الرئيسية » مقالات » بـدايــات الغـربـة 23

بـدايــات الغـربـة 23

أعتذر لجميع الأصدقاء لهذا الأنقطاع الطويل عن مواصلة هذه الحلقات بسبب ظروفي الخاصة، وأشكر جميع الأحبة على أهتمامهم ومطالبتهم بمواصلة نشر الحلقات.

تتناول الحلقة: زارنبسكي دوسنت وضيع وحالم يقع ضحية الطلبة البعثين. التفاهم مع عميد الكلية گريج وكمينه للطلبة العراقيين لأبتزازهم.

رغم ماعنيته من مشاكل تتعلق بأقامة زوجتي، ومشاكسات شرطة لوبلين وتحقيقاتها معي والتي تطرقت لها في حلقاتي السابقة، تمكنت من أنجاز معظم إلتزاماتي الدراسية التي حددت لي في برنامجي الدراسي من قبل العميد البروفيسور يشي گريج (Jerzy Grycz). ومن خلال أتصالاتي بأساتذتي للأستفهام منهم حول برنامجي الدراسي في موادهم ومناقشتهم بما أنجزته من دراسة كسبت ثقتهم وأحترامهم جميعاً. ولم أعاني أية مشكلة أو سوء تفاهم مع أي أستاذ، وسارت أمور أجتيازي الأمتحانات مع الجميع بسلاسة وحسب تخطيطاتي، ماعدا أستاذين للأسف هما دوسنت زارنبسكي والعميد البروفيسور يشي گريج. الأول كان أستاذ مادتي (البناء العام وفيزياء البناء) وهو دوسنت د. ف. زارنبسكي (doc. Dr. W. Zarębski). عند أتصالي به طالبا منه تحديد المواضيع في كل مادة ومصادرها، طلب مني أن أدرج المادتين في حقل واحد بسجل درجاتي (ألأندكس) مبررا ذلك بتغيير برنامج الكلية وأن المادتين دُمجت في مادة واحدة.
وبدون مقدمات حدثني عن مشروع سيشارك فيه مع أحد طلبته المتخرجين والعائد للعراق، لصناعة مواد البناء والأصباغ وتصديرها للعراق! سألني أن كنت راغبا بمشاركتهم بالمشروع!. أخبرته بأني معارض للنظام الدكتاتوري في العراق ومضطهد سياسياً وغادرت العراق مكرهاً ولايمكنني العودة حاليا، وأن وضعي الأقتصادي سيء لأنقطاع صلتي بعائلتي بسبب الأرهاب الممارس من قبل نظام صدام حسين بحق المعارضين وعوائلهم. لكنه واصل حديثه معي عن مشروعه القادم وكأنه لم يفهم حديثي. إنتهى لقائي معه بتحديد برنامج المواد ومصادر الكتب وتحديد موعد الأمتحان بعد ثلاثة أسابيع، بناءً على طلبي لغرض التحضير الجيد.
بعد ثلاثة أسابيع من التحضير راجعته في مكتبه لأجراء الأمتحان. أعتذر وطلب مراجعته في اليوم التالي لأنه مشغول جداً!. تركت مكتبه متضايقا من تأجيله للأمتحان، وخرجت الى الممر فالتقيت بأدموند تايخربر (Admond Tajchreber) أحد زملائي السابقين في بوتسك والمعيد في الكلية، وحدثته عن موعدي مع زارنبسكي وحجته للتأجيل. وأثناء حديثي معه خرج البروفيسور من مكتبه وشاهدني واقفاً أتحدث مع زميلي، فسألني هل عندي وقت للتحدث معه فأجبته بالتأكيد، وأعتقدت أنه عدل عن تأجيل الأمتحان. دخلت مكتبه وطلب مني الجلوس وسحب كرسيا وجلس قبالتي وكأنه يجلس مقابل صديق. سألني هل تعرف لماذا دعوتك، أجبته بالتأكيد لأجراء الأمتحان فأنا متهيأ ولا أرغب في تأجيله. فقال لا، الأمتحان لآبد من أجرائه وليس الآن، لكن أريد أن أسألك بما هو أهم وأعتقد يهمك وستستفاد منه!. اُحبطت مجدداً، وقلت له تفضل أنا أسمعك. حدثني مجدداً عن مشروعه مع تلميذه المتخرج وأقترح علي مشاركته، وتحدث عن مستقبل المشروع وأرباحه ووو… ولم يزد أية معلومة عما حدثني به قبل ثلاثة أسابيع. كنت أستمع له بضجر، وأعتقد أن هذا البروفيسور الساذج وقع ضحية خديعة أحد طلبة البعثة البعثية المتخرجين. وهو لايختلف كثيرا في طموحه عن كثير من البولون في الغنا وكسب المال. بعضهم يفكر بكسب المال من خلال العمل الجاد والقانوني وآخرون بالأحتيال، وكثيرون منهم يمكن خداعهم بالوعود المعسولة لأنهم شعب طيب وحالم غير واقعي مبهور بالنظام الرأسمالي. أعدت عليه جوابي السابق بعد أن ذكرته بأن حديثه ومقترحه سبق لي وسمعته بكل هذه التفاصيل وأني وضحت له ظروفي. أعتقد أن هذا البروفيسور من خلال علاقته بطلبته من البعثة العراقية* تعود لسماع وعود من طلبته في مشاركتهم بمشاريع وهمية مقابل حصولهم على درجات نجاح أو تساهل في الأمتحان وكان يحسبني أحد هؤلاء. وأعتقد أنه لم يصدق حديثي السابق معه، لذلك أعاد محاولته لأقناعي. بعد أن يأس من إقناعي والتجاوب معه ساد صمت بيننا، سألته مجدداً ألا يمكنني أن أجري الآمتحان الآن، أعتذر وأكد لي مجددا أنشغاله! لم أحاول مناقشته وكشف كذب إدعائه فمثل هؤلاء يحقدون بسهولة. تركت مكتبه وأنا غير مصدق لطريقة تفكير هذا الدوسنت الحالم.
في اليوم التالي قابلته لأجراء الأمتحان كما طلب، بادرني مجددا بالحديث عن مشروعه المشترك مع تلميذه السابق وآفاق تجارته المربحة وأنه سيسافر للعراق بدعوة من تلميذه. كنت أستمع له بضجر وعدم أهتمام ولم أحاول حتى أستيضاحه وتركته يروي لي فقط، وبقي يروي لي أحلامه أكثر من نصف ساعة الى أن لاحظ عدم أكتراثي، فسألني سؤال غريب مفاجيء أثار شبهتي: لماذا أنت هنا وبماذا أخدمك؟! أستغربت من سؤاله، وذكرته بموعد أمتحاني الذي حدده معي قبل ثلاثة أسابيع، ويوم أمس طلب مني تأجيله لليوم لأنشغاله، وها أنذا جأت لأجراء الأمتحان. وسأل مستفهما: أي أمتحان؟ شرحت له وأنا في حالة أستغراب شديد قصتي مع الأمتحانات التكميلية ودراستي الجامعية السابقة. تساءلت مع نفسي هل حقاً أنه لآيتذكر، أم أنه يتغابى، وما هدفه من ذلك؟. أخيرا سألني وهل أنت جاهز الآن ، فأجبته بالإيجاب وشعرت حينها بقلق شديد من نسيانه وبالتأكيد أنه لآيتذكر أي برنامج حدده لي. سلمني ورقة وأملى علي مجموعة من الأسئلة كانت معظمها مشاكل هندسية، لم ألاق صعوبة في الأجابة عليها. بعد أن تفحص أجاباتي وأستمع لتوضيحاتي علق مبتسما بالتأكيد أنك متمكن ومعلوماتك جيدة فأنت مهندس جيد لك تجربتك، وطلب مني سجل الدرجات (الأندكس) لتسجيل نتيجة الأختبار. أثار أستغرابي وقلقي عندما إستلم سجل الدرجات ووضعه في درج مكتبه وطلب مني مراجعته بعد يوم!. كانت العادة جارية في الجامعات أن الأستاذ يسجل الدرجة مباشرة وبوجود الطالب في سجله وهي عملية لآ تأخذ من وقت الأستاذ أكثر من دقيقة. بعد يوم راجعته لأستلام سجل درجاتي لكنه طلب مني مجددا أن أراجعه غداً. وهكذا أستمرت مراجعاتي له ثلاثة أسابيع وسجل درجاتي محجوزاً في درج مكتبه! أخذ القلق يساورني من أسلوبه، وما هو قصده من هذا التأخير، وأزداد خوفي على السجل (الأندكس) فضياعه يعني ضياع وثيقة مهمة لاتعوض إلا بأوراق صادرة من الكلية ولايسجل فيها أسم الأستاذ وليس لها قيمة معنوية مثل الأندكس. تحدثت مع الدكتورة أنا سوبوتكا(Anna Sobotka)، وهي أستاذتي في كلية بوتسك السابقة وتتذكرني بأيجابية جيدة، وشرحت لها كيف أن سجلي سجين في درجه منذ أسابع ويرفض إطلاق سراحه، قلت لها ذلك ضاحكاً، وخوفي عليه من الضياع ورجوتها بحل هذه المشكلة. أستغربت من تصرفه وأوعدتني بالمساعدة، وفعلاً أحضرت لي الأندكس مشكورة بعد ساعة. الغريب أن الدرجة التي منحها لي لآتتناسب مع مديحه لي ولم أكن متوقعا منه هذه الدرجة، المهم زال قلقي بعد أن أصبح الأندكس بحوزتي. وأعتقد أن أحتجازه لسجل درجاتي (الأندكس) وعدم تسليمه لي كان يرمي من خلاله زيارته مع هدية معتبرة، كما يفعل معظم زملائي من طلبة البعثة العراقية، وكلما يراني أثناء مراجعته خال اليدين يؤجل تسليمي الأندكس الى أن أحرجته بزميلته (Anna). ولكن مشكلتي معه لم تنتهي بحصولي على الأندكس ومنحي درجة نجاح ولو بأقل مما أستحقه وأنما عاد وحاول أثارة مشكلة لي بعد أكثر من سنة ونصف، وسوف أتطرق لها في حديثي القادم عن تداعيات مشكلتي مع الأستاذ الثاني البروفيسور گريج عميد الكلية في الحلقة 25.
مع ربيع عام 1987 لم يتبق أمامي من الأمتحانات غير أمتحان مادة تحمل المواد (Wytrzymałosć materiałów) وأنجاز مشروع الماجستير. أخترت موضوع دراستي للماجستير تصميم لمدخنة من الخراسانة المسلحة بأرتفاع 76 متر وبأشراف د. يان يارگوو (dr. Jan Jargiełło) أستاذ مادة الخراسانة المسلحة.
بدأت بالتهيؤ لأنجاز مشروع الماجستير والتنسيق مع أستاذي المشرف الدكتور يان يارگوا في وضع الخطط ومفاصل المشروع وشروطه التقنية وأختيار مصادره. سارت أموري في تنفيذ وإنجاز مشروعي بسلاسة بفضل تعاوني وتفهمي الجيد لتوجيهات أستاذي المشرف. كانت ثقة أستاذي المشرف جيدة بحساباتي وطريقة معالجتي وحلولي للمشاكل التقنية والحسابية في المشروع، بحيث نادراً ماكان يدقق طريقتي في أجراء الحسابات الأنشائية وكان يبدي أعجابه وأرتياحه من نتائجي.
بعد أن أنجزت الحسابات الأنشائية للمشروع ولم يبق أمامي غير إنجاز المخططات الهندسية (الرسومات)، شددت العزم لأجتياز مادة تحمل المواد، وهي إحدى مواد الصف الثاني المهمة والرئيسية. ولم أكن حينها أعرف دوافع العميد لأضافة هذه المادة لبرنامجي الدراسي، فقد أضافها بالرغم من أجتيازي لها بتفوق في دراستي السابقة وحصولي فيها عام 1972 على درجة 4,5 جيد جداً.
كعادتي في إنجاز جميع أمتحاناتي، راجعت أستاذ مادة تحمل المواد العميد البروفيسور يشي گريج (Jerzy Grycz) ، وبعد أن شرحت له وضعي الدراسي وما حققته من إنجاز أمتحاناتي وتقدمي في إنجاز المشروع بفترة قياسية، طلبت منه أن يحدد لي المواضيع التي يجب عليّ أجتيازها ومصادرها وتحديد يوماً لأجتياز الأمتحان. لم أكن أتوقع خلال مرحلة أنجاز دراستي للماجستير أن الأستاذ الثاني الذي سيسبب لي مشكلة كبيرة كادت أن تضطرني لترك دراستي هو عميد الكلية ذاته البروفيسور گريج. نظر الي مندهشاً وكأنه سمع كلاماً غريباً وهو يتابع أوراقا بين يديه، وقال دون أن ينظر اليّ: مادتي غير موجودة بأي كتاب! وعليك أجتياز كل المادة!. أجبته بأستغراب وحذر: كيف ذلك، وقد سبق وأن درستها وأجتزتها بدرجة جيد جداً، بالتأكيد هناك مواضيع مكررة لآحاجة لأعادتها أما المواضيع التي لم يسبق لي دراستها فلا بأس من دراستها الآن، ولكن بالتأكيد ليس كل المادة! رد عليّ بتحدي وإنزعاج ظاهر ودون تردد: لآ يجيب أن تعيد كل المادة، ومن المستحيل أن تكون قد أطلعت عليها من قبل، هذه المادة أنا الوحيد في بولونية أدرسها، ولن تجد أي مصدر لها في كل جامعات بولونية!. سألته: ولكن كيف لي أن أدرسها الآن وأتهيأ للأمتحان دون أن أعرف مصادر المادة. أجابني مبتسما وكأنه أنتصر في حواره: يمكنك مراجعة مساعدتي الماجستير ستوجينسكا (Stócinska) لتعطيك دروسا خصوصية، وأخبرها بأني أرسلتك لها!. كان هذا ملخص مادار بيني وبين أستاذي عميد الكلية گريج، وأنا أقف أمامه مندهشاً غير مصدق لمنطقه وطريقة تفكيره المتعجرفة. فجميع أساتذتي حددوا لي بعض المواد التكميلية والتي يرون ضرورة دراستها مجدداً، وهي مواد لا تصل الى 25% من البرنامج الدراسي لأنهم يعلمون بسعة برنامجي السابق ونواقصه إن وجدت.
أستسلمت مضطراً لمقترح العميد المفاجيء، وفضلت أن أستطلع الموضوع قبل أن أذهب للسيدة ستوجينسكا (الأستاذ المساعد). أتصلت بطلبة الصف الثاني من العراقيين وجميعهم من البعثين، وسألتهم عن مادته ومصادرهم التي يعتمدونها. الجميع بما فيهم الطلبة البولون أخبروني أن المعلومات التي يلقيها في محاضراته لآتوجد في أي مصدر ولا يفقهوا منها شيئا! ومن تحقيقاتي علمت أن جميع العراقيين يصلون للسنة الخامسة وهم مازالوا لم ينجزوا أمتحان مادته، حينها يضطرون لحل المشكلة بطرقهم الخاصة ….! فهمت بيت القصيد، فهو يحاصر فقط طلبته العراقيين من طلبة البعثة الحكومية بمادته الغريبة هذه، والتي لآيوجد لها مثيل ولا أي مصدر في كل بولونية. ويسمح العميد لطلبة البعثة العراقية بالعبور ثلاثة مراحل دراسية (الثاني، الثالث والرابع) حتى يصلون لسنة التخرج (الخامس) دون أن ينجزوا الأمتحان بمادته. وينكبون طلبة البعثة لأنجاز مشاريع تخرجهم وهم مطلوبين مادة من الصف الثاني!. ويبقى الطالب في خيار صعب، أما أن تضيع كل جهوده خلال السنوات الخمسة ويخسر دراسته، أو أن يفعل المستحيل من أجل إجتياز أمتحان المادة. ومن خلال علاقاتي مع الطلبة البعثيين العراقيين وأكتشافي مدى ضحالة مستوياتهم الدراسية صرح لي بعضهم أن الوسيلة الوحيدة لأجتياز المادة دون وجع رأس أن تدفع رشوة باهضة (500-1000) $ عن طريق مساعدة العميد ستوجينسكا!.
لآبد من الأشارة الى أن هذه المادة في كليات الهندسة تعتبر مادة مهمة ورئيسية، ولم أسمع مطلقاً بأن تسمح إدارة الكليات في جميع جامعات بولونية بأن يعبر الطالب حتى للصف الثالث دون أن يجتاز هذه المادة. والغريب أن في كلية الهندسة المدنية في لوبلين سمح العميد البروفيسور گريج أستاذ المادة بأن يبق طلبته من العراقيين فقط (وليس البولون أو العرب) متخلفين في هذه المادة حتى الصف الخامس! لأنه كان يعرف أن الطلبة العراقيين وجميعهم من البعثيين متمكنين مالياً ومستعدين للدفع مستفيدين من المنحة الحكومية الشهرية والمساعدات المالية التي تصلهم سنويا.
طلبت من بعض الطلبة البولون ملاحظاتهم التي يدونونها أثناء المحاضرات، وقد شكوا لي صعوبة المادة وعدم أستيعابها أو توفر مصادرها، وأنهم يضطرون لأعادة الأمتحان أكثر من مرة، وأجابتهم ونجاحهم لايدل على أستيعابها وأنما هم يحفضون المعلومات كالقصيدة. راجعت مساعدته ستوجينسكا بعد أن عجزت عن إيجاد بديل عنها، فجميع الأساتذة بما فيهم الأساتذة الآخرين المساعدين لگريج أرشدوني للأستعانة بستوجينسكا. أستقبلتني ستوجينسكا بترحاب وكانت على علم بمشكلتي، وأبدت أستعدادها بأعطائي المحاضرات الضرورية. سألتها عن المصادر، هي الأخرى نفت وجود مصادر وأن المصدر الوحيد محاضرات البروفيسور. سألتها عن كلفة الساعة الواحدة من دروسها الخصوصية، أبتسمت وأجابت بغموض لآتكلف كثيراً، مايهمك أن تتمكن من المادة لأجتيازها!. كنت في وضع حرج وفشلت في إيجاد محاضرات مدونة بوضوح وكاملة لدروس البروفيسور گريج كي أعتمد عليها ولذلك كنت مضطراً للأتفاق معها.
كان الطلبة في تلك الفترة يدفعون في الجامعة عن ساعة التدريس الخصوصي بحدود 600 زلوتي أي مايعادل دولار أمريكي، وخلال دراستي لم أصادف أستاذاً يمارس التدريس الخصوصي إلا في كلية الهندسة المدنية بمدينة لوبلين، بالرغم من منع القوانين الجامعية منعا باتاً أن يقوم بهذه المهمة أستاذ المادة أو مساعديه. فكرت مع نفسي بأني محاصر ولايوجد عندي خيار آخر، وبالتأكيد أن سعر الساعة سوف لايكلف أكثر من 1,5 $ في كل الأحوال ، وأني واثق من قدراتي بأستيعاب المادة بسرعة أعتمادا على معلوماتي السابقة.
أتفقت مع ستوجينسكا لتدريسي خمسة ساعات إسبوعياً، لكن ساعاتها لم تكن ذات قيمة نظرية، بل كانت تركز على حل بعض المسائل الرياضية. وأعترضت على ذلك لأن المسائل الرياضية يمكنني أنجازها في البيت ولا داعي لمضيعة وقت المحاضرة فيها، لكنها كانت تصر أن هذا هو الأهم، والأهم أجتيازي الأمتحان. قلت في نفسي لآبد أنها قد تناقشت مع البروفيسور وتعرف مايريده من طلبته والأفضل أن أتبع نصائحها وأتقبل طريقتها بالتدريس. كانت أثناء تدريسي تستفسر عن وضعي وحياتي في بولونية وكيفية تدبير معيشتي مع عائلتي. رويت لها حكايتي وأنقطاعي عن عائلتي، ولايوجد لي موردا ماليا وأني أعيش مع زوجتي في القسم الداخلي بسبب ضيق الحال. وكنت أعطف حديثي معها عن وضعي المالي في تكرار سؤالي لها عن تكاليف دروسها، فكانت تؤكد لي أنها لاتكلف الكثير وأن أستيعابي للمادة جيد وسريع، والمهم ليس ماتكلفني وأنما أجتياز الأمتحان. بعد أربعة أسابيع حدد البروفيسور موعدا للأمتحان، وأقترحت ستوجينسكا أن تجري لي إختباراً لمعرفة مدى أستيعابي للمادة قبل المشاركة بالأمتحان. ووجدت المقترح جيد ووافقت على مقترحها، وأجرت لي الأختبار قبل أسبوع من موعد أمتحان البروفيسور، وكانت نتيجة أختبارها لي مشجعة، وأكدت لي أن بمعلوماتي هذه سوف لاتقل درجتي عن الجيد.
بعد هذا التطمين والأختبار، سألتها كم سأدفع لأتعابك، أجابتني 450! لم أفهم جوابها هل تقصد 450 زلوتي فهذا مبلغ تافه جدا، أم 450 ألف زلوتي وهذا مبلغ ضخم جدا يساوي 750$ أم أنه 450$ فهو الآخر كبير لايتناسب مع عدد ساعات دروسها الخصوصية!. سألتها مستوضحا كم وبأي عملة؟ فأجابتني ببساطة ودون حذر: أنتم الأجانب لاتدفعون إلا بالدولار، فلماذا تسأل!. سألتها كيف حسبت سعر الساعة، فأن ساعتي لم تتجاوز 20 ساعة. أجابتني بما معناه: أني لم أثمن محاضراتي على أساس الساعة وأنما المعلومات التي وفرتها لك لآيمكنك الحصول عليها من أي مصدر أو أستاذ آخر!. أدهشني جوابها وهي التي كانت تتهرب طول الوقت من إخباري بكلفة ساعاتها، وكانت طول الوقت تتظاهر وكأنها حريصة عليّ، وأن حديثي معها حول ظروفي المالية لم يثير شفقتها أو حتى تحفظها لتصارحني منذ البداية بتكاليف دروسها كي أحسم قراري. شعرت بكمين البروفيسور ومصيدته ستوجينسكا، وأن لامفر من دفع المبلغ وإلا سيكون الفشل حليفي، وفهمت دوافع البروفيسور في عدم توفير المصادر لطلبته.
بعد التأني والتشاور مع زوجتي قررت أن أسلمها جزء من الملغ قبل الأمتحان بيوم بحجة عدم توفره حاليا وأني سأدفع البقية بعد توفيره. سلمتها 50$ دولار ووضحت لها بأني سأحاول الأقتراض لتوفير البقية. أبدت أنزعاجها وتذمرها وقلقها لعدم دفعه وجبة واحدة، فقلت لها لست أنا المذنب في ذلك، سألتك أكثر من مرة عن التكلفة، ولو أجبتيني حينها لتمكنت من تحضير المبلغ أو أرفض الدروس وأعتمد على نفسي، فهذا مبلغ ضخم أعجز عن تدبيره وأقتراضه من شخص واحد. الحقيقة كنت قادرا على دفع المبلغ ولكن بعد أن أكتشفت أسلوب البروفيسور مع طلبته العراقيين وأخيرا معي أقتنعت أن المبلغ عبارة عن رشوة لآ أكثر، وقررت مع نفسي عدم الدفع والمماطلة حتى لو أدى ذلك لفشلي النهائي وترك دراستي.

*- سبق وأن أشرت في إحدى حلقاتي السابقة كيف أقدم النظام البعثي العراقي على أرسال مجاميع من (الطلبة) بعد عام 1978 للدراسة في الدول الأشتراكية سابقاً بعضهم على حسابهم الخاص وبعضهم الآخر كمنح دراسية، ومعظمهم من الفاشلين دراسياً والبلطجية والكثير منهم ممن أنتمى لسلك الشرطة والمخابرات لفشله بالحصول على مقعد دراسي في الجامعات العراقية. وكان الهدف من هذه السياسة إظهار منظمتهم الطلابية (الأتحاد الوطني) بمظهر المنظمة ذات القاعدة الجماهيرية، وأستغلال هؤلاء لفك عزلتهم عن المجتمع الطلابي في بولونية وممارسة الأعتداء على طلبتنا لأرهابهم، ونشر الفساد والتخريب في الدول الأشتراكية.

السويد/كربلاء/العباسية الشرقية