الرئيسية » مقالات » سيمفونية لم تكتب بعد.. الحب عنوانها

سيمفونية لم تكتب بعد.. الحب عنوانها

طرق ومسافات الحياة تعمرها نفوس البشر، ووحي الشعر يلعب دور كبير في سرد أدق الخبايا المعاشة، حوائط وأبنية تتحرك داخلها ملامح إنسانية، قد تكون معذبة، قد تكون سعيدة، قد تكون باحثة عن وجودها، الشعر عند الإنسان المبدع حين تقع رؤياهُ على جناح فراشة منكسر، أو أشعة شمس مخترقة ثقوب صغيرة، تراوضه لغة التعبير شعورياً، تخيلاً وانفعالاً، خارجاً من زمن داخلاً خمر الإبداع وما يصادفه من جمالية المفاهيم، مؤكداً استدعاء فكره الموحي، لما يمر أمام عدسة مشاهداته اليومية، منقباً في حركة الشعور لديه، حذراً في تبنيه القيمة الفنية لكل خوالج يومه يعمل على إيقاظ ما تهالك من جوانب الحياة، فيلجأ(للمرأة) السيمفونية التي لم تكتب بعد، بدأ بكتابتها الشاعرة: نجاة الزباير والشاعر إبراهيم عبد الفتاح سعد الدين.

الشاعرة نجاة الزبايري، المغرب/ تغوص في فلسفة النفس والتجربة في بحثها عن نشاط هذه الطبيعة ومداها الذي يختال أوصال أحاسيسها، وحالات التحول بين متاهة الانسجام والصراع لمفردات تفكيرها القائم في خلق ما تريد أن تتهيأ له، وما وجدت عليه آباؤها الأولين، في قصيدتيها(قصيدة كسرتها أوزان الهوى) وقصيدة (حقائب قصيدة هاربة).
نجدها تشحن فكرها في معانات المرأة.
(قصيدة كسرتها أوزان الهوى) لم تسلم المرأة من رشق الهوى حين يسير في دروب حياتها، كتبت تصف السنين التي مرت بها بالليالي، والليل ما أقسى سواده حين يمر الإنسان بعذابات تقوده لمعرفة نفسه، فتحدثنا عن سبع ليالي عمرت سنين عمرها كأنثى، “الليلة الأولى” لم تدرك بعد أوهام عواطفها المتأججة في لحظات سحبت منها، بقولها:
الليلة الأولى
صبية كنت…
بضفيرة تجر وهم الطفولة
استقبلتني أحلام المدينة
مثل بابل تُقَطَعُ أوصالها
روت لي هذيان الصباح
واستسلمت لهدير الوقت
والليلة الثانية، أخذت كالبرعم تتنشق عبير الكلمات، مبعثرة بين قبول الأمر ورفضه لا تريد الانقياد وراء هواجسها، بقولها:
كان الضوء في كفي
قصيدة طريدة
وحين يطويني الوطن خفية
بين غمام الكلام
أتصبب شظايا لا تحسن الانحناء
أما الليلة الثالثة، ضجت بعض جوانب نفسها كإمرأة، أخذت تعمل على مسح الهواجس وتتحسس المشاعر، لكن دائماً طريق المرأة مسكوب فيه الزجاج المكسور وحوافي حادة تجرحها، لذا عندما تنخرط في السير وراء عاطفتها، وتجد حذاؤها ممزق، تخاطب ظنونها عسى أن تهتدي لما يشمل مدركاتها، فلا تستريح إلاَّ بعد أن تجد التجربة خير من يُعلمها بالحقيقة، يقولها:
من هجرة الحروف في أرض العشق
أمسك بظلي ورماهُ فوق ركبهِ.
كانت الجبال تغطي ذوائب الشوارع
وكانت الأنهار تصب أقنعتها
أرهقتني صهوة جواده
قلت: هلا استرحنا؟
قال: من هنا مرَّ الهوى.. اتبعيهِ
ناشدته البقاء متنكراً في برقي ورعدي
أنى وتركني أكرع انتظاري.
الليلة الرابعة، استفزت قوتها في نسج عالمها لتسكن حلمها وطن هي أباحت له الوجود، حددت معالمه، وقلعت كل اجتثاث راودها، هش أو فوق القمر، بقولها:
كانت تنحت في أحلامي أوطان
تنتعل أقدام القمر
تقودني إليها امرأةٌ
دون صوت.. ولا ملامح
تبعت صداها فاهتديت.
الليلة الخامسة، لم تجد بد من هذا التوافق بينها وبين نفسها، ولم تتحمل البقاء في حدود أضاعت عليها معرفة الحياة والتلذذ بمفرداتها، بقولها:
وجدته هناك…
يتساقط من شفاه المدينة

توقف..
سلَّمت..
أباح لي الصعود في لغته
استغربت مداره
وقلت: “تراني وصلت” ؟
الليلة السادسة، تعلمت شيء من النضوج أخذ يدور حول حلمها، وقررت قبول التجاوب بالمعرفة التي خبرتها، وتعلمت كيف يكون السير على الجليد بدون سقوط، بقولها:
قال: أُجلسي
كانت في عينيه دروب ضيقة
يطل منها صفصاف حزين
كيف تركت الوطن؟ تساءل
– الأرض تلبس أشكال خرابها
والطوفان يجرب أحلام البسطاء ” تنهدتُ
الليلة السابعة، تأكدت أنَّ ما تملك من معاني هذا الوجود لن يأتي اعتباطاً، وعركت ما مرت به من سابق عهد، ومشاعرها أصبحت لم تعد تفوت عليها معرفة مفاهيم الآخر، وها هي تشكل مفاهيمها بقولها:
كان الفجر يجر نبرة صوته
حين حملته تقاسيم النبض نوراً
يمحو ويبني أسماء
تدلى من ضوضاء الليل
رمزاّ
وغاب في ماء الكشف.

أما قصيدة( حقائب قصيدة هاربة) تعد مفارقات الحياة بالحقائب، مع أن الحقائب ترمز للسفر، إلاَّ أنها تصور لوحاتها الشعرية التي حشد بها حقائبها في القصيدة بتفجر أفكار كثيرة، جعلت المعنى متمثل في عدة استحكامات بقولها:
الحقيبة الأولى، تصرخ ضد ما يعتلي درجات القبح من حولها، أصوات تريدها أن تسكت، بقولها:
كرهت جرسها
أغمضت أصابعي
فتحت سماواتي
لعلي أتنفسُ ضوءاً
تسللت إليَّ
بي عطش يردم خوفي.
الحقيبة الثانية، صورة لإمرأة أفكارها محاطة بما يشبه الموت، باشمئزاز شديد ترفض تفاهات مجتمع محنط بأفكار باليه، لكنها تعمل على فك الأسر وتنطلق، بقولها:
فتحت دمي
رايته هناك…
يتلوى من سقم الوقت
مددت لفتاتي
تهاوت أجنحة الهوى
الحقيبة الثالثة، نجد اختيارها للمفردة في نسق جديد، حيث تخاطب دواخلها بكثير من العقلانية، غير متهورة قد توصلت لما تريد، وبشيء من الشجاعة ترفض بإصرار، إنَّ جمالية الصورة في هذه اللوحة تكمن في الحوار الذي حاكت منه مشهدها الذي يحمل نوع من التحدي، بقولها:
فتحت أزرار عشقي
انسكبتُ
قالت:
– “لم تتدفقين كما النهرُ
بين كفي هواه ؟”
تعثرت خجلى
تسللت منها إليَّ
تأملت رسمه في دم الأرض
قلت:
– “هلاَّ رحلت؟”
الحقيبة الرابعة، تبدو وكأنها تأكدت من قوتها كإمرأة، فلم تعاند نفسها كثيراً، بقولها:
رمقت ظني
عانقت طيفه عني
ترنحت
وفي هرولتها تلاشيت
الحقيبة الخامسة، تعود للرفض، إنها ليس هشة لهذه الحد، فتعلن أن أنوثتها معاني وجودها، بقولها:
اجتثثت بعضي
قلت:
– “لم تقرعين باب همسي
حبلى بألف صراخ
وبين يدي مدائن من نار؟”
الحقيبة السادسة، أدخلت ظل اللذة والنشوى التي يتنعم بها العشاق( أنثى/ ذكر) أنهما من روح ونفس واحدة، هي لم تعد تخاف من هذه المشاعر، ما دامت توصل للسعادة، نجدها بهدوء تقول:
أوزرت عني نبراتها
مدتْ إليَّ جناحها النحيل
رأيت فيه المجنون يغسل بردهُ
وجميل بنثر صبابته
قالت:
– ” هلاَّ اكتفيت؟”
الحقيبة السابعة، القميص هو الشاهد، ورمز الأمل، تأمل وتتأمل ربما السفر يعيد شيء من أحلامها، في داخل فكر يحمل روح كبيرة رغبة عارمة للحياة، لابد أن تمارس، مفردة( النقر) تعني التشبث بالحياة، بقولها:
جمعت جدائلها في قميص الليل
وجرَّت حقائبها متهدجة النبض
سقط خلخالها
التفتُ أعيده إليها
لم أجد غير صوتها ينقر حلمي


الشاعر إبراهيم عبد الفتاح سعد الدين، مصري/ يبحث في النغمة السارية والمتعارف عليه من صلبان التفاهم الوجودي، بينه وبين الأنثى، المرأة تلك الإنسانة التي تحمل في شخصيتها المحاطة بعطرها، يحاول فكره لمس الراقص من موجات شعاعها، أحياناً يجد نفسه قادر على مغادرة حدودها، وأحياناً يدرك أنها ليس ذلك الزجاج العاكس، كيفما يحلو له تحريكها، الشاعر إبراهيم سد الدين في قصيدتيه، (لا تُشغَلي) وقصيدة، ( لأنك حبة القلب) بتهادي المفكر الحاذق يكتب فوق سماء شعره ألوان تكاثفت فيها روحه الخصبة تجاه المرأة، في قصيدة ( لا تُشغَلي) رفقته للمراة تحمل إيحاءات ثنائية في تكوين هدفه، يطلب من المرأة أن لا تنشغل، يقوله:
لا تشغَلي..
بك أو بدونك سوف أكمل رحلتي
بك أو بدونك سوف أبلغ جنتي
تعبت يداك من السباحة في بحوري
فاستريحي..
أما هو يعلن أن سير كل شيء طبيعي بدونها، أو بوجودها، هو قادر على تجاوز الحالة، حالة التعاطف، حاملاً داخله نوع من الشعور بالاغتراب الذاتي، يقوله:
آن الأوان لكي أهمَّ بغيرها
ونضجت – في عيني – أجمل وردة
ما عاد قلبي يستطيب عبيرها
إن كنتِ وهماً.. لا تبالي..؟
فانا ابتدعتك من خيالي..
ونفخت فيك الروح من حلو الكلام
محاولته في إيجاد انسلاخ جديد كي يعالج نفسه من الداخل، أما فكره ممتلئ بالصمت والحزن، نجده يخمر في مخيلته شعور مغاير، بقوله:
فأنا الذي أسلمت قلبي للنعاس..
وذبت في خدر المنام
إن كنت عمراً ضائعاً
فجميع أرصدتي من الدنيا تهاويم الغرامِ

أما قصيدة( لأنك حبة القلب) يطلق العنان للذاكرة من رائحة الأمل، متصالحاً مع وجود المرأة، كاشفاَ تدفقاً رقيقاً في خلق صور الانتظار، لا يتراجع أبداً في رغبته حيالها، بقوله:
سأنتظر
وقد تأتين.. أو تنسين موعدنا
فأعتذر
أليك.. أبؤ بالذنب
وأحمل عنك كل لواعج الحب
فما من هفوةٍ إلاَّ ويحضرني لها عذر
قيمة النص الجمالي في كل شطر من أشطر القصيدة يعطي في الصميم قوة لشاعرية الشاعر إبراهيم، بقوله
لأنك حبة القلب
فمالي عنك مُصطبر
شعاعاً من ضياء الزهو في عينيك ينكسر
لأن هواك طاغية
يفيض عليَّ بالنعم
حضور مشرق بخبرة تحمل كثافة المشهد الشعري، من منظور وجداني عميق وآفاق لكينونة صادقة في البلاغة، ونسج صور طاغية في الجمالية متحدة، تصل حد الحالة الصوفية، بقوله:
ذريني كيفما شئت
ذريني في هواك- إذن-
غريقاً ليس تدركه
– بعرض البحر- معجزة
ولا ينجيه – من أنوائه- بر
فكسرُك دائماً في القلب مجبور
ومرَّك في فمي أحلى من الشهد
وذنبك- مسبقاً- يُمحى ويُغتفر
الشاعر إبراهيم كتب فأبدع في غمر المرأة بالحب والحنان الرجولي المشبع بالزهو في نفسه القادرة على منح السلطة الذكورته، ولمس جانب الرقة في نفسه المتواضعة أمام الجمال.

البناء الشكلي للشاعرين( نجاة الزباير، إبراهيم سعد الدين) الخروج من صميم الحالة النفسية، أسسا على محك الروح الهائجة بين قطب الرغبة المرادف للون عائم في اصطلاحين، هما السلطة والسيطرة من مصنوع الظاهر والعلني، الشاعرة زباير لم تفسح المجال للتسلط على نفسها من قبل نفسها، بل عالجت الأمر بكثير من التفهم العقلاني، صارعت هزيع ليل يلف المرأة بشوائب المجتمع، فخرجت بمذهب منطقي لكيانها ووجودها في هذا العالم، الشاعر سعد الدين، كرجل يفهم أنَّ المرأة سكن له، ولكنها ليس جارية، لهذا هادئ في استرجاعها وشرَّع لها حرية التصرف العاطفي نحوه في الرفض والقبول، فهو أيضاً لا يود أن يكون مشروعها، بل اختيارها، فنسج لنفسه طريق بذكاء الشاعر المدرك، فألبس أشعة علاقتهما المغاير من المعروف في الحب، فكان صوفياً فيما ملك ميزان عقله متفهماً هذه العلاقة الرائعة.
الشاعرة: نجاة الزباير، أديبة وصحفية.
– عضو في مكتب اتحاد كتاب المغرب.
– عضو فخري بدار نعمان للثقافة بلبنان.
– عضو مؤسس لمنتدى الشعر والشعراء بالمغرب.
– فاز ديوان النخب الأخيرة بجائزة نعمان للشعر 2006 .
– صدر لها ديوان أقبض قدم الريح 2007 .
الشاعر: إبراهيم عبد الفتاح سعد الدين.
– كاتب وقاص وشاعر ومترجم.
– حصل على الشهادة الجامعية الأولى عام 1966 تم دراسات عليا( ماجستير) بجامعة عين شمس 2003 .
– يعمل مترجما بمنطقة العفو الدولي.
– نشر له العشق في زمن المرايا مجموعة شعرية.
– فحل التوت مجموعة قصصية.
– مطر صيفي مجموعة قصصية.

كاتبة من العراق