الرئيسية » مقالات » وظيفة الإبداع وإشكالية العصر

وظيفة الإبداع وإشكالية العصر

التناسب الوضعي في وظيفة الشعر وعصر الإبداع، دخل الحرف حجم التوازن في كفتا ميزان يقود لدغم الإشكالية في الحداثة الشعرية، فما كان من الشاعر سلام سعيد مولود، سوى ربط الصورة الجمالية في التكرار بالاستعارة في العطاء لأكثر من معنى للمفردة في خلق قصيدة تحدث تطوراً وتكامل في التأويل.
الشاعر سلام سعيد مولود، وقصيدة ( السراب) إبداع الشاعر يُثَبِتْ وجود الجمال، والشعر جزء من عالم الفنون الأخرى، وللشعر تعبير عن الذوق الإنساني، بكل أنواعه يخلق التأمل في الجمالية التي صدرت عن الكائن البشري، والشاعر يشحذ قريحته وذائقته الشعرية كي يخرج عن إشكالية العصر، ويظهر الإبداع عند الشاعر سلام سعيد مولود في قصيدة ( السراب) يحاكي بحسرة هذا الكون، حيال حضور أزمات العصر ومنها الألم الذي يسببه نزاع لا يحمل في تصميمه غير الطمع والغدر والموت، فيقول:
من يقدر أن يحتضن الجرح
من يستطيع أن يمحو الهموم
من الجنون أن نناظر الكلمات بالألم
من الجنون أن تحادث الموتى
من الجنون أن تدفن الأحياء
من الجنون أن تحتضن الصمت
من الجنون أن تخطو بالخطوات نحو السراب
تجربته مع الألم والموت وضعت علامات استفاضت كثير من التراكم العميق لترديد نفس المفردة، لأكثر من مرة حملت التساؤل، القهر والحزن العميق والتجارب القاسية خلقت في نفسه جوهر مصقول لروح صافية، قادتنا لتوقعات التكثيف في قصيدته، وكشفت تراكمات متخمة أظهرها الشاعر سلام سعيد بشكل ظلال على انكسارات لحقت روحه العالية بما أصابها من مرارة وإحباط، بقوله:
الحدود شائكة، والمدن عارية الأسوار
من الجنون تصديق السراب
والانتظار من نوافذ مفتوحة
تضيع كل ألحان الهوى
ويغرد الناموس كلمة أسطورية
تستقبله حافات الموت
يشمل ما معناه لغز الحروب، وفي اللا مباشر يطرق أوهامها وعج فها ومخططات سرابها، الحرب لا تفضي إلاَّ للسراب، حاول أن يبتعد عن مفردة (حرب) لكنه رسم كل صورة في إمكانيتها الشعرية، ودقة الفراغ الذي تولده حالة الحرب في النفس والحياة والمجتمع، إذ يصبح كل فعل يحمل صفة من صفات الجنون، حتى الصراخ والصمت يدخلان هذيانات الحالة المؤتلفة للخراب، بقوله:
من الجنون.. التعري
لا صوت للصراخ
والكلمات مشلولة
والمحيط هادئ
والعتمة تخنق ما حولنا
من الجنون.. التعري
والانتظار جنون
من الجنون أن نعقد الأحلام
سلام سعيد مولود، عقد على جبين الأيام كلمة الجنون، وما يتضمن دلالاتها الشعرية، رافض كل هذا الجنون الذي عاش، ولم يجد من حقه الرفض أو القبول لوجود هذا الجنون، غير أن هناك نوع من البشر همها خلق الفزع والخوف في مشاعات الحياة، بما يملكون من سمات الجنون الثابتة في نفوسه العشوائية، فيصبغون عموم اللحظات بشعث جنونهم غير المحتمل، ويحَمِلون البشر هالات الموت والتبعثر دون رحمة، لذا الشاعر يصر على زرع (من) في جوانب كل صراخا ته، ليعلم العالم أنه من الصعب قبول الموت المغمس بالجنون، بقوله:
لكل الأحاديث قراءة
من الجنون أن تقضي ليالي مع الموتى
من الجنون أن نتحاشى الغازات السامة
من الجنون ألاَّ يكون الانتظار.. للحرب
لم يعد قادر على بقاء هذه المفردة في جوفه، فتقيأها في آخر القصيدة، (الحرب) لأن كل المصائب تأتي من الحرب، والحرب وحدها من قادرة على خلق هذا الجنون، وفي حالة الحرب يكون الإنسان مرغم على التعايش مع الجنون، المفارقة التي تمنحها الحرب، وليس من السهل أن يملك الشاعر مثل هذا الطوفان من العذابات ورسمها بريشة مبدع متمكن، تحمل سرية الغموض الذي لا يتركنا دون أن تنزع الدموع من العين ومن قلبك الحسرة، وأنت تمر فوق سطور محشوة بالهلاك، الواضح لأيام غارت وولت، ولكنها في الذاكرة راسخة حد الشعور بوجودها أينما حل وارتحل.
الكاتبة/ ناقدة من العراق.

المصدر : كتاب غسق الشفايف الوردية/ ص 46/ ترجمة : جيهان عمر.