الرئيسية » مقالات » إسرائيل – القمع و التفوق : وهم المضًطهدين……..

إسرائيل – القمع و التفوق : وهم المضًطهدين……..

لإسرائيل جانب آخر , وجه آخر قلما نعرفه نحن ضحايا هذا الكيان , هو ما تمثله من أمل لليهود لهذه الفئة من الناس الذين تعرضوا لاضطهاد مستمر طويل..تعرفت على بعض جوانب هذا الحلم بالحرية من كتابات و تصرفات بعض أنصار الحرية في هذا العالم..كان هذا مثلا موقف آينشتاين من دولة إسرائيل حتى أنه قد ترك كل مكتبته الكبيرة لصالح جامعة القدس العبرية , و هذا كان أيضا موقف سواه من المثقفين اليهود الديمقراطيين الذين هالهم رعب و فداحة المذابح التي تعرض لها اليهود في الحرب العالمية الثانية..في الحقيقة يمثل اليهود بشكل أكثر من أية أقلية أخرى حقيقة موقف أوروبا من الآخر, القائم على المركزية الأوروبية , بدأ اضطهاد اليهود في وقت مبكر جدا , قبل هتلر بقرون طويلة , و كانوا مع المسلمين مثلا الضحية الأولى لمحاكم التفتيش التي كانت مهمتها الأولى فرض الإيمان الصحيح على الهراطقة , كان ذبح اليهود و الاستيلاء على ممتلكاتهم عادة درج عليها الإقطاعيون الأوروبيون و تبعتهم قوى سياسية يمينية متطرفة , مارس هذه العادة أيضا الحرس الأبيض في روسيا و أوكرانيا في غضون الحرب الأهلية التي تلت الثورة في روسيا عام 1917 حتى أن الحرس الأحمر قد اتهم أيضا بالقيام بها..كان اليهود أيضا ضحية اتهامات بالعمالة للخصم , كان هذا الرهاب قد أدى بأحد الضباط الفرنسيين اليهود إلى السجن بتهمة الخيانة العظمى مع نهاية القرن التاسع عشر , أو ما عرف بقضية دريفوس , حتى أطلق سراحه بعد حملة واسعة شارك فيها أساسا الاشتراكيون و بعض المثقفين الديمقراطيين مثل أميل زولا..عندما حط اليهود البولنديون و الألمان و سواهم رحالهم على شواطئ فلسطين هاربين من لظى التطهير العرقي كانوا يعتبرون أنهم قادمون إلى الحرية..سرعان ما حققوا “استقلالهم” بعد صراع قصير لكن دموي مع البريطانيين , و سرعان ما بدؤوا يفعلون تماما ما كان يفعله جلاديهم عبر قرون , امتشقوا السلاح لذبح الفلسطينيين و تهجيرهم , تحول ضحايا الغستابو و الفاشيين بسرعة إلى قتلة..إن إسرائيل اليوم دولة متقدمة تقنيا بصورة هائلة , و إن كانت تعيد إنتاج كل إشكاليات النظام الرأسمالي , لكنها قبل كل شيء كبلد تقوم على قتل الآخر , على ذبحه , على استئصاله و إلغاء إنسانيته و اضطهاده , إنها فاقدة الأمل بالغد بشكل تام تقريبا , إنها محاصرة بالأعداء من كل جهة , و حتى السلاح النووي و الدعم الأمريكي و الاستسلام الكامل من النظام العربي الرسمي لا يمكنه منحها إحساسا بالثقة بالغد..انقلب اليهود من ضحية إلى جلادين في فترة استثنائية , و حققوا تفوقا هائلا على “عدوهم” المفترض الذي كانت مهمتهم الأولى تتمثل في قمعه و اضطهاده و ذبحه , لكن هذا لا يبدو أنه قادر على الاستمرار إلى ما لا نهاية , إن هذا الكائن الذي يقوم على اضطهاد الآخر حتى درجة تدميره المستمر و الكامل يواجه في لحظة ما خطر إلقائه في البحر , إن اللحظة التي تخلق حالة رعب مرضية لهذا الشعب الوافد إلى فلسطين باحثا عن ما قيل له أنه حريته هي اللحظة التي سيصبح فيها خصمه الذي مارس اضطهاده دون توقف قادرا على الدفاع عن النفس , قادرا على الانتقام من جرائمه , قادرا على استئصاله هو نفسه , مادام استئصال الشعب المضطهد غير ممكن حتى الآن..ينشأ الاضطهاد عن ظروف موضوعية تتصل بسيطرة أقليات نخبوية اجتماعية تحتم وجود علاقات اضطهاد قومية و عنصرية و طائفية , لكن ممارسته تحتاج إلى دق إسفين بين الضحية و الجلاد , إلى تصوير الضحية على أنه كائن دوني , مستحق للقتل و للتعذيب و للاضطهاد , و إلى تعميد عملية القتل و القهر و الاضطهاد هذه بزيت مقدس , سماوي أو أرضي لا فرق , و أولا و قبل أي شيء آخر إلغاء إنسانية الضحية في نظر الجلاد , و إلغاء إنسانية الجلاد نفسه في اللحظة التي يقتل فيها ضحيته..تتغير اليوم أيضا خريطة الاضطهاد القومي و الطائفي و الأثني في الشرق , هذا يحمل مخاطر ظهور جزر تشبه , و لو بشكل ممسوخ و أقل كفاءة و فعالية و بالتالي أكثر فظاظة و دموية و أقصر عمرا , هذا البلد الذي حول كل ذكريات الاضطهاد الطويل تاريخيا لفئة ما إلى أساس لقمع و اضطهاد الآخرين , بلد مهدد باستمرار بمجرد أن يصبح ضحيته قادر على الدفاع عن النفس..إن الشوفينية القومية و التكفير الطائفي هي الطريق لاضطهاد الآخر و إقامة حالات جديدة و متوالدة من القهر و الاضطهاد , يمكن أن تقوم هذه الحالات بسهولة بالفعل اليوم , أو الأصح أن تعاد صياغتها من جديد , خاصة مع وجود اضطهاد قومي و طائفي و عرقي واقع بالفعل على الآخرين , هذا هو الشكل الأساسي للدولة في مجتمعاتنا حتى اليوم..إن اضطهاد الآخر يصور بالنسبة لمقهوري الأمس على أنه “تحقيق للحرية” يعني باختصار إعادة إنتاج اضطهاد الإنسان للإنسان وصولا إلى اللحظة التي ينتصر فيها الإنسان على كل مبررات اضطهاد الآخر و يكتشف أن خلاصه يكون بخلاص أي إنسان مضطهد و مقهور على وجه الأرض , أي إنسان دون استثناء……….