي تتحمل كل أوزار المآسي من وجهة نظر بعض النخب السياسية العراقية!!!.
ياجماعة قدراً من الإنصاف في وضع النقاط على الحروف، وإلقاء المسؤولية بدقة على من يخرق ويلحق الأذى بالبلاد وأهلها. فلا يمكننا أن نتجاهل ضلوع أطراف عراقية في هذه الأفعال، وبعضها يشارك في العملية السياسية ويعترف علانية بها. ينبغي الحديث عن مسؤولية هذه الأطراف في الكثير من الفساد والقتل والتفخيخ وزرع العبوات والموبقات والنهب وقتل النساء التي تجري في البلاد، ومن قبل أشخاص يرتدي بعضهم الزي الأمني الرسمي، وقد إلتحق بعضهم باللصوص والقتلة في أحداث البصرة الأخيرة، والذين يطالب أحدهم أخيراً وبعد خراب البصرة بإرجاعهم إلى سلك الشرطة لأنهم كانوا مكلفين بمهمة “شرعية”، وأية مهمة شرعية بائسة!!!.
إن من أكثر الأمور أهمية في معالجة المأزق العراقي الراهن هو العمل بجد على إحياء المؤسسة الثقافية التي لحقها الدمار، والثقافة التي غيبت من قبل النظام السابق مما ألحق أشد الأضرار بالقيم والمثل الإنسانية وبالتعادل النفسي المطلوب في المواطن العراقي، والتي نرى نتائجها المدمرة في الشارع العراقي بعد أن رفع الغطاء عن عيوبه بعد التاسع من نيسان عام 2003. لايمكن أن يستقر أي مجتمع بدون ثقافة تقدمية رفيعة وإنسانية تضفي الحكمة والتوازن والقيم الإيجابية على المجتمع بدلاً من ثقافة العنف والطائفية والعسكريتاريا واللطم والضرب بالزناجير. فهذه الممارسات السلبية لا تجلب لنا الاستقرار الاجتماعي والروحي، بل تذكي كل ما هو انفعالي ومشاعر متطرفة كما تبين ذلك من خلال العقود الماضية، وخاصة خلال السنوات الخمس المنصرمة. هناك مساعي محمومة من قبل أعداء الثقافة في بلادنا لمسح الثقافة التقدمية من وعي الشعب من خلال تعيين ضباط شرطة وملالي في كرسي وزارة الثقافة بدلاً من ممثلي الثقافة العراقية الغنية بفروعها ومبدعيها. نعم هناك من يحاول أن يسدل الستار على تراث الجواهري والرصافي والزهاوي ونازك الملائكة وعبدالله گوران وجواد سليم وفائق حسن وعلي الوردي ومصطفى جواد والعشرات من المبدعين العراقيين، الذي احتلوا مكانتهم في مواقع الثقافة العربية والعالمية، بهدف استعباد الشعب وحصره في جدران التخلف والتخاريف ومنعه من التفكير الحر والمستقل، ولكن هيهات. وهنا يتطلب من مثقفينا أن يأخذوا بزمام المبادرة وبشجاعة ليبطلوا مفخخات قوى التخلف، ومن شعبنا والمؤسسات الرسمية أن توظف كل طاقاتها لانتشال الثقافة وانقاذها من مأزق مجهول يراد لها، وإلا سنواجه كشعب وكوطن المزيد من الصفحات المؤلمة والتناحر العبثي والركود في تاريخنا.
إننا أمام مفترق طرق، فأما نستغل هذا التحول الذي بدأ في التاسع من نيسان 2003 لفتح الطريق أمام تحرير فعلي للشعب والبلاد من قيود الاستبداد والتخلف السابقة، ولدينا كل المقومات في ذلك، وأما الاستكانة والتسليم بما يراد أن يفرض علينا من شرور وركود من قبل قوى الظلام في الداخل أوفي محيطنا الإقليمي الغارق في الاستبداد والتخلف. وما علينا إلاّ أن نتحلى بالاصرار والشجاعة ونسعى إلى غرف المعرفة والاستفادة من تجارب الآخرين في كيفية بناء بلدهم وازدهار شعبهم وإقامة مجتمع ديمقراطي حر واع، لا أن نتجه نحو هواية جمع الأسلحة والتغني بالطائفية والتخلف والتي لا تجلب لنا ولأطفالنا الخير و الرفاه و الاستقرار.
17 نيسان 2008
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*يبلغ الدخل السنوي لكل فرد في الولايات المتحدة ما يساوي 46000 دولار وفقا لارقام عام 2007 الصادرة عن البنك الدولي. إن الناتج القومي الاجمالي في العالم كله يبلغ قرابة 48.3 تريليون دولار. وإن نحو 35 ٪ من هذا الحجم يعود في الغالب إلى الدول الناطقة بالانكليزية وهي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا والهند واستراليا، التي شاركت جميعها في غزو العراق ماعدا الهند. وتمتلك الولايات المتحدة أكبر اقتصاد في العالم بناتج قومي إجمالي بلغ 13,2 تريليون دولار ، وتليها اليابان بـ 4,3 تريليون دولار ، ثم ألمانيا 2,9 تريليون دولار ، وتأتي الصين في المركز الرابع بـ 2,6 تريليون دولار ، ثم المملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا وكندا وإسبانيا على التوالي.