الرئيسية » الآداب » الثورة والانسان والتجدد

الثورة والانسان والتجدد

يبدأ الشاعر مستهل قصيدته بوصف ايقاعي جميل يصف فيها الترنيمة الحركية ما بين الطبيعة وحركة الانسان في تشابك وجداني عاصف فهو ينطلق من زغاريد نوروز ليرسم الحلم الواسع في امتدادها التطوري الى مستشرفات الكمال..
عند الظهيرة عند منتصف النهار
عند الظهيرة حين كانت حزمة الشمس الجميلة
تقدح جمر نار
عند الظهيرة والنساء قوافل
تطوي الدروب تشق اردية المدى
تمضي الى جني الثمار
تمضي الى حيث الينابيع التي
من اجل نوروز استحالت كالبحار
التركيب البنائي في القصيدة يتميز بالوضوح وتنم عن طاقة شعرية قادرة على تصور الاشياء والاشخاص تصورا جدليا يثير غنج الانفعالات الوجدانية مع سحر الطبيعة.
فنوروز هو الفرح الكوردي السرمدي على مر العصور وكم ستصبح هذه الفرحة عائمة حين تتسع لتشمل كل شيء حيث تتحول الينابيع الدافقة الى بحار تفيض وجدا ثم ينتقل الشاعر لوصف حجم المأساة عبر نقل لوحات صورية مؤثرة وصادقة تجسد ابعاد ملحمية فهو يعكس لنا لوحة تتكشف تنويعاتها على نحو من العنف يهيج الانفعالات الوجدانية ويستصرخ العمق الانساني المتجدر في الانسان حيث هو الانسان وميله بطبيعته الفطرية الى حب الخير واستنكار الشر والعدوان فضلا عما تبعثه الحروب في الناس والطبيعة من فجائع وخرائب واهوال ولم يترك الشاعر منظار رؤيته في وجه من وجوة الطبيعة وانما انتقل بها ليرسم باقي اجزاء لوحته التي ابان من خلال تمازج الذاتي والموضوعي عمق الجريمة الناقدة بحق الوجود من خلال الطبيعة والانسان ويعري الدخيلة الكامنة وراء قوى الشر واصفا كيف ان السموم قد شوهت معالم الحياة وكل شيء..
وفجأة اعلن في حلبجة الحصار
واصبحت حبيبة تذرف دمعا ودما
غلفها البكاء.. صارت السماء غيما
والغيوم اصبحت تمطر سما قاتلا
عانقها من كل جانب سوار
وجاء نوروز.. ولكن فوق اكوام القتلى
وصارت حلبجة نجمة تنضح سما ودما وبكاء
وبعض اشعارنا رثاء
صارت نجمة تدور في هذا المدار
شاهدة على قبح العالم
تحمل في احدى عينيها
وشم السموم.. وفي الاخرى علامة انتصار
ان مأساة هذه المدينة المفجوعة بابنائها ينطلق الشاعر بنا بعيدا في سفره موضحا (قبح العالم) الذي لم تحركه حينها عاصفة الاحداث وهول المجزرة البشرية ومدى الجريمة النتنة التي تسفر عن احقاد بشرية دفينة عدوانية تكره حرية الحياة وتتصدى لسموها على مختلف الصعد.. فالصورة الفسيحة للحب والعالم الرحيب غدت فسحة ضيقة ليس فيها متنفس سوى اكوام القتلى المنتشرة في الطرقات حيث الامهات والاباء مع اطفالهم في عناق ابدي.. والاطفال فرادى مع لعبهم حيث لم يكونوا ليعلموا بانهم على موعد مع اسوأ اقدارهم.. بهذه الفواجع والمآسي استقبلت المدينة الفرح النوروزي.. ومع هذه التراجيديا المؤلمة الطافحة باسى انساني لم ينس الشاعر من تذكيرنا بان قضية الانسان والشعوب مآلها النصر برغم التضحيات والدموع وبان تآلف النقائض وبالشكل الذي تنمو فيه الماساة في صعيده لتصل منتهى الفجيعة لن توقف ارادة الثورة والحياة… وفي صور شعرية حية مفعمة بالارادة والتصميم على تغير وجه الحياة مهما حاول اعداء الحياة من التصدي ومحاولة سحق ابعاد الوجود كي تعصف بالاعصاب الفولاذية ريح الانخذال والانهزام.. فنحن ازاء قصيدة شعرية متكاملة الملامح تتخذ من الصيرورة النضالية والحياتية المنطلقة من الايمان العميق بقضية الانسان بعدا محوريا لها ثم ترسم التشظي الرائع لارادة الخير والفعل عبر تعدد الابعاد المختزلة لحالات زمنية ومكانية واستداء كل ذلك الى مسرح التاريخ الشاهد ليتحول الى مخزون هائل من الطاقة والامل الذي يحول الحجارة الى رصاصة… واثار الجريمة الى بنفسج وزنابق قطعوا هواء العالم عن اطفالنا
فتعلم الاطفال فن الرمي بالبنادق
هدموا القرى.. اخلوا البيوت
فتعلمنا فن بناء الكمائن والخنادق
سرقوا كتاب (مه م وزين(
فصار كل واحد منا.. من اجل حبيبته الكوردية
يجعل قلبه نبع عشق وحرائق
امطروا علينا السم القاتل
لكن السم اورد في حلبجة ريحانا
وبنفسجا وزنابق
ثم يعود بنا الشاعر في فضاء قصيدته ليحول الحدث الى انتفاضة انسانية عارمة في وجوه الظالمين وليضيف منطق العمل الثوري والارادة الى التاريخ النضالي الناصع المختزن في الذاكرة الانسانية وتفتح دلالات وجدانية كبيرة في ابعادها وحسها الانساني تحلق في سماء جديدة ملؤها الحب الذي يستمد عناصره من شخصية الانسان الكوردي المتسامية فوق جحيم الاحقاد وحيث تتفتح في القلب والعقل نبع من الضياء الموجه الى مطارح الخصب والتجدد والتطور الخالقة لصيرورة القضية وافاقها وانسانيتها العاشقة للحرية المتجددة بدماء التضحيات.. ثم يشير الشاعر الى المحطات والرموز الكوردية التي تقف بشموخ فوق ذرى كوردستان تتحدى الفواجع وتثبت للتاريخ ان الكورد امة حية لا تموت وان بحيرات كوردستان الزرقاء مصدر للخصب والانماء ورفد الحياة بطاقات متجددة.. وان دفق المياه تدمل الجروح وتدفق موجات الحب والسلام في شرايين الحياة..
طفل اعمى… رجل يلتف بطفلته
ورضيع يبحث عن ثدي..
يهديه بعض حليب.. بعض حنان
واب شيخ يتحجر في عينيه الدمع
وتسحقه الاحزان..
والطفلة ذات الشعر الاشقر ترقد نائمة
وبعينها نوروز كان سيأتي
يهديها بعض قطع الحلوى.. او شال او فستان
…..
وغدا سازور بحيرة (وان(
وسأغسل كل جراحاتي..
وازور ضريح العشق الكوردي المدفون هناك
بحضن جزيرة بوتان
وسادعو اطفالي الموتى
ان ينتفضوا كي يشهد هذا العالم كيف سنبني
من جثث القتلى وطنا
سنظل نسميه كوردستان

التآخي