الرئيسية » مقالات » تحليلات متعالية في محسوس الشعر

تحليلات متعالية في محسوس الشعر

كل معرفة تعتبر تحليل متعالي محكوم للتطور الاجتماعي، ومن مظاهر الواقع غير المحدودة في مفهوم الشعر، والشعراء جلَّ محاولاتهم تقع ضمن صورة تعكس تكنيكياً تطور صيغ الفكر، مما يضع الشعر موضع التفسير التاريخي.
الشاعر ئاوات حسن أمين، وقصيدة (قناعاتي) متلبس بفضاء المعنى، يتدفق من ذاته الحزن، تجربته أكبر من أن تحاك فوق ورق أو تتوهم الحلم، لغته متاخمة لفلسفة المحسوس، يتعهدها لغة تحمل الحكمة، لم يغامر بأطراف هدهدها الخوف، وبصرامة أمتلكها كتب يقول:
-1-
تيقظ .. وميض من الضوء، لا تكفي لمسح وصمة ظلام اللوحة…
شبراً من الأرض. لا يمكنه أن يحتضن كافة فوهات الينابيع…!
وأنتي بهذه العين الواحدة. لا يمكن التطلع إلى المستقبل…!
_ _ _
كتاب ( الترحال) ليس كتابة ذكريات لشخص واحد، احذر..!
الرجل الذي استمر في الرحلة، الرؤيا عنده
القلم الذي كانت تكتب بشكل مستمر، انتبه..!
وحده الذي يفهم ألم القصيدة
التزم الشاعر ئاوات حسن، بكل بساطة تفاصيل اللحظة، كتب قاموس للدقائق الميتة، صاغ من شوك الثواني وفجيعتها، سياجات العمر، بصوت مؤرق كزخات المطر الأسود المتآمرَ، فكتب يقول:
الذي لا يعلم قراءة الكف، أبداً لا يعلم عن مصيره..!
الشخص الذي لا يصادق ضربات قلب المحارة..
أبداً لا تعطي له شرف الألوهية..!
_ _ _
على حافة الاستماع من الحقائق تأمل الله
رفضت الهدنة مع جميع الخضيريات الساحرة واحتضنت وحدة الغابات
وجمعت القبلات التي كانت واقعة على الطرق
وأرسل الفاكس بواسطة الحمامات الحزينة إلى بر اليابسة
كانت مكتوبة فيها:
– الوحدة.. داء فتاك إن لم تتكيف مع النوم
– النوم.. داء فتاك إن لم تتعود على المطالعة
– المطالعة.. داء فتاك إن لم تعرف المصادر
– إظهار المصادر.. داء عمياء، لأنه محال بدون العين تمص الضوء
الشاعر ئاوات حسن، زرعنا في دروب الأيام المقتولة المتضخمة بالزخارف، زخارف الحرب وطرق سكب مفاهيمها فوق رؤوس الأبرياء، بسريالية دالي، رسم كلمات قصيدته كعنقود غض وطري لكنه لم يؤكل، سحقته الجيوش العمياء، قصيدة (قناعاتي) شكلت تنافر لماضي، وانبثاق لحاضر، لفواصلها منوال مازال قائم لم توضع أوزاره بعد، دَوَّنَ حقيقة مذهلة تفيض بالموت، واقعها حلم يابس أُنتزع من قشور الهذيانات للسلطة، أفق الشاعر متمكنة وهائلة في لملمة نسيج العنكبوت، عمل على حرقه وذر رماده في قلب التاريخ، بقوله:
-2-
صحن من الهم وضعت على سفرة ليلي.. قطرة.. تفك قطرة من الدم
بقدر عين عصفور
والضوء من هناك
( الأمل) يظهر لي.. ولكني لا استفيد من العون؟لا أعلم..!
السراب، خيط يشبه الحياة
لا يبقي لأحد، ماعدا الهم
(كلنا نغرق والناس يسبحون في اليابس) (1)
هكذا الشاعر ئاوات حسن أمين، أنزلنا من هودج الوهم، صعدنا إلى محراب الذبائح، لمساكن العهن وما وشِم بكنه عاهرات المعابد، ونحن معه في جولته، أمضينا وقت من المغامرة الصارخة بكل اللوعة، وأدهشنا بما قدمه من منوال الحدث المر، ومعاني التجربة المرَّ، جنحت بنا لطرق كانت ثم أصبحت في طي العار، لمن كانوا صناعها، ولم يتركوا ورائهم غير إثم أفعالهم، الجولة في قصيدة (قناعاتي) للشاعر ئاوات حسن، متعبة لكن شيقة لمعرفة بعض الأهوال المنسلخة من صوت الطغيان، طغيان الإنسان الجشع.

الكاتبة/ ناقدة من العراق. // المصدر: كتاب غسق الشفايف الوردية/ ص 16 / ترجمة: جيهان عمر.