الرئيسية » مقالات » هذا الشبل من ذاك الأسد..( الشهيد قيود كاظم الجاسم)

هذا الشبل من ذاك الأسد..( الشهيد قيود كاظم الجاسم)

في المسيرة النضالية لحزبنا الشيوعي العراقي،برزت العديد من الأسماء اللامعة في سماء العراق،وأخذت مكانها المناسب في ضمير الشعب العراقي،حتى أصبحت مضرب المثل ونسجت حولها الكثير من الحكايات والأساطير،ومن هؤلاء شهيد حزبنا ،القائد الشيوعي كاظم الجاسم أبو قيود،الذي تناولنا محطات من حياته في مقالات سابقة لم تكتمل بعد،وما أصدق المثل الذي يقول (من شابه أباه فما ظلم) فقد كان لهذا المناضل الكبير تأثيره على أسرته وقريته التي وسمت بأسمه وأعطيت الصبغة الشيوعية حتى أطلق عليها موسكو الصغرى،وأطلق على عائلته الاسم المحبب إليها “الشيوعية”لما قدمت للحزب من خدمات لا زالت ندية في أذهان الشيوعيين في العراق عموما والفرات الأوسط بشكل خاص،ولا زالت أحاديثه وذكرياته طرية على الألسن تداولها الناس بإكبار واحترام،فكانت هذه العائلة ولا زالت سائرة في دربها الشيوعي الطويل ،لم تثنيها الصعاب أو تعيقها الأهوال أو تردعها المداهمات والمطاردات والسجون،وسوف نتناول في حلقات لفيف من أبناء هذه الأسرة ممن كان لهم أثرهم في النضال الوطني لسنين ،ولا زالوا سائرين في درب الحزب وطريق الشيوعية،رغم تغير العهود والأزمان،ولسان حالهم يقول (تندار الدنية وذاك آنه).
وفي هذه الحلقة سنتناول حياة شهيد حزبنا الشيوعي العراقي (قيود كاظم الجاسم)،ذلك المناضل الجسور الذي كان شعلة من النشاط والحيوية،ومثالا للبسالة والأقدام،الذي وسم به نضال الشيوعيين العراقيين،رغم أن الغالبية منهم اعتمدوا طريق النضال السلمي لتحقيق أهدافهم في التحرر والأنعتاق،إلا أن هذا الرفيق بما جبل عليه من روح اقتحامية لا تعبأ بالأخطار،وما يحمله من عنفوان ثوري وجرأة منقطعة النظير ،بما تربى عليه في قريته من مثل وعادات وتقاليد تحبذ العنف وتؤمن بالقوة جعله صداميا من الطراز الأول،يؤمن بالكفاح المسلح في المواجهة والنضال،ضمن مسيرة الحزب الشيوعي،فكان مقداما لا يرعبه أزيز الرصاص،أو (زركات)القوى الأمنية،فيعالج الموقف بسلاحه الذي لا يفارقه في حله ورحاله،فكان الصورة الثانية والجانب المكمل لوالده الراحل صاحب الشخصية المحبوبة المسالمة المؤمنة بالسلم والتحرر والديمقراطية.
ولد الشهيد في قرية البو شناوة عام 1949،وكان الابن البكر لوالده الذي يكنى بأبي رزاق قبل أن يولد،وجاءت تسميته ب(قيود) لإلقاء القبض على والده قبل ولادته،وهي المرة الأولى التي يتمكن الشرطة من ألقبض عليه،لما عرف به من يقظة وحذر وحس أمني، جعله بمنأى عن الخطأ الذي يوقعه بالاعتقال كما تطرقنا إليه في حلقات سابقة،وفتح قيود عينيه في أسرة متعلمة على جانب من الثقافة والمعرفة بما يدور حولها،ولها مبادئها الراسخة وأيمانها المطلق بالشيوعية فكرا وممارسة وسلوكا،فشب ونمى على هذه المبادئ،وانغرست في عقله الباطن،وأصبحت مدار تفكيره،وحددت مسارات حياته التي لا يريم عنها فكاكا،فكان شيوعيا بالولادة وطنيا بالفطرة فلا غروا أذا أصبح في مقبلات أيامه على هذا الجد والنشاط المفعم بالثورية والمبدئية العالية والصلابة التي لا تلين.

ولأن والده من المتنورين المتعلمين،فقد أرسله للدراسة في مدرسة الإبراهيمية الابتدائية التي تبعد عنها قليلا،وكان جل معلمي المدارس في تلك الفترة من اليساريين أن لم يكن من الشيوعيين،فكان محط اهتمامهم وإعجابهم ورعايتهم لما لأسرته من صيت وسمعة شيوعية، وكان من المتميزين في الدراسة والألعاب الرياضية لنشأته الريفية فكان سباحا ماهرا،ورياضيا معروفا،ويتمتع بجسم رياضي وقوام فارع زاده التمرين والممارسة قوة ومتانة،وما أن أنهى دراسته الابتدائية حتى أنتقل للمتوسطة لإكمال دراسته ،وهناك تفتحت أمامه بواكير حياة جديدة ،فقد شارك في البطولات الرياضية التي كانت تعيرها المدارس اهتمامها ،و شارك في فريق السلة والطائرة وكرة القدم،ولولعه بالرياضة فقد جلب (شفل) على حسابه الخاص وقام بتعديل مساحة واسعة من أرض القرية أنشأ عليها ساحة لكرة القدم،وعمل على جلب شبكة للكرة الطائرة،فكان أن التف حوله شباب القرية يمارسون لعبتهم المفضلة،مما جعله في المقدمة من شباب القرية ومحط اهتمام الجميع ،ولوسامته وشكله الجميل وقوامه الفارع كان محط أنظار الفتيات،مما جعله يتعلق بحب واحدة لم يكن لأبيه رأي في الزواج منها لما يخشاه من مصير لولده بسبب وضعهم المحفوف بالمخاطر مما أثر على نفسيته بشكل ما وجعله متمردا حانقا يثور لأتفه الأسباب.
وما أن اطل عام 1963 بوجهه الكالح حتى حدث انقلاب شباط الأسود،وبدأت المعانات الحقيقية أو المدرسة الأولى للشباب الجديد لينصهروا في بوتقة النضال،فعندما عجز الحرس القومي عن إلقاء القبض على الشهيد كاظم الجاسم قام عشرات المرات بمداهمة دار الأسرة والبحث في بساتينها ودورها بحثا عنه،ولإرغام والده على التسليم فقد قامت مجموعة من الحرس القومي الأوباش بإلقاء القبض عليه،لمساومة والده على الاستسلام،لأنه كان يشكل نواة التنظيم المسلح الذي اقض مضاجع الحرس القومي وامتد في أرياف الفرات الأوسط،وكان له دوره في إيقاف الهجمات ومواجهة القوى البعثية في مداهماتها المستمرة،ورغم المداهمات العديدة إلا أنهم لم يتمكنوا من ألقاء القبض عليه،فكان اعتقال قيود وسيلة للضغط على والده لتسليم نفسه، إلا أن القضية التي يناضل من أجلها فوق العواطف والمشاعر،فأطلق سراحه بعد أن عذب تعذيبا تقشعر له الأبدان،وتواصلت الاعتقالات بين فترة وأخرى دون أن يتمكنوا من الإمساك بوالده وكان أخرها قبل سقوط الحرس القومي بأيام، حيث تعرض لتعذيب شديد،وقاموا بكي جسده بالمكواة في قصر أنور الجوهر الذي أتخذه الحرس القومي مقرا لهم،وبعد انقلاب عبد السلام عارف كانت القوى الأمنية تواصل مداهماتها للقرية بين فترة وأخرى بحثا عن أبي قيود،فكانوا يعتقلونه بدلا عنه،وتكرر الأمر عدة مرات،وبذلك فقد صقل عوده وتمرس بالنضال ليأخذ دوره بين المناضلين.
ورغم انشغاله بالدراسة ونجاحه فيها،إلا أن والده أرسله للدراسة في إعدادية الزراعة في الديوانية لأبعاده عن محيط القرية،وفي الديوانية كان له نشاطه الدءوب في اتحاد الطلبة العام،حتى أطلق عليه زملائه (الثوري) لما يتمتع به من روح هجومية لا تعبأ بالأهوال،وكثيرا ما أثار سجال فكري يؤدي الى اشتباك بالأيدي يكون له فيها السهم الراجح من البلاء لما يتمتع به من قوة بدنية،وما وسم به من شجاعة وجرأة وأقدام في الممارسة اليومية لعمله الطلابي،ولأنه بطبيعته ميالا الى الشجار والقتال والمواجهات الشرسة،وكثيرا ما اصطدمت أرادته بإرادة والده الذي تربى على العمل السياسي السلمي المبدئي،فقد أستهواه المشاركة في الكفاح المسلح ،وبدون علم من عائلته ترك العراق للمشاركة في العمل الفدائي في صفوف المنظمات الفلسطينية،وعند وصوله الى هناك أعتقله فدائيي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة المركزية (جماعة نايف حواتمة) وبعد التأكد من هويته ومعرفة والده ومن خلال أسماء شيوعية كبيرة تعرف عليها،أطلق سراحه وانتمى للجبهة وعمل فدائيا بين صفوفها،وخاض غمار المعارك مشاركا في عملياتها،وأسهم في معركة جرش،وبعد معارك أيلول الأسود ،وما قام به النظام الأردني من قمع للمنظمات الفلسطينية أنتقل الى سوريا،ومنها الى لبنان مقاتلا في صفوف المقاومة الفلسطينية،وعاد بإجازة الى قريته مرتديا ملابس الفدائيين الفلسطينيين،ولم تشعر عائلته إلا وهو داخلا عليها دون سابق موعد، وفوجئ باستشهاد والده في عملية غدر جبانة،فلم يلتحق بصفوف المقاومة وظل في العراق مختفيا عن أنظار السلطة التي كانت تبحث عنه،وتمكن من أكمال دراسته بعد الجبهة حيث تخرج من إعدادية الزراعة.
ولأن القوانين آنذاك تحتم على الطلبة المشاركة في الخدمة العسكرية ،فقد سوق الى الخدمة في القوات المسلحة،ولأنه غير معتاد على الأوامر والصرامة العسكرية وما يتطلب العمل بها من مسايرة ورضوخ فقد أضطر للفرار منها وعاش مختفيا عرضة للمداهمات المستمرة،وبعد أن نشبت الحرب مع إيران نسب للعمل في الخطوط الأمامية،وهي طريقة السلطة آنذاك في محاربة المعارضين لها بزجهم في أتون الحرب وإقحامهم في المعارك ،فكانت فرصة له للهرب من العراق حيث تسلل عبر خطوط القتال للأراضي الإيرانية في بداية تشرين الأول 1980، وظل متخفيا يتنقل من مكان الى أخر حتى أستطاع العثور على أحد المهربين فاتفق معه على إيصاله الى باكو تمهيدا للانتقال الى الاتحاد السوفيتي حيث كان يدرس شقيقه هناك،وسار في تلك الوديان مشيا على الأقدام وأستطاع اجتياز الحدود،وفي مدينة باكو القي القبض عليه وأودع السجن،ومكث في التوقيف ثلاثة أشهر قامت بعدها السلطات في باكو بتسليمه الى السلطات الإيرانية التي احتجزته في معسكر للأسرى وأخذ يعمل هناك،ومكث أكثر من سنة عمل فيها بأعمال مختلفة (سخرة) وكانت المعاملة قاسية لا يمكن احتمالها وعرضته لمشاكل عديدة و لروحه المغامرة التي لا تعرف الخوف وتستهن بالصعاب فقد عمد للهروب من الأسر ،وعمل خريطة للوصول الى العراق،وفعلا نفذ خطته الجريئة وأستطاع اجتياز مواقع الخطر والوصول الى كردستان العراق حيث القي القبض عليه من قبل إحدى الحركات الإسلامية،ومكث في الاعتقال أكثر من عشرون يوما،وقد أطلق سراحه بعد أن زكاه شخص يدعى جبار ن أهالي السماوة كان على معرفة سابقة به،وبعد أطلاق سراحه التحق بقوات الأنصار،وشارك في معاركها ضد النظام البائد في منطقة حاج ما مند وبشتاشان،وأسهم في عدة عمليات تعرضية للقوى الصدامية هناك،وعاد الى الداخل للعمل في منظماته حيث قام بتوزيع المنشورات والملصقات الحزبية المطالبة بإنهاء الدكتاتورية،وكان حاملا لسلاحه بشكل مستمر تحسبا لمداهمات القوى الأمنية التي كانت تبحث عنه ولا تغفل عن متابعة أخباره،و يتنقل ليلا بين بعض المدن للقاء أصدقاءه وقد جاء ذات يوم الى مدينة القاسم ومكث في دار الحاج كاطع جعة لعدة أسابيع لوجود علاقات قوية مع أولاد الحاج المذكور،ورغم أن تلك الفترة أتسمت بالجمود وأنتشر فيها الخوف بين الناس والخشية من القيام بأي عمل يجلب أنظار السلطة إلا أنه كان يتحرك وفق خطوات محسوبة،ويستغل الليالي الظلماء ليتخذ من الطرق التي لا تسلكها السيارات ممرا لتحركاته،وكان يلقى المساعدة من الآخرين لما لوالده من رصيد شعبي،وعلاقات وصيت طائر في منطقة الفرات،ولولا الطيش في تحركاته لما استطاعت السلطات إلقاء القبض عليه فكان يظهر في النهار أحيانا مما جعل البعض ممن باع ضميره للسلطة آنذاك يفشي أمره ويخبر السلطات بتواجده في المنطقة، وظل مختفيا في قرية البو شناوة طيلة تلك الفترة ،وفي يوم 25/4/1988 اعتقل من قبل السلطات الأمنية والجيش الشعبي في داره الواقعة في القرية،بعد أن قاوم القوة المهاجمة لمدة ستة ساعات من الساعة الرابعة صباحا حتى الساعة العاشرة والنصف،فقد روى شهود عيان أن القوى الأمنية أحاطت بالدار من كل جانب،وسمع أهل القرية صوت الشهيد قيود ينادي بصوت عال عبر شباك غرفته طالبا التوجه إليه ،وأطلق هتافات معادية للسلطة على عادة الفرسان عند النزال ولا زال صدى صوته يرن في آذان من سمع هتافة المدوي،عاش الحزب الشيوعي العراقي،عاش الشعب ،يا عمال العالم أتحدوا ،وطن حر وشعب سعيد)وأنطلق رصاص رشاشته الكلاشنكوف مدويا في سماء المنطقة ردا على المهاجمين فاختلط صراخه البطولي بأزيز الرصاص ،ولم تتمكن القوى المهاجمة من اقتحام الدار ،مما دعا لحضور المحافظ الذي طلب منه التسليم مقابل الإبقاء على حياته،ألا أنه أجابه بسيل من الرصاص جعله يرتد مذعورا خائفا،ولم تتمكن قوات الشرطة من مداهمة الدار إلا بعد استعمال قاذفات (أر بي جي 7)حيث هدمت الدار والقي القبض عليه بعد نفاذ عتاده وقد أعاد إلى الأذهان الملحمة البطولية التي خاضها والده عند مواجهته للقوى المهاجمة في محاولتها لاعتقال شهيدنا الخالد محمد الخضري ،أبان الكفاح المسلح بعد انقلاب شباط الفاشي،وقد قامت القوات(الغازية) بنهب أثاث الدار بإيعاز من محافظ بابل هاشم حسن المجيد شقيق المجرم علي كيماوي وأبن عام المقبور صدام حسين بالتعاون مع بعض البعثيين من أهالي القرية الذين كانوا وراء الأخبار عنه، ،وقد أعتقل جميع أفراد الأسرة نساء وأطفالا في مديرية أمن بابل لمدة خمسة عشر يوما تعرضوا خلالها لتعذيب شديد ومعاملة قاسية، وقام أحد الأوغاد بثقب أذن المناضلة أم قيود، ثم أطلق سراحهم،وسكنوا في الحلة بعد أن لم تعد لهم دار تؤويهم في القرية التي قدموا أبنائهم دفاعا عنها ،وسكنوا في بيت للإيجار وهم في ضنك العيش لعدم وجود معيل لهم،إضافة للحالة المأساوية التي هم فيها لما تقوم به السلطة من أعمال،فضيقت الخناق عليهم وأحصت عليهم أنفاسهم وحركاتهم وسكناتهم،وعاشوا في ضيق وشظف لانعدام الموارد،وقلة الإمكانات.

وبعد اعتقاله أرسل إلى مديرية الأمن العامة وقد حكمت عله محكمة البعث بالإعدام رميا بالرصاص ونفذ الحكم في 7/12/1988 بناحية الطليعة التي كانت مخصصة لإعدام المعارضين للسلطة في تله تسمى (زونة)،واستوفت السلطة البعثية السافلة أثمان الأطلاقات التي أعدم بها،وسلم جثمانه الطاهر لأسرته حيث دفن في كربلاء قرب مقبرة مجاهدي خلق بشكل سري ،ومنعت الأسرة من أقامة مأتم عزاء له.
لك المجد والخلود أيها الراحل الكريم،فلا زالت الرايات الحمراء خفاقة في سماء العراق،ولا زال أخوانك ورفاقك يعملون بدأب ونكران ذات لبناء الوطن الحر والشعب السعيد،وهاهم العبثيون الأراذل مشردون في البلدان تلاحقهم اللعنات لما قدمت أيديهم من أعمال إجرامية يندى لها الجبين،وستبقى أسما محفورا إلى الأبد في ذاكرة العراقيين،ونجمة تتلألأ في سماء العراق.