الرئيسية » مقالات » حواتمة في حوار شامل …

حواتمة في حوار شامل …

• الانقسامات والانقلابات السياسية والعسكرية لا تصنع النصر
• الحوار الشامل وإعادة بناء مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير ضرورة وطنية وقومية
• برنامج وثيقة الوفاق الوطني وآلياته الخمسة طريق الخلاص من الاحتلال وزحف الاستيطان
• لا عودة لاتفاقات المحاصصة الانقسامية الأحادية والثنائية

حاوره: تامر أمين
مدير برنامج “البيت بيتك”
التلفزيون المصري ـ القاهرة

نستضيف اليوم السياسي العربي الفلسطيني السيد نايف حواتمة الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، أحد القادة التاريخيين البارزين في المشهد الفلسطيني منذ أكثر من ثلاثين أربعين سنة في الكفاح والنضال الفلسطيني. آراء وتصريحات ومواقف كثيرة جداً ولكن الأهم ما نريد أن نسمعه من نايف حواتمة هو سبيل الخروج لحل اللغز للمشهد الفلسطيني حالياً، وهذا التناطح “الحمساوي ــ الفتحاوي”، وللأسف الشعب الفلسطيني هو الذي يدفع الفاتورة والخاسر الأكبر.

س1: المشهد الفلسطيني الذي يدمي القلب العربي هذه الأيام، كنا دائماً في صراع فلسطيني ـ إسرائيلي، وأما الآن يتحول الصراع إلى فلسطيني ـ فلسطيني، وتراق الدماء الفلسطينية بأيدي فلسطينية … أعتقد أن هذا هو الخطر الأكبر على نضال الشعب الفلسطيني ؟
هذا صحيح تماماً، فهو الخطر الأكبر، فالمشهد الفلسطيني لا يغضب عدواً ولا يسر صديقاً، ولذلك شعب فلسطين هو الخاسر الأكبر، مما يجري في هذا المشهد، وثانياً مجموع الشعوب العربية هي الخاسرة لأن نناضل جميعاً لحل قضايا الصراع العربي والفلسطيني ـ الإسرائيلي على قاعدة من الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية والمشروع الوطني الفلسطيني الموحد ممثلاً ببرنامج وثيقة الوفاق الوطني ـ وثيقة الأسرى التي وقعت عليها جميع الفصائل والقوى بالإجماع في حزيران/ يونيو 2006، للوصول إلى سلام شامل متوازن. الآن الحقوق الوطنية الفلسطينية في مهب الريح في ظل هذا المشهد الانقسامي الدائر والذي جاء نتيجة سبع جولات دموية بين فتح وحماس، تم تتويجها بجحيم الحرب الأهلية والانقلاب العسكري لحماس، ووضع اليد بالقوة المسلحة على قطاع غزة.
تامر أمين: إن ما فعلته حماس في قطاع غزة ليس له وصف آخر إلا انقلاب عسكري …
هذه حقيقة واقعة، لأننا كنا قد أنجزنا برنامج وثيقة الوفاق الوطني لتطوير قرارات إعلان القاهرة التي أنجزناها بالحوار الوطني الشامل في مارس/ آذار 2005، ووثيقة الوفاق الوطني تجمع برنامج السياسة والمقاومة لبناء وتطوير ودمقرطة الوحدة الوطنية وتحدد الآليات بدقة لتنفيذها، ووقع عليها جميع الفصائل الفلسطينية (13) فصيلاً في الضفة وقطاع غزة، وكذلك وقع عليها ممثل محمود عباس عن الرئاسة وممثل عن إسماعيل هنية وأحمد بحر بالإنابة عن المجلس التشريعي، بالإضافة إلى سلسلة من مؤسسات المجتمع المدنية وعدد بارز من الشخصيات الوطنية ذات الأوزان الثقيلة، وكان علينا بعد 26 حزيران/ يونيو 2006، بعد أن وقعنا على برنامج وثيقة الوفاق الوطني التي بنيت على وثيقة القوى الأسيرة الخمسة (الجبهة الديمقراطية، فتح، الجبهة الشعبية، حماس، الجهاد الإسلامي)، البدء بتطبيقه وفي مقدمة التطبيق حكومة وحدة وطنية تتشكل من جميع الفصائل والقوى التي وقعت على برنامج وثيقة الوفاق الوطني، ولكن بعد أقل من 48 ساعة تراجعت حماس عن توقيعها، وجرت فتح إلى التراجع أيضاً معها وشكل هذا انقلاب على البرنامج الوطني الموحد، وبدأت سلسلة من المباحثات بين فتح وحماس للوصول إلى اتفاق محاصصة احتكاري ثنائي يقوم على تقاسم النفوذ في السلطة ومؤسسات السلطة، وهذا كله أدى إلى جولات جديدة من الاقتتال إلى أن وصلوا إلى اتفاق 8 شباط/ فبراير 2007 في مكة المكرمة احتكاري ثنائي يقوم على المحاصصة الثنائية، وأيضاً هذا الاتفاق لم يصمد إلا أيام ففتح جحيم الحرب الأهلية الذي انتهى بانقلاب سياسي وعسكري، هذا الذي جرى هو نتيجة للنزعة الاحتكارية التوتاليتارية الأحادية، عن فتح تسع حكومات، وحماس استنسخت تجربة فتح الاحتكارية والتوتاليتارية بالوزارة الحمساوية العاشرة للسلطة الفلسطينية، ثم الوزارة المشتركة بينها وبين فتح بشكل واسع وخاص. هذا كله أدى إلى تعطيل وثائق الوحدة الوطنية ممثلة بقرارات إعلان القاهرة وممثلة بما تم تطويره عليها ببرنامج وثيقة الوفاق الوطني، التي ما زالت هذه الوثائق صالحة لإعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية، صالحة لتشكيل حكومة وحدة وطنية من الذين وقعوا على وثيقة الوفاق، صالحة ولكن شرط هذا مفتاحها الذهبي تراجع حماس عن انقلابها العسكري، وبالمقابل تراجع فتح عن رفضها المطلق للحوار.
س2: الخطيئة الكبرى لحماس هو هذا الانقلاب الذي قامت به، والذي قلب الطاولة رأساً على عقب، والبعض الآخر المراقب للمشهد الفلسطيني يرى أن خطيئة فتح هي التصيد لحماس لهذه الفترة حتى يوقعوا بهذه الحكومة الحمساوية، ويقال أن حكومة فتح كانت هي الأصلح وهي الأقدر والخبيرة على امتداد تسع حكومات في إدارة الشأن الفلسطيني ؟
لا أعتقد ذلك، فحكومات فتح كانت احتكارية ـ فتحاوية غارقة بالفساد ونهب المال العام، ووضعوا جانباً كل القوى والفصائل الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني 4 مليون من البشر في الضفة والقطاع، كذلك الحال عطلوا منظمة التحرير الفلسطينية الائتلافية التي تشكل الجامع لكل الشعب الفلسطيني داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي أقطار اللجوء والشتات. الصحيح من الوقائع، وعلينا أن نستمد الحقيقة من الوقائع أن فتح وبرئاسة الأخ محمود عباس وهو صديق وناضلنا معاً عشرات من السنين ارتكبت سلسلة من الأخطاء الإستراتيجية القائمة على التراجعات عن البرنامج الوطني الموحّد وائتلاف جميع فصائل المقاومة، للبحث عن اتفاقيات ثنائية احتكارية وهذا هو الذي أدى إلى هذه المشكلة.



س3: ما هي أبرز أخطاء حركة فتح من وجهة نظرك ؟
الخطيئة الأولى الإستراتيجية هو الانقلاب على الائتلاف الوطني الشامل، والانفراد بتسع حكومات فلسطينية 1996 ـ 2006. الخطيئة الثانية أن هذا الانفراد الاحتكاري أدى إلى انتشار الفساد بشكل واسع في مؤسسات السلطة الفلسطينية التي ترأسها ويديرها ممثلوها من أبناء حركة فتح، بلا رقابة ولا مسائلة.
س4: هل ترى أن الفساد نتيجة مباشرة للسياسة الاحتكارية وانفراد فتح بالسلطة ؟
أكيد لا رقابة ولا مسائلة = فساد وإفساد …
الخطيئة الثالثة الإستراتيجية إجراء انتخابات بقانون انتخابات انقسامي لا ديمقراطي متخلف جداً يقوم على الدوائر الموسعة بأغلبية الصوت الواحد، بدلاً عن قانون التمثيل النسبي الكامل، وهنا بالقاهرة بالحوار الوطني الشامل في آذار/ مارس 2005 ناضلنا من أجل قانون انتخاب جديد ديمقراطي توحيدي يقوم على التمثيل النسبي الكامل، واعتبار مجموع الأراضي المحتلة بعدوان حزيران/ يونيو 1967، أي القدس والضفة والقطاع دائرة انتخابية واحدة بقوائم التمثيل النسبي، وهذا ما ناضلت من أجله على طاولة الحوار الوطني الشامل، لكن الأخوة من فتح كانوا يعتقدون بأنهم سيربحون الانتخابات التي كانت قائمة على المحافظات بأغلبية الصوت الواحد، نبهت من هذا وأعلنت بأن هذا سيمهد لانقلابات سياسية جديدة.
الخطيئة الإستراتيجية الرابعة بعد إجراء الانتخابات بموجب القوانين الانقسامية اللاديمقراطية، وفوز حماس بالأغلبية في المجلس التشريعي لم يكن في القانون الأساسي للسلطة الفلسطينية ما يدعو هذاالفصيل أو ذاك لتشكيل الحكومة، فالنظام الأساسي الموضوع للسلطة الفلسطينية يقول أن رئيس السلطة يكلف من يرى وكان بإمكانه أن يكلف شخصية وطنية وازنة جامعة لكل القوى والفصائل بما فيها حماس، وتتشكل حكومة وحدة وطنية على هذا الأساس، ولكن عباس أوكل تشكيل الوزارة إلى حماس ثم قدم سلسلة من التسهيلات بما تريده هذه الوزارة، والوزارة وصلت إلى طريق مسدود.
وبعد أن عادت فتح وحماس إلى الحوار الشامل، وقعنا جميعاً برنامج الوحدة الوطنية ويشمل حكومة ائتلافية من جميع الفصائل والقوى، وهنا تمت الخطيئة الإستراتيجية الخامسة بانقلاب فتح وحماس على وثيقة الوفاق الوطني والتراجع إلى الخلف لتشكيل حكومة احتكارية ثنائية … وهكذا تتناسل الأخطاء الكبرى والانقسامات وحروب أخوة السلاح، بينما الجميع تحت الاحتلال المستثمر الأكبر لهذه الأخطاء لإدامة الاحتلال وتوسع الاستيطان.
س5: عندما تكون هذه الوزارة مشكلة على قياس المحاصصة الثنائية لا نجد متهماً شرعياً، فمحمود عباس هو الرئيس المنتخب الشرعي للسلطة الفلسطينية، وحكومة حماس التي كانت موجودة برئاسة هنية هي الحكومة المنتخبة من صندوق الاقتراع شرعياً، وكانت كل دول العالم والاتحادات تراقب هذه الانتخابات واعترفت بنزاهتها. نحن الآن أمام جهتين متخاصمتين، والاثنتين يمتلكان الشرعية
هنا علينا تصحيح المسألة، فالذين انتخبوا سكان القدس والضفة الفلسطينية وقطاع غزة وليسوا كل الشعب الفلسطيني، 62% من الشعب الفلسطيني يعيش في أقطار اللجوء والشتات، وبالتالي الذين ذهبوا إلى صناديق الاقتراع هم قطاعات من بين 38% الذين يعيشون على الأراضي المحتلة عام 1967.
س6: يعني أن هذا الرأي لا يعبر عن مجموع الشعب الفلسطيني ! …
بالتأكيد لأن الذين اقترعوا أقل نسبة من 38%، وعليه عباس انتخب من بين الذين اقترعوا من بين 38% وليس من مجموع الشعب الفلسطيني، كذلك حال المجلس التشريعي الذي فازت حماس بأغلبية من بين هؤلاء، وبالتالي نعم محمود عباس هو رئيس للسلطة الفلسطينية في الأراضي المحتلة، وحماس فازت كحزب أول بالمجلس التشريعي للسلطة الفلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967، ولا أحد فاز بالاقتراع في عموم الشعب الفلسطيني (رئاسية وتشريعية)، لذلك كان على عباس وحماس أن يراعوا هذا الوضع ولكن كل منهما ذهب إلى استنساخ تجربة الآخر بالاحتكار الأحادي، ولقد فشل الاحتكار الأحادي وكانت النتيجة انقسامات وحروب الاقتتال والانقلابات السياسية والعسكرية. عدنا من جديد تحت فعل القوى الوطنية الديمقراطية التي تؤمن فعلاً بالوحدة الوطنية، إلى تقديم مبادرات للعودة للحوار الوطني الشامل، فنحن نؤمن بأن التناقض الرئيسي مع الاحتلال والاستعمار الاستيطاني ونهب الأرض، أما بين القوى الفلسطينية فهي تعارضات والتعارضات تحل بالحوار الوطني الديمقراطي بالحوار الشامل.
س7: وصفت الوضع بأنه لا يسر صديقاً ولا يغضب عدواً، فالعدو فرح جداً وهو يرى هذا الاقتتال الداخلي الفلسطيني ـ الفلسطيني … ألا يوجد داخل المشهد الفلسطيني أصوات عاقلة تدعوا هذين الطرفين والأطراف الأخرى أن تقدم المصالح الوطنية الفلسطينية على المصالح الخاصة الآن، وعندما نقتسم هذه الكعكة فليأخذ الكل نصيبه.
العقلاء الذين يلبون نداء العقل والحكمة كثيرون في الشعب الفلسطيني، وفي المقدمة قوى فلسطينية وازنة ومؤثرة هي قوى وطنية ديمقراطية (الجبهة الديمقراطية، الجبهة الشعبية، الجهاد الإسلامي) والعديد من الفصائل الفلسطينية والشخصيات الوازنة ومؤسسات المجتمع المدني، ولهذا هذه القوى تحركت فعلياً وتمكنت من أن تأتي بفتح وحماس إلى مائدة الحوار الشامل بالقاهرة بدعوة من القيادة المصرية، ووصلنا إلى قرارات إعلان القاهرة الموحدة للجميع بائتلاف وطني عريض داخل الأراضي المحتلة، ونعيد بناء مؤسسات السلطة على قاعدة وطنية مهنية وليس على قاعدة احتكارية أحادية أو ثنائية، كذلك أخذنا بقرارات إعلان القاهرة قراراً واضحاً بإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية الائتلافية، لأنها الجبهة الوطنية المتحدة لكل الشعب الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة وفي أقطار اللجوء والشتات تاريخياً، وهي المعترف بها من شعبنا أنها تمثله شرعياً وتمثيلاً وحيداً ومعترف بها من جميع الدول العربية بموجب قرارات قمة الرباط (تشرين أول/ أكتوبر 1974) وأغلبية دول العالم.
ودخلنا إلى الأمم المتحدة واعترف بنا العالم كله. هذه القرارات كان علينا أن ننفذها، لكن كل من فتح وحماس متباطئ ولم يكن مندفعاً من أجل تنفيذها ووقع الذي وقع …
مداخلة: لك صديق مصري هو سياسي ومفكر ومخضرم أرجوا أن نشركه بالحوار …
السيد رفعت السعيد: أحييك أخي أبو النوف من التلفزيون المصري “البيت بيتك”، وثانياً أحييك على مواقفك الثابتة، ولكن تقع على عاتقك مسؤولية وأنا أضع على عاتقك مسؤولية خطيرة أنت القادر على أن تدعو إلى وحدة القوى الوطنية الديمقراطية والتقدمية والليبرالية في كل الشعب الفلسطيني لتحقيق توازن حقيقي تخلق الطريق الثالث، القوى الثلاثة التي تكون قادرة على كبح جماح محاولة إرغام المجتمع في غزة بالهيمنة المسلحة من جانب حماس لإقامة إمارة ولا تتخلى عن السلطة تحت شكل من الأشكال ولمواجهة الحالة الرديئة الموجود فيها الأخوة في فتح. عليك الإمساك بزمام الدعوة لتوحيد قوى الطريق الثالث للشعب الفلسطيني، وهو الطريق الصحيح، الطريق الذي يستهدف مواجهة العدو وإقامة الوطن للجميع، وليس لذاك الطرف أو ذاك.
أحييك أبو النوف، فأنت تناضل عبر نصف قرن تقريباً، تتحمل هذه المسؤولية، وأتمنى أن تنجح بها ولك تمنياتي وحبي الذي تعرفه ويعرفه كل الأصدقاء المشتركين.
س8: السيد رفعت السعيد حمّلك مسؤولية قيادة الطريق الثالث ! …
له الحق بتحميلي المسؤولية وتحميل الجبهة الديمقراطية المسؤولية، فالجبهة الديمقراطية قوة أساسية في صفوف شعبنا في الوطن والشتات، وتمتلك منهجاً توحيدياً ديمقراطياً بين جميع القوى الفلسطينية، فنحن نؤمن بعمق بأن الشرط الأساسي للنصر على الاحتلال ونهب الأرض والاستعمار والاستيطان هو الوحدة الوطنية الفلسطينية على قواعد ديمقراطية بالضرورة، وأيضاً محق بتوجيه النداء لي لأن التجربة التاريخية في حياة الثورة الفلسطينية المعاصرة والمقاومة ومنظمة التحرير كانت كلما وقعت انقسامات. تبادر الجبهة الديمقراطية بتجميع القوى على قاعدة إعادة بناء الائتلاف الوطني العريض، وهذا ما قمنا به في القاهرة وأيضاً طورنا إعلان القاهرة ببرنامج الوفاق الوطني 2006، وكان يجب أن نبدأ بتطبيق الآليات المحددة الواردة، ولكن مع الأسف ارتدت عنه وانقلبت عليه كل من فتح وحماس. الآن الجبهة الديمقراطية وبعد هيمنة حماس على قطاع غزة بـ 20 يوماً تقدمت الجبهة الديمقراطية بمبادرة جديدة بـ 4/7/2007، ثم بنينا عليه مشتقاً من وثيقة الوفاق الوطني ومبني على إعلان القاهرة، ثم مبادرة أخرى بين الجبهتين والجهاد الإسلامي (6 أيلول/ سبتمبر 2007)، ثم وصلنا مع تسع فصائل فلسطينية من بينها الجبهة الديمقراطية والجبهة الشعبية وحزب الشعب والجهاد الإسلامي وفصائل أخرى إلى وثيقة مشتركة (16 كانون ثاني/ يناير 2008) انبنت على الوثيقة البرنامجية الثنائية والثلاثية التي بنيت على مبادرة الجبهة الديمقراطية، وعليه كان من الممكن أن نخطو خطوات إلى الأمام، ولكن أقول للجميع بصراحة كاملة أن المحاور الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط تلعب دوراً كبيراً في تعميق الانقسام الفلسطيني ـ الفلسطيني، وخاصة بين حماس وفتح لاستهلاكات ومصالح خاصة إقليمية بهذه المحاور في منطقة الشرق الأوسط، بعيدة عن المصلحة العليا المشتركة.
س9: هل يمكن أن نسمي هذه القوى التي تعبث بالمشهد الفلسطيني ؟
هذه قضايا معلنة وليست سراً. وكل الناس في الشرق الأوسط يعلمون ذلك من الصحف والفضائيات اليومية ـ مثلاً الأخوة في سورية وإيران ـ لهم مشروع خاص بمنطقة الشرق الأوسط، وبات معلناً أنهم يتعاونون في لبنان مع حزب الله من أجل وضع الأزمة اللبنانية ـ اللبنانية في سياق معين، وكذلك الحال معلن أنهم يتعاونون مع حماس بنقاط تقاطع، مربعات تقاطع بين رغبات حماس والسياسات الخاصة السورية والإيرانية، وكذلك الأخوة في السعودية لهم رؤية خاصة بهم، ولهذا اتفاق 8 شباط/ فبراير 2007 كما أعلن السيد فاروق الشرع نائب الرئيس السوري بأنه صنع في سورية وبرعايته الشخصية، وترك الإخراج عن ذلك للسعودية بناء على طلب كل من حماس وفتح كما أعلن في مؤتمر الصحفيين السوريين، وأدى ذلك إلى اشتباك إعلامي بين المنابر السعودية والسورية، وبالتالي هذه الأوضاع الإقليمية والدولية المتباينة أيضاً تجد تأثيراتها الواسعة جداً تجاه الأزمة الداخلية اللبنانية.
وعلى رئيس السلطة وفتح ضغوط أمريكية ـ إسرائيلية معلنة أيضاً “لا لحكومة وحدة وطنية شاملة” حتى يبقى الانقسام ويتدهور الوضع الفلسطيني إلى الخلف أكثر فأكثر، والادعاء أن رئيس السلطة ضعيف ولا مكان لحلول سياسية شاملة للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي … الخ، لأن المصالح متباينة في هذا الميدان. المصلحة الوطنية الفلسطينية والمصلحة الوطنية العربية المشتركة لكل الشعوب العربية من أجل أن نعيد بناء التضامن العربي هو وقف التدخلات الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط بالمعدة الفلسطينية، وترك الشعب الفلسطيني بقواه المكونة له بثورته ومقاومته المعاصرة وببرنامجه السياسي الموحد، ممثلاً بإعلان القاهرة ووثيقة الوفاق الوطني لتجلس كل القوى على مائدة الحوار الوطني الشامل من أجل الوصول إلى الحلول لإيجاد مفتاح … هذا هو بالضرورة تراجع حماس عن الهيمنة بقوة السلاح على قطاع غزة، وتراجع فتح عن رفضها المطلق للحوار، وبالتالي أن نذهب إلى الحوار الشامل.
س10: نحن في أجواء القمة العربية بدمشق هل تعتقد أن القمم العربية المتتالية التي كانت تضع القضية الفلسطينية على رأس أجندتها أفادت القضية الفلسطينية أم جعلتها محل تراجع دفعتها إلى الوراء ؟
منها ما أفاد الشعب الفلسطيني وقضيته، وخاصة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بنداء من الزعيم جمال عبد الناصر في حينها بالإسكندرية بالقمة العربية، وكانت أول قمة عربية وتم فيها تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية 1964، ليأخذ الشعب الفلسطيني دوره في قضيته الوطنية يجمع بين الوطني والقومي، ومنها قرارات قمة الرباط (تشرين الأول/ أكتوبر 1974، حيث اعترفت جميع الدول العربية لأول مرة بعد 74 سنة من تاريخ القضية الفلسطينية بحقوق الشعب الفلسطيني بأنه موجود وله حق الوجود بتقرير المصير، وبناء دولة مستقلة بحدود 4 حزيران/ يونيو 1967 عاصمتها القدس العربية المحتلة، وحق العودة بموجب القرار الأممي 194 في إطار سلام شامل متوازن بين الشعب الفلسطيني ودولة “إسرائيل” بين الأنظمة العربية ودولة “إسرائيل”، وهناك قمم لم تكن لها فوائد وألحقت أضراراً بالقضية الوطنية أكثر من قمة، ومثلاً على ذلك خاصة في النصف الثاني من التسعينيات وكثيراً منها في السنوات الراهنة بعد عام 2000.
س11: السيد رفعت السعيد حملك أنت والجبهة الديمقراطية وباقي الفصائل الفلسطينية أن تلعب دور الجهات العاقلة الموجودة في منتصف الطريق بين الخيار العسكري الحمساوي والتعنت الفتحاوي، بين المحاور والتدخلات الإقليمية الدولية بالشؤون الداخلية الفلسطينية، فهل يمكن أن تأتلف وتخوض معركة إعادة بناء الوحدة الوطنية ؟
الشعب الفلسطيني يعلم من أقصاه إلى أقصاه بأن هناك خمسة قوى فلسطينية يطلق عليها القوى الخمسة الكبرى (فتح، حماس، الجبهة الديمقراطية، الجبهة الشعبية، الجهاد الإسلامي)، كذلك على الأرض 8 فصائل أخرى … القوى الديمقراطية والتقدمية والليبرالية لها ثقل حقيقي داخل صفوف الشعب الفلسطيني في داخل الأرض المحتلة وفي أقطار اللجوء والشتات وفي المقدمة الجبهتين الديمقراطية والشعبية، بل أستطيع أن أقول أن 62% من الشعب الفلسطيني الموجود في الشتات القوى الأساسية هي ثلاثة (فتح، جبهة ديمقراطية، جبهة شعبية).
الآن وافقت 7 فصائل في قطاع غزة والضفة على مبادرة الجبهتين، والمتوقع إعلان ذلك بين يوم وآخر، وإطلاق حملة جماهيرية في الأرض المحتلة بالحوار لإنهاء الانقسام، وإعادة بناء الوحدة الوطنية على أساس هذه المبادرة المشتركة بالحوار الوطني الشامل.
س12: لماذا هذه الجهات الثلاثة التي ذكرت أن لها وزن وثقل لا تلعب دوراً فاعلاً بدلاً من دور المنادي والمناشد ؟
هي لا تنادي ولا تناشد بل تقدم مشاريع حلول بالضرورة، وتمكنت من أن تجمع الجميع إلى مائدة الحوار الوطني الشامل، ويوقع (13) فصيلاً بالقاهرة على إعلان القاهرة، وكذلك على وثيقة الوفاق الوطني.
س13: أنتم لا تريدون الدخول في معارك صراعية وتتبعون الوسائل الديمقراطية ؟! …
بالضبط الخيار الديمقراطي السلمي لحل كل القضايا والتعارضات الخلافية بالمشهد الفلسطيني حتى نتحد ضد التناقض الرئيسي مع الاحتلال واستعمار الاستيطان.
س14: هل هناك في الأفق عاجلاً أم آجلاً فرصة لتسوية سياسية سلمية مع الجانب الإسرائيلي ؟ أم ترى أن نهاية الصراع إما نحن أم هم … إما فلسطين أو إسرائيل ؟
لا يمكن أن نضع الأمور في صيغة إما نحن أم هم، علينا أن نأخذ الأمور بأوضاعها الواقعية كأمر واقع، لذلك نحن ناضلنا من أجل برنامج سياسي جديد لكل الشعب الفلسطيني وموحد، وتمكنا بمبادرة من الجبهة الديمقراطية لإنجاز هذا البرنامج والمصادقة عليه بإجماع المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974 هنا بالقاهرة بالجامعة العربية، ومنذ ذلك اليوم وحتى يومنا النضال يدور من أجل سلام شامل متوازن يقوم على تسوية سياسية شاملة بين الشعب الفلسطيني والإسرائيلي تحت سقف قرارات الشرعية الدولية، والآن نقول أيضاً بالإضافة للمبادرة العربية للسلام تجمع بين قرارات الشرعية الدولية بشأن الأراضي العربية المحتلة، وبين حقوق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير ودولة فلسطين المستقلة عاصمتها القدس المحتلة، وحق اللاجئين بتطبيق القرار الأممي 194، هذا ما يجب أن يكون … وأقول الذين لا يقدموا برنامج سياسي لتسوية سياسية، لحلول سياسية، في هذه المرحلة بوضوح لا يقدمون شيئاً، والذين يريدون فعلياً وضع حد ونهاية للتوسعية الصهيونية في الأراضي الفلسطينية، وربما بأراضي عربية أخرى عليهم أن يناضلوا بجانبنا بجانب هذا البرنامج الجامع بين “سلاح السياسة وسياسة السلاح”، من أجل مفاوضات سياسية شاملة على أركان الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي (القدس، الحدود، الاستيطان، اللاجئين، المياه، الأمن والسلام والأسرى).
مدير الحوار: نايف حواتمة شكراً لك وأرجو أن تحمل تحية مصرية من القلب إلى الشعب الفلسطيني، وندعو إن شاء الله أن يسود الصوت العاقل بدلاً من إراقة الدم الفلسطيني الذي هو الخاسر الأكبر للقضية الفلسطينية.
المؤكد لا يصح إلا الصحيح مهما طال ليل الانقسام المدمّر. بالنتيجة سنعيد بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية، لأن الطريق الآخر القائم على الاحتكارية والانقلابات السياسية والعسكرية طريق مسدود، فنحن جميعاً تحت الاحتلال ونهب الأرض، وجميعاً علينا أن نتحد وسنتمكن من ذلك على يد القوى الوطنية والديمقراطية التي تجمع إلى الحوار الشامل كل ألوان الطيف الإيديولوجي والسياسي على برنامج وثيقة الوفاق الوطني وآلياتها التنفيذية الخمسة. الانقسام ليس فقط مشكلة بين المنقسمين بل تدخَّل المحاور الإقليمية والدولية بالشرق الأوسط يلعب يومياً بالمعدة الفلسطينية لإبقاء الانقسام بدلاً من المساعدة لتجاوزه نحو الوحدة الوطنية.