الرئيسية » مقالات » عاهات الكترونية2/12

عاهات الكترونية2/12

عندما نقرت ذات مساء كئيب نقرتين ، كنت قد كتبت في نافذة محرك البحث العملاق اسم رئيس تحرير جريدة عربية أسبوعية تصدر من لندن.
مسح العملاق كوكل حوالي 20 مليار صفحة في ثوان ، وقدم خلاصة بحثه كمبدع يشتهي دواخله الظليلة، في حوالي 10 صفحات.
ومع أن الربيع قد حل والظلام كذلك ، فقد داهمني رجف مثير لا حد لمـداه ، الخارج ، رياح عاتية تخلخل أعمدة النور، وتعزف على أسلاكها نغمات حزينة ، الداخل ، دفء وفضاء ازرق ينتشر في تهالك ، وما بينهما فم متيبس ، وهدير الحاسوب الهادئ يبعث اطمئنانا غامضا ، سربلت جسدي المرتبك بخمائل جاكيت من الدان الأبيض المترهل اتقاء لنزلة لبرد محتملة . أشرت الصفحة الأولى ، ثم شرعت في ضبطت بياناتي الرقمية بدقة ، لان الأمر يتعلق بإرسال تقرير مفصل حول ندوة متعثرة ذات بعد كوني ، أرفقت الرسالة بديباجة في 20 كلمة وصورتين ، وكنت حريصا أن لا يتجاوز عدد كلماته الألف. أرفقت الصور ، وكبست زر الإرسال في نشوة . وما هي إلا لحظات، حتى دق ساعي بريد الياهو باب بريدي قائلا في أدب : لديك بريد جديد سيدي .
وكما هو شان كل رسالة ، مررت بنزوات غريبة من التفنن في تثبيت بيانات، واستدعاء خدمات حذف وتعديل بسرعة متناهية ، لكن الذي يحدث ليس مدهشا ، فالرسالة حروفها رموز وعلامات على شكل مناجل حصاد ، ولا بد من تشفير ها الى لغة الضاد ، والغريب في المسالة أن” عرب وينداوز” كنظام فك ، لا يتيح إمكانية قراءة الرسائل وفك ألغازها، في الكثير من الأحيان ، مما يحتم الاستغاثة ببرمجية أخرى تدعى “الاونيكود 8 .
كان الجواب ضمن كم هائل من الرسائل المزعجة حقا ، لذلك فان فتحها والاطلاع على فحوى بعضها في تقديري ، لا يعدو مجرد ضياع للوقت والجهد، لذلك انصرفت لتوي الى رسالة جواب من رئيس تحرير جريدتي العربية المفضلة ، شفرتها ، وقرأت سطرا واحدا ، بلا مقدمات :
الرسالة وصلت ، ستنشر قريبا.
انزرعت في وعيي لحظتئذ مشاتل من أمل وشيك ، وشرع البياض يتسع في عيناي ،فيما اهتزاز حلقات ضوء كفيف على سطح هاتفي المحمول يفتن حد الهوس .
ولما كانت الجريدة ورقية ، ولها رديف الكتروني يصدر قبل توزيعها في أسواق العالم بيومين ، فقد حرصت على مدى أكثر من شهرين على تفقد بريدي مساء كل الجمعة ، وهو الوقت الذي يستسمح فيه رئيس تحريرها قراءه الكرام بعرض مواد العدد الجديد بمودة على روابط دقيقة رقمية بيديفية .
لكن في لحظة، وبعد طول انتظار ،استبد بي الياس ، قررت إشعار الجريدة ، قمت باستدعاء العنوان ، ضبطت بيانات الإرسال ، وكتبت :
سيدي الفاضل، اعتذر عن إزعاجكم ، فقد مضى أكثر من شهر ، ومادة التقرير الصحفي لم تر النور. وبالنظر الى أن التقرير استوفى أجله ، واستنفذ محتواه ، فالرجاء عدم نشره لانتفاء الفائدة .
اعتمد تفهمكم سيدي ، كما أتفهم زحمة العمل الصحفي المربكة، مع مودتي الكريمة.
وكبست زر الإرسال. ثوان فقط جاء الرد:

” الرسالة وصلت ، ستنشر قريبا ”
عزيز باكوش