الرئيسية » مقالات » معاناة شعبنا الكلداني من بول بريمر الى اليوم

معاناة شعبنا الكلداني من بول بريمر الى اليوم

المقدمة
الحقيقة التي لا مناص منها ان الشعب العراقي برمته تعرض الى شتى صنوف القهر والظلم والأختطاف والقتل والأبتزاز والتهجير وما الى ذلك ، وما طال الأقليات الدينية كان اكثر ايلاماً وقسوة حتى ان هذا العنف يهدد الوجود المسيحي على ارض العراق باستثناء اقليم كردستان . لقد كان آخر الضحايا لهذا العنف والأرهاب استشهاد الكاهن يوسف عادل عبودي واستفيد من مقال لأحد الزملاء وهو بعنوان صراع النور والظلام في جولة جديدة ، بأن مآخذ رجال الأمن على الشهيد انه كان يخرج بملابسه الدينية . ويبدو ان القتلة توهموا بأنها ملابس المارينز الأمريكيين وكان عليهم ان يقاتلوه ، فحتى الملابس باتت سبباً لقتل إنسان ، إنها غابة عراقية اختلط فيها الحابل بالنابل .
بول بريمر
بعد إطاحة النظام في نيسان 2003 قدم الى العراق السفير بول بريمر كحاكم مدني له كثير من الصلاحيات ، وقد اثبتت الأحداث فيما بعد ان هذا الرجل ارتكب أخطاءً فظيعة وكانت نتائجها شديدة الوطأة على شرائح المجتمع العراقي برمته ، ومن هذه الأخطاء إلغاء الجيش والمؤسسات الأمنية . كما انه إرسى قواعد للحكم مبنية على اسس الطائفة والدين والعرق ،فكانت الأحزاب التي هيمنت على مقاليد الأمور هي احزاب دينية طائفية ، ولسنا بصدد الأسهاب في هذه الناحية إنما نركز على معاناة شعبنا الكلـــداني منذ تلك الساعة الى اليوم .
في تموز 2003 حينما شرع الحاكم بول بريمر تكوين مجلس الحكم ، كما مر على اسس عرقية ومذهبية ودينية ، همّش الحاكم المذكور حقوق شعبنا الكلــــداني في التمثيل بهذا المجلس ، والمعروف إن شعبنا الكلداني كان ممثلاً بشكل دائم في مجلس الأعيان في العهد الملكي إضافة الى ممثليه في البرلمان العراقي ، لكن بعد ان اصبحت الأمور بيد أمريكا حرم من حقه في التمثيل على الساحة السياسية العراقية هذا الحق الذي كان شبه ثابت لشعبنا الكلــــــداني في العهد الملكي .
الغريب ان بول بريمر يعترف بفعلته القبيحة هذه، وما يدل على غباء هذا الرجل حينما يصف المسيحيين باسم جالية ( بريمر : عام قضيته في العراق 131 ) يقول :
خطر ببالي ان أبلغ العديد من المرشحين بأنهم لن يكونوا في عداد المجلس . أولاً المطران ( يقصد البطريرك ) دلي ، زعيم طائفة المسيحيين الكلـــــدان . فقد كانت الجالية المسيحية الصغيرة في العراق مجزأة على غرار كافة الطوائف الدينية في البلد . كان هناك الكلــــلدان الذين يبدو انهم يفوقون الآشوريين عدداً ، لكنهم لم يكونوا منظّمين جيداً مثلهم وأقل فعالية سياسية ، وللمحافظة على هدف الحصول على اصغر هيئة تمثيلية ممكنة كان لدينا مكان مسيحي واحد في المجلس .
ويمضي بريمر الى القول :
اخترنا ممثلاً للمسيحيين الآشوريين وتوقعنا ان يسبب ذلك استياءً لدى الكلــــــــدان . وكان ذلك صحيحاً ، إذ في تلك الليلة لم يكن قلب المطران يفيض بالمحبة المسيحية فبعد التذمر من استبعاده ، غادر غاضباً .
ان ينال الآشوريون مقعداً لا اعتراض على ذلك ، لكن سكوتهم على إنكار حق الكلدانييـــن كان يشكل نوع من الأنتهازية والنفعية . إن التاريخ يكشف اليوم مدى الغباوة في تصرفات هذا الحاكم السيئ ، واعترافه بسرقته لحق الكلدانييــــن العراقييـــن الأصلاء وتعتبر هذه نقطة سوداء في تاريخ هذا الرجل .
إن بول بريمر مصر لحد الآن على الدفاع عن اخطائه في العراق ، واعتبر ذلك جهلاً لا بل إنها وقاحة بعينها .
مع تدهور الأوضاع الأمنية في العراق تدهورت احوال الأقليات الدينية وكان نصيب شعبنا المسيحي الحصة الكبيرة نسبة الى نفوسه ، ويأتي في المقدمة شعبنا الكلــــــداني ، لقد كان اكثر من غيره ممن طاله قسوة الزمن وموجات القتل والتهجير والتمييز الديني عبر تفجير كنائسه المنتشرة في مدن العراق ، وارتكبت الجرائم الأنسانية بحق هذا الشعب فطال أبنائه اعمال الخطف والأبتزاز والقتل والتهجير والتشرد للبحث عن اسباب المعيشة والملاذ الآمن .
إن الأرهاب الذي طال شعبنا لم يكن الوحيد الذي ألم بشعبنا الكلدانـي وهو في وطنه العراق . فعلى النطاق السياسيي كان تهميش شعبنا الكلــــــــــــداني وإهماله وقد أشرت في بداية هذا المقال الى فعلة السفير بول بريمر الوقحة في إصراره لأهمال شعبنا واستمر هذا الأهمال لحد هذا اليوم ، إن معظم إن لم يكن جميع الوزراء المسيحيين هم من الآشوريين او من ممثلين لأحزاب آشورية ، وكأن مسيحيي العراق هم من الآشوريين فحسب .
نحن لسنا بالضد من تسنم الاشوريون مناصب رفيعة ، لكن تساؤلنا مشروع لماذا شعبنا الكلــــداني شبه مهمش في التمثيل في حكومة اقليم كردستان ومهمش كلياً في الحكومة المركزية رغم ان الكلــــــدانيين يشكلون الأكثرية بين مسيحيي العراق .
الحركة الديمقراطية الآشورية
في هذه المسألة لابد من الأشارة الى تلك الحملة التي تعرض لها شعبنا الكلداني بعد 9 نيسان 2003 من الأقلام الآشورية التي لا زال حبرها لم يجف ، بالنيل من شعبنا الكلداني والسخرية والتسفيه وكيل التهم وفي أحيان كثيرة الشتائم والتي تعرض لها كل من كان يتجرأ ويلفظ بعبارة كلـــــداني او تنظيم سياسي كلداني او منظمة تحمل اسماً كلدانيـــا ، وإيجاد حالة من الخشية والخوف لدى الكلــــدان حتى ان بعضهم لحد اليوم لا يستطيع ان يجاهر بدعوته للقومية الكلـــدانية خوفاً من تعرضه او تعرض مصالحه الى المقاطعة .
ومثال بسيط لهذه الحالة لقد طبعت بجهودي الشخصية كتابي عن القوش ، وأرسلت بعض النسخ الى امريكا ، وقام بعض الأخوة من الألاقشة المتعاونين او المحسوبين على الحركة الديمقراطية الآشورية بمحاربة بيع الكتاب ، علماً اني حرصت الا يكون في الكتاب أي عبارة تخدش مشاعر أية شريحة عراقية ، لكن مع هذا حورب الكتاب من قبل الأخوة الأعزاء الموالين لحركة الزوعا ، والسبب إنني لا اغازل الخطاب السياسي للحركة الآشورية ، وفي الحقيقة لا أتقن موهبة الغزل ، إن لم اكن مقتنعاً تماماً بهذه المغازلة .
وما دمنا مع الزوعا فإني أشير الى مهرجانها الأخير في دهوك وقبله في كان في السنة الماضية في القوش للأحتفال بعيد أكيتو حيث تقول :
احتفل الاف الآشوريون برأس السنة الآشورية . أقول : اولاً ، ان هذا العيد هو عيد بابلي كلداني ، ثانياً ان المحتفلين لم يكونوا جميعاً أشوريين وهذا يفضح النفاق والأنتهازية السياسية التي تسلكها الحركة في معرض مخاطبتها للكلـــدان بأنها حركة كلواشورية سريانية ، ثم تلجأ الى وصف الجميع بأنهم أشوريون ، إنه حقاً نفاق سياسي مفضوح .
القس عمانوئيل يوخنا
والى اليوم نقرأ نموذج لذلك الفكر الأقصائي في الفكر الآشوري المتزمت حيث نقرأ للقس عمانوئيل يوخنا في معرض كلمته في جمعية الشعوب المهددة التي عقدت في فرانكفورت بألمانيا يقول :
(( ان تاريخ العراق المعاصر ومنذ تاسيسه بعد الحرب الاولى قام على تهميش والغاء مكوناته القومية والدينية حيث شرعت ومورست فيه تشريعات وسياسات فرض اللون الواحد على العراق بكل ما انتجه ذلك من ماس ومعاناة على مختلف الاصعدة، السياسية منها والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، لابناء العراق من الكرد والاشوريين والتركمان والارمن، من المسيحيين والصابئة واليزيديين واليهود حتى باتوا يشعرون بالغربة في وطنهم )) انتهى الأقتباس .
ارى الأب عمانوئيل يوخنا حرص على ذكر كل المكوناة حتى اليهود ، وهذا امر جيد لا غبار عليه . لكن يبدو ان مداد قلمه قد نفذ حينما اراد ان يكتب الكلدانييــــن او الشعب الكلداني او القومية الكلدانية . فالحبر لديه متوفر لكتابة القومية الاشورية فحسب .
اعتذر لأقول لك رابي عمانوئيل يوخنا : إنك لم تتعب نفسك في قراءة التاريخ لأن الشعب الكلـــــــداني لم يكن مهمشاً في تاريخ العراق المعاصر كما تزعم ، لقد كان شعبنا الكلــــداني ممثلاً بمجلس الأعيان بعضو واحد من بين 20 عين من انحاء العراق ، وكان له تمثيله في مجلس البرلمان في معظم الدورات بثلاثة او اربعة اعضاء ، وفي مطلع الخمسينات كان له 8 نواب فكلامك لا يستند على واقع من ان الأقليات كان يجري لها تهميش . أنا احترم قلمك ولا اكتم إعجابي بما تكتبه لكنك تسير في نفس التيار الفكر الآشوري المتزمت العقيم مع الأسف الشديد .
وورد ايضاً في نفس السياق :
(( والشعب الاشوري المسيحي عانى مع شركاءه في الوطن، من الكرد والتركمان، من المسلمين واليزيدية والصابئة، من سياسات النظام السابق القمعية وبخاصة سياسات التعريب وطمس الهوية القومية وازالة البنية التحتية للوجود القومي والديموغرافي لشعبنا وبذلك كان مع عموم الشعب العراقي يطمح الى عراق جديد يقوم على قيم العصر من احترام حقوق الانسان والقوميات والاديان على مبادئ العدالة والمساواة. )) انتهى الأقتباس .
مرة اخرى نسال الأب الموقر عمانوئيل يوخنا : اين شعبنا الكلــــــداني ؟ اعتقد إنك تعلم علم اليقين ان الأرهاب طال شعبنا الكلـــــداني وتمادى الى درجة انه وصل الى رموز شعبنا حيث كان اغتيال المطران فرج رحو . ويبدو ان هذا الشعب عندك وعند المفكرين الآشوريين لا يستحق حتى ذكره في المحافل وأحدها المؤتمر الذي كنت تتكلم فيه في المانيا .
في معرض التعقيب على ايضاح الحركة الديمقراطية الآشورية ورد :
(( وشملت الدعوة جميع المؤسسات والشخصيات الاشورية الفاعلة ومن بينها الحركة واعضاءها في البرلمان الكردستاني. وفي الوقت الذي شاركت فيه جميع الشخصيات الاشورية المدعوة ومن بينهم..)) مرة أخرى يجف مداد قلمك ويلجم عن تلفظ اسم الكلـــــداني رغم إنك تعترف بدعوة جمعية الثقافة الكلدانية لكن المنهج المتزمت المقيت الذي اتخذتم منه منهجاً يمنعك ان تقول الأشوريين والكلـــــدان . ثانياً كل دعواتك هي لجهات آشورية وسؤالي :
ألا يوجد كلدانييـــــن يستحقون ان يظهروا في هذا المؤتمر ؟
يا أخي الفاضل مبروك لكم وللحركة الديمقراطية الاشورية كل المناصب وكل المسؤوليات ، وإن جرت انتخابات سوف نهدي لكم اصواتنا إن كان في برلمان اقليم كردستان او في البرلمان العراقي . لكن مطلبنا الوحيد ان لا تسيروا بالطريق الذي سار به القوميون المتزمتون العرب في اقصاء آلآخر ، نحن كلـــــدانيين وقوميتنا كلدانية ونحن نشكل شعب واحد مع الأرمن والسريان والاشوريين ومستعدين ان نتعاون وأن نتنازل عن كل المكاسب السياسية لكم ، فقط ليس من الأنصاف ان تلجأوا الى إلغائنا يا اشقائنا الأعزاء ، وأنت تجبرني على ترديد المثل القائل ” من له هكذا اصدقاء لا يحتاج الى اعداء .
رابي عمانوئيل الموقر : لقد قدّم آباؤنا ما يمكن تقديمه لكم يوم تهجريكم في مطاوي الحرب الكونية الأولى من معاقلكم في جبال حكاري في شرق الأناضول ، ومنطقة اورومية في ايران الى مخيمات بعقوبة في العراق ، وقدم شعبنا الكلــــداني لكم وللأرمن ما كان باستطاعته تقديمه ، وأحداث القوش عام 1933 كانت نقطة متميزة في هذا الموقف ويقول لونكرك ( العراق 1900 ـ 1950 ) ما يفيد : ان بشاعة ما جرى في سميل كادت هذه المأساة تتكرر في القوش . ( سأتطرق الى تلك الأحداث في مقال خاص ) .
فقط اقول يا رابي عمانوئيل صحيح ان صدام كان يلغي وجودكم القومي ولكن ذلك ليس مبرراً لألغائكم للوجود القومي الكلــــداني في بلده العراق ، فاسمح لي ان اكون اكثر صراحة بأنكم تقومون بنفس ما قام به صدام من إلغاء الآخر ، إنك يارابي تكرر ترقيع مقولة : الكلدان الاشور السريان ، كما تفعل الحركة الآشورية في طرحها المماثل الكلدواشوري السرياني ، لكن غالباً ما تنسون هذه التركيبة فتكتفون بالتسمية الآشورية ، أما الكلدانية لوحدها كالشعب الكلداني او القومية الكلدانية فلا يمكن لقلمكم ان يسطرها رغم ترديدكم لمقولة ضرورة الأعتراف بالآخر ، وهذا برأيي يعتبر نظرة نرجسية استعلائية ، فالكلـــدان ( الأتباع ، ولا أقول العبيد ) يأتي ذكرهم فقط بطريقة ترقيعية بعكس الأشورية التي هي تسمية ( الطبقة الحاكمة او الأسياد ) فتأتي بطريق الترقيع وغالباً هي مستقلة ممثلة لجميع الأتباع .
والدليل على قولي نقرأ للقس عمانوئيل في تعقيبه على ايضاح الحركة الديمقراطية الآشورية يقول :
كنت من قّدم الأقتراح بتنظيم المؤتمر منذ العام المنصرم ، وحيث إني من خلال ما أقوم به من تنسيق للشؤون الآشورية في العراق مع الجهة المنظمة للمؤتمر ( الجمعية الدولية للدفاع عن الشعوب المهددة ) فإنني .. ) أنتهى الأقتباس
المرحوم توما توماس
فقط اقول لرابي عمانوئيل ولغيره من حملة الآقلام الأقصائية وكما قال المناضل توما توماس الذي عملت في فترة شبابي معه ومع الشهيد هرمز ملك جكو لأكثر من خمس سنوات ، بأن كينونة شعبنا الكلداني لا يمكن إزالتها ، فالشعوب لا يمكن إلغاءها بجرة قلم .
يعبر المناضل العراقي الكلداني الألقوشي المرحوم توما توماس عن استيائه من هذه الموقف ،وفي معرض رسالته للأخ نبيل دمان يقول :
(( .. لماذا لا ننطلق من أسهل نقطة في عملنا القومي ونترك موضوع ” التسمية ” حتى يتفق فيه ” الفهماء ” من ابناء شعبنا على تسمية له . نحن شعب مهدد بالأنقراض … ويضيف ابو جوزيف : من الخطأ ان يكون الأتفاق على الهوية او اقناع الناس بتسمية معينة هو شرط ضروري لنهوض العمل القومي … يجب ان لا نتمسك بالماضي دائماً في خلق اسس جديدة لولادة شعب جديد .. إن من يتمسك بالتسمية فقط ولا غيرها حتماً سوف لا يستطيع تقديم شئ لهذا الشعب عدا ما يعمل من اجل سمعته الشخصية …
ويختم توما توماس كلامه قائلاً :
(( إن من هم كلــــــدان لا يمكن تبديلهم بجرة قلم الى آشوريين كما يحلو للأخوة الآشوريين ذلك ، إنه تعقيد للعمل القومي والوحدة وإنها آمال البعض بإحداث انقلاب في التاريخ . إن إصرار الآشوريين على التسمية كما قلنا هي استحالة العمل ووحدة الشعب )) . انتهى الأقتباس .
فبعيداً عن اوهام الألغاء والأقصاء والأحتواء والغالب والمغلوب ، دعونا نعمل بيد واحدة وقلب واحد عامر بالمحبة والشفافية في التعامل والنيات الأخوية الصافية ، هذا هو الطريق الأسلم لخلق ارضية للتعاون الندي المتكافئ بعيد عن التعالي والتعصب .
حبيب تومي / اوسلو