الرئيسية » مقالات » الإعلام العراقي بين مطرقة الطائفية وسندان الإرهاب

الإعلام العراقي بين مطرقة الطائفية وسندان الإرهاب


-1-


كان أهم مظهر من مظاهر الحرية والديمقراطية في العراق، بعد سقوط حكم صدام حسين، هو الإعلام والطفرة الكبيرة التي اجتاحته. فظهرت عدة قنوات تلفزيونية داخل العراق، وظهر الكثير من الصحف والمجلات. وعاد بعض الإعلاميين العراقيين الذين هربوا من طغيان العهد الماضي إلى العراق. وانتقل الإعلام العراقي بين عشية وضحاها من إعلام ينتمي إلى العالم الثالث إلى إعلام ينتمي إلى العالم الثاني، ولا نقول العالم الأول، حتى لا نظلم الإعلام الغربي، ولا نتملق الإعلام العراقي. فمن غير الممكن ما بين عشية وضحاها أن ينتقل الإعلام العراقي من إعلام العالم الثالث إلى إعلام مستوى إعلام الغرب، من حيث الكفاءات والكوادر الإعلامية، والتجهيزات، وهامش الحرية الكبير.


                                                              -2-


 


ولكن كان المفروض على الإعلام العراقي، أن يتحول خلال السنوات الخمس التي أعقبت الإطاحة بنظام حكم صدام حسين، إلى ما هو أفضل من إعلام العالم الثاني، ويقترب من إعلام العالم الأول، لولا أن صادفته عقبات كثيرة منها:


1-التركة الإعلامية التراكمية السيئة التي ورثها العراق الجديد من عهود سابقة، تسبق حكم حزب البعث للعراق منذ 1968- 2003. فمنذ نهاية العصر العباسي 1258م، والإعلام العراقي يحكمه خلفاء وسلاطين وملوك ورؤساء طغاة متخلفون، كان الشاعر فيه بمثابة وزير الإعلام اليوم، ولا يوجد في قاموس هذا الإعلام غير كلمتي “أمرُ مولاي”، و “نعم سيدي”. وتوّج هذا التوجه في النهاية وزير الإعلام السابق محمد الصحّاف، الذي عُرف بالحاوي، أو بطل السيرك الإعلامي الصدامي.


2- إن عملية “تفريغ العراق من نُخبه” في عهد صدام حسين طالت بالدرجة الأولى النُخب الثقافية والإعلامية. واستبدل عهد صدام هذه النُخب التي هربت من القتل والسجن والملاحقة، بنخب إعلامية عربية، كانت تحجُّ إلى بغداد في كل مناسبة، وفي المهرجانات الثقافية كمهرجان “المربد” وغيره. وقامت بما كان مطلوباً من النُخب الإعلامية العراقية من تمجيد، وتأليه لشخص صدام، ولعهده “الميمون”، حيث بلغت أسماء صدام الحُسنى أكثر من أسماء الله الحُسنى. فكانت قوافل الإعلاميين العرب تتوالى على بغداد صدام، وليس على بغداد الرشيد، وتقبض بالدولار، والاسترليني، واليوريو، وبكوبونات النفط المسروق من الشعب العراقي، كما نشرت صحيفة “المدى” العراقية عام 2004، وكما كتبنا عن ذلك عدة مقالات في جريدة “السياسة” الكويتية في عام 2004. وكتبت مجموعة من الإعلاميين العرب كتباً كاملة عن صدام حسين ورجاله، منها كتاب أمير اسكندر الكاتب المصري عن صدام حسين (صدام مفكراً ومناضلاً وإنساناً) وفؤاد مطر الصحافي اللبناني في كتابه (صدام الرجل والقضية والمستقبل)، وحميدة نعنع في كتابها عن طارق عزيز (رجل وقضية) ، وعشرات الكتّاب والكتب التي زوّرت التاريخ، وقبضت أموالاً طائلة ثمناً لهذا التزوير.


3- ومع شروق شمس الحرية والديمقراطية على العراق الجديد بعد التاسع من نيسان/إبريل 2003، وانفجار الدُمَّل الطائفي الكبير الذي كان يطفح بالقيح في عهد صدام، حين وجد البيئة المناسبة لذلك، أصبح الإعلام العراقي الجديد محكوماً لإيديولوجية الطوائف الدينية بالدرجة الأولى. وتحوّل الإعلام العراقي من إعلام “عهد الديكتاتورية” إلى إعلام “عهد الطائفية”، التي تذيق الشعب العراقي الآن كؤوساً أكثر مرارة من كؤوس “عهد الديكتاتورية”، والتي يراها الكثيرون أكثر خطورة وأفظع شراسة من الديكتاتورية السابقة. فلم يعد الكاتب السُنّي قادراً على نقد الشيعة في إعلامهم، كما لم يعد الشيعي قادراً على نقد السُنَّة في إعلامهم.


4- نتيجة لانتشار الإرهاب والفلتان الأمني في العراق على النحو الذي نراه منذ سنوات وإلى الآن، لم يعد باستطاعة أي كاتب أو إعلامي نقد أية جماعة إرهابية في العراق. فأنا شخصياً، أتكلم وأكتب عن الإرهاب وعناصره بحرية في وسائل إعلام دول الخليج مثلاً، أكثر مما أتكلم عنه في أية وسيلة إعلامية عراقية. والهامش المسموح في إعلام دول الخليج – مثالاً لا حصراً – للحديث عن الإرهاب وأوجاعه، أكبر بكثير من الهامش المسموح به في العراق في شأن الإرهاب. والعذر الذي تلقاه عند الوسائل الإعلامية العراقية، أن الجماعات الإرهابية تهددهم بالقتل تارة، وبالنسف تارة أخرى، وبحجب مواقع الوسائل الإعلامية على الانترنت أحياناً، في ظل حكومة ضعيفة طائفية، غير قادرة على حفظ الأمن، وتثبيت الاستقرار .


-3-


من خلال كل ذلك، أضاع الإعلام العراقي فرصة ذهبية خلال الخمس سنوات الماضية، لكي يتصدر الإعلام العربي ويتفوق عليه، وينضم إلى إعلان الدول المتقدمة، بعد أن ضخت أمريكا في قنواته ملايين الدولارات، كما قامت أيضاً بدعم 12 محطة تلفزيونية، ودعم برامج تدريبية للصحفيين العراقيين عن التوازن والأخلاقيات. وتشعر أمريكا الآن، بالأسف الشديد والأسى العميق نتيجة ذهاب كل هذه الجهود أدراج الرياح، والتي أصبحت عبثاً. وهذا ما يؤكده الصحافي الأمريكي لويس روج، مراسل صحيفة “لوس أنجلوس تايمز” في بغداد، إذ يقول في مقال له بعنوان “قنوات التلفزة العراقية وسؤال الصدقية”:


“ساعدت الجهود والأموال الأمريكية على إطلاق ما يزيد على 12 قناة تلفزيونية عراقية (لم يكن في عهد صدام غير قناتين رسميتين فقط). ولكن النتائج التي تحققت، لم تكن هي النتائج التي كانت تتطلع إليها أمريكا في البداية. فحسبما يقول النُقاد، فإن الغالبية العظمى من تلك القنوات، تتبنى خطاً طائفياً واضحاً ومتصاعداً، بل وتبدو في غالب الأحيان، وكأنها تقوم بتأجيج نيران التوترات الموجودة في البلاد.”


ويضيف لويس روج قائلاً:


“يقوم العراقيون الذين يلزمون بيوتهم عادة بسبب العنف وحظر التجول بمشاهدة العالم الذي يعيشون فيه، من خلال القنوات الفضائية. ولكن التنقل بين الفضائيات العراقية لا يقدم في معظم الأحوال سوى رؤية للبلاد من خلال منظورات طائفية”.


ويخلُص لويس روج إلى الحقيقة المُرَّة التالية:


رغم الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة، فإن الكثيرين من العراقيين المثقفين، يفضلون في الوقت الراهن مشاهدة القنوات التي تُبَثُ من دول الخليج.


وفي الوقت الذي كانت إدارة بوش تتباهى بعدد القنوات الجديدة التي افتتحت في العراق، باعتباره دليلاً على الحرية الجديدة المكتشفة حديثاً هناك، فإن بعض العراقيين كانوا يقومون بتغيير تلك المحطات، ويمارسون الديمقراطية، ولكن باستخدام “الريموت كونترول!”


-4-


وما ينطبق على الفضائيات العراقية، ينطبق على الصحافة والإذاعة كذلك. فمن المعروف أن مئات الصحف والمجلات ( تقول بعض التقارير، أن عدد الصحف العراقية الآن، قد تجاوز 250 صحيفة، في حين لم يتجاوز عدد الصحف في عهد صدام غير أربع صحف إضافة إلى بعض الدوريات، منعم صويص، جريدة “الغد” الأردنية، 17/1/2008)، صدرت بعد 9/4/2003 في العراق. ورغم هذا فالعدد لا يهمنا، بقدر ما يهمنا مساحة هامش الحرية التي تتمتع به هذه الصحف بعيداً عن مطرقة الفئات الطائفية المسلحة وتهديداتها، وبعيداً عن سندان الجماعات الإرهابية القادمة من خارج العراق وجرائمها، وبقدر ما يهمنا كذلك المواضيع التي تكتب فيها، والفكر الجديد الذي يطغى عليها، وصدقية الأخبار التي تغطيها.


فأنا شخصياً لم أكن أتصور أن أتحدث عن الإرهاب بكل شؤونه وشجونه