الرئيسية » مقالات » ألحركات أليسارية ..وألقواسم ألمشتركة مع معارضي ألعولمة

ألحركات أليسارية ..وألقواسم ألمشتركة مع معارضي ألعولمة

ربما تثير ألنجاحات ألتي حققتها ألأحزاب أليسارية في أمريكا ألجنوبية أكثر من تساؤل حول ألأسباب ألتي وقفت خلف تغيير ألمزاج ألسياسي لشعوب تلك ألمنطقة وإتجاهها نحو وضع ثقتها بأليسار وأحزابهِ ،وكذلك وصول ألشيوعيون في أكثر من بلد إلى ألبرلمان في دول عديدة في ألوقت ألذي يعتقد ألبعض فيهِ بأفول نجم ألأشتراكية وأحزابها من ألساحة ألدولية ، فألولايات ألمتحدة ومعها مُنظّري ألرأسمالية يعملوا على أن تكون أللبرالية هي ألأيدلوجية ألوحيدة في ألعالم لكنّهُم إصطدموا بألنتائج ألتي أثمرت عنها سياستهم في ألعالم من تصدير مستمر للأزمات وألحروب ألتي تسهم عمليّاً في ديمومة ألأقتصاد ألأمريكي ألذي يعتمد إلى حدٍ كبير على نتائج هذهِ ألسياسة في رخائهِ وإستقراره ..

ومن بين ما برز بقوة كنتيجة لهذهِ ألسياسة تبريراً منطقياً وحاسماً ربما يلعب ألدور ألأكبر في إعادة صياغة هذهِ ألسياسة على أُسس جديدة وهو إذا كانت ألولايات ألمتحدة تعتقد بوجوب سيادة ألفكرة أللبرالية في ألعالم كنتيجة حتميّة لسياسة ألعولمة فإن هذهِ أللبرالية تكون مسؤولة مباشرة عمّا لحق بألعالم من حروب ودمار وإحتلال وإنتهاكات للقوانين ألدولية ولحقوق ألإنسان وتُبرّر عمليّاً تسمية ألعولمة بأللاأخلاقية وأللاإنسانية !!

إن أحد أهمّ ألأسباب ألتي وقفت خلف نجاح أليسار في أمريكا أللاتينية هو تفاقم ألفقر في بلدانها وإانتشار ألفساد ألإداري ألذي كانت تشجِّعهُ ألإدارة ألأمريكية كما تشجّعهُ أليوم بقوة في ألعراق وتحمي ألفاسدين وألمرتشين على أراضيها ، وقد ساهمت هذهِ ألظاهرة في مضاعفة ألوعي ألعام لدى ألأغلبية بأنَّ ألرأسمالية تقف خلف إفقارهم وتجويعهم وإثراء أقلية فاسدة لا تمتلك حسّاً وطنياً بألعدالة ألإجتماعية ، ونتائج ألسياسة ألأمريكية في تلك ألبقعة من ألعالم وقفت خلف ترسيخ ألأفكار أليسارية وإعتناقها طالما أنّها ستمثل ألمنقذ ألحقيقي لهم من ألجوع وفقدان ألأمل …

هذا ألنجاح ألذي حققتهُ ألقوى أليسارية دفعها بلا أدنى شك للبحث عن قواسم مشتركة تجمعها مع معارضي ألعولمة في بلدان ألعالم ومنها ألعالمين ألعربي وألإسلامي وكذلك في آسيا ، فهذهِ ألدول لحد هذهِ أللحظة لا يمكنها تطبيق ألأشتراكية بشكلها ألصحيح لأسباب ربما تكون منطقيّة فهي تخضع بشكل مباشر لحالة ألإقتصاد ألتي تكون بحاجة لخطوات تدريجية لإصلاحهِ وجعلهِ يسير على ألطريق ألصحيح …

معارضة ألعولمة وألرأسمالية بشكل عام تشكلُ قواسماً مشتركة تجمع بين كل من ايران وفنزويلا وكوريا ألشمالية على ألرغم من إختلاف شكل ألأنظمة ألتي تحكم هذهِ ألبلدان ، لذلك ترى هذهِ الدول أنَّ بقاء إقتصاد ألسوق بشكل أو بآخر يدعم هذا النوع من ألتحالفات بوجهِ هيمنة رأس ألمال أي تبادل ألخبرات فيما بينها وألإستثمارات ألتي تفتح آفاقاً واسعة بينهم لتطوير بعضهم ، فتمارس ألكفاح ألجيوسياسي ضد ألولايات ألمتحدة لوضعها في دائرة ضيّقة لا يمكنها ألخروج منها دون تغيير سياستها ، ربما يراود ألكثيرون منّا سؤالاً حول شكل ألإشتراكية ألمقبلة على ضوء هذا ألنوع من ألتحالفات لا سيما وأنَّ هذهِ ألحالة تشمل قوى أليسار في ألعالم بأسرهِ !! روسيا لحد هذهِ أللحظة ترفض تسمية نظامها بألرأسمالي وتُفضّل تسمية ألإشتراكي ألديمقراطي عليهِ كنموذج يأخذ مكانهِ في ألتطوّر حتى يتمكّن من بسط نفوذهِ على ألساحة كبديل للنظام ألإشتراكي ألذي كان سائداً في عهد ألدولة ألسوفيتية ،هذا ألكلام قالهُ قبل أيام في مقابلة تلفزيونية على قناة روسيا أليوم ألمحلل وألمحرر ألسياسي لصحيفة روسيا بروفيل ديمتري بابيتش ألذي يعتقد أن روسيا بهذهِ ألسياسة تسير على طريق ألإشتراكية وفق آليّات جديدة تختلف عن تلك ألتي كانت سائدة في ألعهد ألسوفيتي ..

وبِغضّ ألنظرعن مدى دقّة كلام من هذا ألنوع لإعلامي روسي ربما يكون مقرّباً من حكومة بوتين إلا أن قراءة ألبعض لواقع توجّهات ألدولة ألروسية في ألمجال ألإقتصادي يختلف جذرياً عما ذهبَ إليهِ بابيتش ،حتى مواقف ألحزب ألشيوعي ألروسي ورأيهُ في موضوع شكل ألدولة ألحالية لروسيا ربما يتفق مع آراء ألذين يصفون شكل ألدولة بألرأسمالية ، ألمهِم أن ألوضع ألعام ألذي آلت إليهِ ألأوضاع في روسيا ورابطة ألدول ألمستقلّة هو ألذي حرّك ألحركات ألمناهضة للعولمة بشكل فعّال ودفعها للإعتماد على نفسها في توجيه مطالبها بألشكل ألذي يلائم مصالحها ومطالبها ألمشروعة ..

من ألواضح أنَّ مئات ألألاف من البشر من ألمنتمين لهذهِ ألحركات يناضلون من أجل عالمٍ أفضل وأكثر عدالة وإنسانية ينتمون إلى فئات مختلفة في ألمجتمع وإلى أعراق وقوميات مختلفة يجمعهم هدف واحد هو مناهضة ألطبيعة أللاإنسانية للعولمة ألتي عكست ألوجه ألبشع لطبيعة ألنظام ألرأسمالي ألذي يحاول تكثيف ألهموم وألأعباء على ألطبقات ألمتوسطة وألفقيرة في ألعالم وتخلق فجوة واسعة بين ألشمال والجنوب فيخرج هؤلاء بمئات أللألاف لمعارضة ألعملية بأسرها ، بينهم علماء وأساتذة جامعات وفقراء وشغيلة الفكر من صحفيين وكُتّاب وكاتبات وعمال وعاطلين عن ألعمل من شعوب مختلفة لا سيما في ألعالم ألغربي وحتى في أمريكا ألجنوبية ألتي إكتوت بنار هذهِ ألراسمالية طوال عقود ألحرب ألباردة بعد أن تيّقّنت من أنَّ ألكنيسة لم تكن سوى إنعكاس لإختراق ألرأسمالية لهذهِ ألمجتمعات من أجل إبقائها في دائرة ألتبعية وألجهل ، وبشكل عام فإنّهم يشكلون ألطبقة ألعاملة ألعالمية ألتي لم يَعُد بوسع ألرأسمالية إتهامها بألتبعيّة لهذا ألمعسكر أو ذاك ، حتى أنهم فرضوا واقعاً جديداً أصبحَ من ألصعب على ألدول ألصناعية تجاهُلَهُ ..

لا يمكن حصر حركة مناهضة العولمة في ألبلدان ألصناعية ألمتقدمة وألأخرى كاليابان وكوريا ألجنوبية وألبرازيل فهي موجودة حتى في باقي أجزاء ألعالم وبطُرق تعبير مختلفة على شكل مؤسسات وأفراد وحتى أحزاب سيّاسية ومنها ألعالم ألعربي رغم إفتقادهِ للقاعدة ألصناعية وألإقتصادية ألتي تُسهِّل عملية فهم ألأبعاد ألحقيقية لتأثيرات ألعولمة على مجتمعاتها لكنها مع ذلك تعيش واقعاً يجعلها تعيش مُتخلِّفة عن ذلك ألعالم من نواحي كثيرة لا سيما بعد أن تحولّت إلى مجتمعات إستهلاكية بحتة ، وكذلك فإن منظمات ألمجتمع ألمدني حديثة ألعهد في ألكثير من ألبلدان ألعربية وقسماً كبيراً منها تمولها ألحكومات نفسها وتفرض عليها طريقة عمل تنسجم مع مصالح ألأنظمة ألحاكمة وهو ما يفقدها ألقدرة على ألتأثير ألمباشر في ألجماهير ، هنا يبرز دور ألأحزاب ألشيوعية وأليسارية في توعية وتنوير ألشعوب بطبيعة ألآثار ألتي تخلفها ألعولمة على ألمجتمعات وألأفراد وكذلك ألإستفادة من هذهِ ألحركات في جذب ألجماهير إلى خانة ألرفض ألمُبَرّر لهذهِ ألعولمة ، في ألغرب إستفادت ألحركات أليسارية وألأحزاب ألشيوعية من ألظاهرة حتى أصبح من ألصعب ألتمييز بين ألمتظاهرين من ألفئات ألأخرى عن اليساريون حاملوا ألأعلام الحمراء وصوراً لتشي جيفارا لكن ألأحزاب في عالمنا ألعربي وألشرق أوسطي لا تزال تفتقد للتوجهْ ألصحيح في ألتعامل مع تنظيم ألجماهير في مظاهرات من هذا ألنوع …

حتى ألتنظيم ألمدني لمظاهرة من هذا ألقبيل تبدو صعبة للغاية أو يظهر عجزاً واضحاً في جمعها وتنظيم شعاراتها ، في ألمقابل تنجح أحزاب ألأسلام ألسياسي كحزب ألله وحماس في تجنيد عشرات ألألوف لغايات أبسط من ذلك بكثير ، مناهضي ألعولمة في ألغرب وبقاع ألعالم ألأخرى يفوق عددهم الخمسون مليون ولو قُدِّر للعالمين ألعربي وألأسلامي فهم ألأبعاد ألحقيقية لما تهدف لهُ ألعولمة وتأثيرها ألسلبي على ألمجتمعات لتضاعفَ ألعدد في أقل تقدير ..

ان أحد أهّم ألقواسم ألمشتركة ألذي يجمعُ بين أليسار وحركات مناهضة ألعولمة هو ألفهم ألصحيح لحركتها ونتائجها ،وهذا ما جمعهما في مسيرة واحدة في أغلب بلدان ألعالم ألغربي ..

إنَّ ما يميّز ألطابع ألجديد لهذهِ ألعولمة هو ألمتاجرة بمصطلحات فلسفية وقانونية لتمرير تجارة غير مشروعة تهدف بألدرجة ألأساس لإبقاء ألشعوب ألتي لا ترغب في ألنظام ألرأسمالي كنظام إقتصادي لبلدانها تعيش حالة ألفقر وألمجاعة وألحروب بإستخدامها لإحتكار ألتكنولوجيا كسلاح للتسلّط وألإستبداد وتمرير ألمشاريع ، وهي عملية ينبغي لها أن توحِّد ألحركات ألعمّالية في مختلف بقاع ألعالم من أجل ألتصدّي لنهج ألعولمة أللاأخلاقية ألتي خرجت علينا كشعار لمرحلة ما بعد ألحرب ألباردة .

فألفارق يتسع يوماً بعد آخر وتتمكّن ألشركات ألمتعدِّدة ألجنسيّات من بسط سيطرتها بطريقة تجعل من ألعالم تابعاً بسيطاً لها تستبيح من خلال مصالحها كل ألمحظورات دون أن يتمكّن أحداً من إيقافها ، عندما يتمعّن أحدنا في كلمة ألعولمة فأنّهُ بلا أدنى شك سيدخل في عالمٍ لا متناهٍ من ألتسميات وألإستنتاجات ، عولمة وسائل ألإنتاج ..عولمة وسائل ألإعلام ..وعولمة ألمصطلحات للتعتيم على ألأهداف ألحقيقية ..وعولمة مفاصل كثيرة أخرى في ألحياة لحساب ألهدف ألأم …

لا يمكن للكثير من ألحركات أليسارية في ألعالم ومعها حركات مناهضة ألعولمة ألوقوف بوجهِ هذهِ ألمشاريع دون أن تكون لها حركة وأهداف واضحة ومحدّدة تجابه بها ألمعسكر ألآخر ، ورغم عدم ألتجانس ألذي يشكّل ألإطار ألعام لهذهِ ألمعارضة إلاّ أنّها فعّالة ومؤثِّرة وجعلت من صندوق ألنقد ألدولي وباقي مؤسسات ألعولمة تتراجع عن ألكثير من مشاريعها ألتي تمّعِن في إفقار ألشعوب وإذلالها بحجة إعادة هيكلة إقتصاديات ألبلدان بما يتلائم ومصالحها ،منظمة ألتجارة ألعالمية هي ألواجهة ألأساسية لهذا ألنوع من ألسيّاسات تُسهِمْ أولاً وأخيراً في زيادة عدد الفقراء في ألعالم وقد بدأت نتائجها تظهر بقوة في ألسنوات ألعشر ألأخيرة فقد إتسعت ظاهرة ألغلاء وإنعدام ألخدمات في أغلب ألبلدان ألتي إستسلمت حكوماتها لسيّاسات صندوق النقد هذا ومنظمة ألتجارة ألعالمية التي لا يمكن أن يستفاد منها سوى دول ألعالم ألصناعية ألكبرى ..

وتمثل ألمظاهرات نوعاً من أنواع ممارسة ألإحتجاج أيام إنعقاد إجتماع ألدول ألمعنيّة بهذهِ ألعولمة وفي مقدمتها ألولايات ألمتحدة ألتي تحاول فرض نمط حياة على ألشعوب يستجيب لمتطلّبات تمرير ألعملية بأسرها ، وأصبحت عمليّة معارضة هذا ألنمط ضرباً من ألجنون لأن ألواقع ألإقتصادي ألدولي غدا أسيراً للإرتباط بأسواق ألبورصة ألعالمية ألتي تُدار من ألدولة ألأكبر عالميا من حيث ألإقتصاد وبألتالي يكون ألحديث عن معارضتها عملا غير واقعيّاً دون إمتلاك تجمّع دولي يتكون من أطراف عديدة قادرة على ترك ألتأثير ولجم مشاريع ألعولمة من ألأساس ..

تحاول كل من إيران وفنزويلا وكوريا ألشمالية وألسودان ودول كثيرة أخرى نقل مركز ألثقل وألتأثير في ألإقتصاد إلى دولة أخرى لا تمتلك تلك ألطموحات في إستغلال وإستعباد ألشعوب وتغيير ألحكومات لمجردمعارضتها بعض بنود ألشروط ألتي يفرضها صندوق ألنقد ألدولي أو ألمؤسسات ألأخرى ألتابعة لإدارة ألأوليغاركية ألمالية ألحاكمة في ألولايات ألمتحدة ألتي أنشأت هذهِ ألمؤسسات لتكون أذرُعاً تتحكم من خلالها في مقدّرات شعوب ألعالم ، وتمتلك هذهِ ألدول مجموعة من ألتصوّرات تستند إلى دراسات إقتصادية عالمية تتحدّث عن صعود ألصين إلى ألمركز ألأول عالميا في ألإقتصاد مع حلول عام 2015 وبألتالي لا تكون عملية ألمعارضة لعولمة ألمجتمعات مغامرة غير محمودة ألعواقب وتقود ألتغييرات ألجديدة ألتي ستطرأ على ألعالم إلى تقلّص نفوذ صندوق ألنقد ومعهُ ألمؤسّسات ألرأسمالية ألأُخرى في ألتأثير على ألقرار ألسياسي لإغلب ألبلدان وتنحصر معهُ تأثيرات ألعولمة عند حدود بلدان أوربا ألغربية ألصناعية ومعها ألولايات ألمتحدة وكندا وأستراليا ,اليابان وباقي ألبلدان ألتي تدور في ألفلك ألأمريكي هنا وهناك ..

وبإستثناء ألأحزاب أليسارية ألمصرية فإن حركات أليسار في ألعالم ألعربي لا تزال تفتقد لبرامج فعّالة في طرح ألأفكار ألتي من شأنها تجعل ألشعوب قادرة على إستيعاب تأثيرات ألعولمة على ألمجتمعات وجر ألجماهير إلى تظاهرات متزامنة مع تلك ألتي تنظمها ألحركات ألمناهضة للعملية في أوربا وباقي بلدان ألعالم ،فألأحزاب أليسارية وألشيوعية ألتي تمتلك برنامجاً إقتصادياً يستند إلى علاقات ألإنتاج ألأشتراكية من مصلحتها تحفيز ألعوامل ألتي تصب في وحدة حركة ألجماهير لمعارضة فكرة ألعولمة ألتي جاءت كبديل لمصطلح ألإمبريالية في هذا ألعصر للتخفيف من وطأة معارضة ألشعوب لها ، ووصول برامج ألعولمة لطريق مسدود سيدفع ألولايات ألمتحدة لإشعال حروب متعدِّدة في مناطق ألعالم لإستعادة توازنها وهذا ما تحسب لهُ ألحساب من ألآن في ألشرق ألأوسط وألأقصى ومناطق أخرى لإن نهاية وجودها كقطب أوحد سيبدأ من لحظة إنهيار مشروعها هذا وبألتالي خضوعها لشروط جديدة في ألصراع ألدولي وهو ما لا تريدهُ ..